Aller au contenu principal

عبد الناصر، طيب الذكر

news-details

حلت اليوم، الثالث والعشرون من العام 2012، الذكرى الستون لثورة 23 يوليوز للعام 1952، التي قادتها بمصر مجموعة من "الضباط الأحرار"، منهية بذلك عقودا طويلة من الاستباد والفساد، والحكم الملكي المطلق، اللامبالي بما يجري بداخل البلاد أو بمحيطها الإقليمي المباشر.

ومع أن الذكرى قد حلت، ووضع مصر بعد انتفاضة 25 يناير من العام 2011، لم يستقر بعد على حال، ولا كتب لتوجهاته الكبرى أن تتضح، فإن المصريين قد احتفلوا بها بميدان التحرير، رافعين صور الزعيم الراحل عبد الناصر، مستحضرين ذكرى رجل أفنى عمره القصير، من أجل رد الاعتبار لمصر أولا، ثم للعرب والمسلمين ثانية:

+ فالرجل أعاد الاعتبار للإنسان المصري البسيط، فضمن له، في أقل من عقدين من الزمن، كسرة خبز، بعدما مكن معظم فلاحي مصر المعوزين، من بضعة فدادين زراعية أزاحت عن كاهلهم ثقل نظام السخرة، وخلصتهم من عهود الاستغلال التي ثبتها كبار الملاك، بمعاضدة نظام ملكي إقطاعي، الكل مصادر لفائدته، بشرا وشجرا وحجرا.

لم يكتف الرجل بذلك، بل بنى لهم سدا عاليا، جنبهم ويلات فيضانات النيل، ومنحهم سبل سقي أراضيهم بالعدل، بعدما كان ذات "الحق" حكرا على الإقطاعيين والمتنفذين وكبار الملاك.

+ والرجل أنشأ لهم المعامل والمصانع، للنسيج والقطن والصلب والحديد، فبنى بذلك نواة نهضة صناعية لم تكن مصر قد عهدتها إلا في السنين الأولى لعهد محمد علي، لكنها سرعان ما توقفت وانحسر مداها، جراء ضغوطات الخارج وحسابات من لا مصلحة لهم في ذلك بالداخل.

إن عبد الناصر قد فطن، برؤية ثاقبة، أن مصر لا يمكنها أن تنهض إذا لم يتكئ اقتصادها على صناعة قوية، ذات قيمة إضافية معتبرة، تحول دون استمرار مسلسل التبعية الصناعية والتكنولوجية، وتضمن لمصر الاكتفاء الذاتي بهذا الجانب.

+ والرجل استطاع، بكاريزما قل نظيرها في زمنه وفي الزمن الحاضر، أن يشحد همم الشعب في الفترات الحالكة من تاريخ مصر. فجمع من حوله كل أطياف الشعب المصري في عدوان العام 1956، وأخرج الجيش من كبوة العام 1967 بحرب الاستنزاف أولا، ثم بالاستعداد للحرب القادمة مع إسرائيل، فكان له نصر العام 1973، وهو في قبره راضيا مطمئنا.

ومع أن لا أحد يستطيع المزايدة على الرجل، ولا على وطنيته وصدقه وطيب معدنه، فإن ثمة العديد ممن تحامل عليه، وحاربه، وشنع بنظامه سرا وعلانية. ولعل زاوية الانتقاد الكبرى التي وجهت للرجل ولنظامه، إنما الطابع الديكتاتوري الذي أضفاه على الحياة السياسية، وسمة احتكار السلطة الذي حال، بنظر العديد من المتحاملين عليه، دون استنبات فضاء ديموقراطي، تتبارى من بين ظهرانيه الأحزاب والتنظيمات السياسية وما سواها.

وهو تحامل قد يستطيع المرء تفهمه اليوم، لكنه من الصعوبة حقا تفهمه في ظروف خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث السياق مختلف والمعطيات متباينة للغاية.

إن عبد الناصر، طيلة ال 18 سنة التي قضاها بالسلطة، لم يكن حرا طليق اليدين، بل كان محاصرا أيما يكن الحصار، ليس فقط من لدن القوى الخارجية المتربصة به، ولكن أيضا من لدن قوى مناهضة متعددة بالداخل، إما استهدف الرجل مصالحها، أو لكونها تربصت به لإزاحته عن الحكم بهذا الشكل أو ذاك.

ثم إن الرجل كان يقاتل من أجل ضمان لقمة العيش للملايين، ومن ثمة إعادة بعض من كرامتهم المهانة لعقود طويلة. عن أية ديموقراطية نريد أن نحاسبه على الإخفاق في بنائها...؟ ليكف المصريين ما أتت به ديموقراطية السادات ومبارك...تلك "الديموقراطية" أتت عليهم ولم تأت لهم بشيء يذكر.

لينظر المتحاملون على طيب الذكر كيف كانت جنازته، وكيف كان مآل السادات، ثم مبارك من بعده؟

* "عبد الناصر، طيب الذكر"،  23 يوليوز 2012.

Vous pouvez partager ce contenu