Aller au contenu principal

الشبكات الاجتماعية والانتفاضات العربية

news-details

ليس ثمة من شك في أن دور الفضائيات وشبكة الإنترنيت، خلال الانتفاضات العربية الأخيرة، والجارية على حد سواء، كان مهما للغاية، لأن هذه الوسائل جعلت من مجريات الأحداث وقائع عالمية، ومن الانتفاضات مادة متداولة على نطاق دولي، تجلب التعاطف والتضامن الدوليين، لا بل وتحول دون الحاكم ودون أن يستمر أخلاقيا في قتل الجماهير بالشوارع والساحات.

بالمقابل، فثمة من يرى بأن هذه الفضائيات والشبكات الاجتماعية المتفرعة عن الإنترنيت، إنما كانت عنصرا مساعدا، وليس بأي حال من الأحوال عنصر الحسم الذي ينسبه البعض لها. إنها ترجمت افتراضيا ما يجري بأرض الواقع، ولم تخلق هذا الواقع حتى يمكن الادعاء بأنها حسمت الصراع لصالح الجماهير.

بصلب كل ذلك، نقول بأنه إذا كان صحيحا أن الشبكات الاجتماعية، والفايسبوك تحديدا، قد أسهم في الزيادة من منسوب تواصل الشباب المنتفض، وتدعيم التنسيق فيما بينهم فيما يخص أماكن وأوقات التواجد، وطبيعة المستجدات المطلبية المفروض رفعها، فإنه ليس خطأ اعتبار أن كل ذلك لم يعوض التواجد على الأرض يوم الاحتجاج، بدليل أن قطع الحكومة المصرية لشبكة الإنترنيت، لم يقلل من حجم المتظاهرين، ولا من حدة شعاراتهم ومطالبهم.

بالتالي، فنحن نزعم بأن الشبكات الاجتماعية، من فايسبوك وتويتير ودايلي موشين ويوتوب وغيرها، كانت عناصر ضرورية، لكنها لم تكن كافية لحسم مصير حركات الاحتجاج ضد الحاكم. بمعنى، أنه لولا التواجد والضغط بالواقع الحقيقي، لما كان للواقع الافتراضي أن يبلغ مداه في التغيير.

أما عن اندراج الشبكات الاجتماعية في إطار حسابات سياسية واستراتيجية، فإنه من الثابت أن لكل وسيلة إعلامية وتواصلية حسابات سياسية، تضمر في ثناياها أجندات محددة، يتم توظيفها لخدمة هذه المصلحة الآنية أو بعيدة المدى، أو تلك. ومع ذلك، فالعبرة في الوسيلة أو التقنية هو بالاستخدام وبالاستعمال، والدليل على ذلك أن شبكة الإنترنيت أنشئت لحماية المنشآت النووية الأمريكية من ضربة نووية محتملة من لدن السوفيات، لكنها غدت بمرور السنين، وسيلة اتصال وتواصل ومعرفة، وأداة تصريف الاحتجاجات في الحالة العربية، منذ يناير من العام 2011 وإلى يومنا هذا.

إن تأثير الشبكات الاجتماعية ليس من قبيل الفعل المباشر في السلوك والتمثل، إنه من قبيل التداعيات التي تترتب عن ذلك في الزمن والمكان، وعلى المدى المتوسط والطويل تحديدا، إذ من المتعذر حقا ملامسة التأثير على المستوى الكمي أو النوعي، أو تحديد مدى تأثير هذا الرافد الإعلامي أو ذاك. هذه أمور معقدة للغاية، لا يمكن صياغتها بنماذج أو بصيغ رياضية ثابتة. إنها من مجال العلوم التي لا تخضع للتنميط الرياضي أو الإحصائي.

ومع ذلك، فبالإمكان قول التالي: إن هذه الشبكات قد حملت جديدا على مستوى طرق وسبل تواصل الأفراد والجماعات، وتجاوزت بذلك على المباشر الحي، أي على المنشور والمطبوع والمقروء، الذي لطالما كان أداة الحركات الاحتجاجية قبل ظهور هذه التكنولوجيات الجديدة وانتشارها.

ويمكننا القول أيضا بأن هذه الشبكات قد ساهمت بقوة في رفع منسوب الوعي لدى الشعوب، وتأكدها من أنها هي مصدر الشرعية، تمنحها لمن تشاء وتزيحها متى بدا لها ذلك. وأن هذه الشبكات قد أفرزت قيما جديدة، لعل أهمها بالمطلق القبول بالآخر في تنوعه واختلافه وتباينه، مادامت المطالب موحدة والمصير مشترك. ويمكننا القول بالمحصلة، إن هذه الشبكات أبانت بأن ثمة شعوبا حية ويقظة، حتى وإن خضعت لعقود من الظلم والاستبداد والإهانة والارتهان.

أما عن دور الدولة الوطنية في كل هذا، فبالإمكان تصور أن دورها لا يزال قائما، لكنه ليس مركزيا كما كان الأمر من ذي قبل. بالتالي، فقد باتت، على الأقل في الوطن العربي، مطالبة بإعادة النظر في السلوك الأمني والابتزازي الذي أفرغها من محتواها، وجعلها أداة قمع ومصادرة للرأي. ولنا أن نلاحظ كيف بات حال الشرطة في مصر بعد سقوط نظام مبارك، وكيف طالب الناس هناك بحل جهاز أمن الدولة.

الشعوب لا تريد دولة أمنية أو استخباراتية. إنها تريد دولة رعاية وحفظ كرامة وتنمية. وهذا ما لم يدركه العديد من الحكام العرب بمشرق الوطن العربي وبمغربه.

كل العملية مرتبطة هنا بالسؤال عن كيفية تعامل الدولة مع هذه الشبكات، ومع الثورة الرقمية بوجه عام. فإذا كان المقصود هو توظيف هذه الثورة الرقمية لبناء اقتصادات ومجتمعات معرفية، فهذا ممكن، إذ الثورة إياها هي بمثابة مدخل لتعميم التعليم والتعلم وترويج المعلومة التي هي كنه التنمية والتقدم.

 أما إذا كان المقصود هو كيفية درء مخاطر هذه الثورة والشبكات الاجتماعية المترتبة عنها، فإن الأمر يختلف لاعتبارين اثنين: الأول لأن الدولة كإطار مؤسساتي تقليدي، لا تستطيع الفعل في شبكة عالمية غير ممركزة وافتراضية. والثاني، لأن موجات الاحتجاج قد تسلك مسالك أخرى لا علم للدولة الوطنية بها، من قبيل التنسيق من خارج حدودها، أي من خلال أبناء الوطن المتواجدين بالخارج مثلا.

من جهة أخرى، فإننا نلاحظ أنه لم يكن لهذه الشبكات أن تؤثر وتدفع بجهة التحول، لولا توافر القابلية لذلك. بمعنى أن الشعوب بلغت من الغبن والظلم والضيم درجة لم تعد القابلية لديها متوفرة لتحمل المزيد. بالتالي فالاعتقاد بأنه كان ثمة وعي و"تحول قيمي" قبل الحراك الشعبي العربي، ليس مجانبا للصواب كثيرا، لأن الشعوب، على جهلها وجوعها بلغت من الوعي "الطبيعي" ما يجعل منظومة قيمها ترفض الانصياع والاستمرار في تحمل الذل والإهانة إلى ما لا نهاية.

* "الشبكات الاجتماعية والانتفاضات العربية"، 9 يوليوز 2012.

Vous pouvez partager ce contenu