Aller au contenu principal

انتفاضة الأقصى، مقدمة النصر القادم

أبو خالد العملة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003، 214 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: إن الانتفاضة قد "جاءت في وقتها المطلوب بدقة وفي اللحظة التاريخية المناسبة. تفجرت على إثر إقدام المجرم شارون على تدنيس حرمة المسجد الأقصى، ثم ولأنها حقيقة تاريخية، وتعبير عن لحظة تجل واستجابة لحاجات التطور التاريخي وإلحاحيته، ولكونها أداة توليد الجديد النوعي من رحم الماضي المتداعي، تطورت بسرعة مذهلة، تحولت من انتفاضة شعبية سلمية، وسائلها الحجر والجسد العاري، والمقاومة الجماعية السلبية، إلى ثورة شعبية مسلحة، تجيد استخدام الوسائل النضالية كافة، وتحسن الربط بينها، وتتقن الاستفادة من التطورات التقنية، وتسخر المعارف والعلوم الإنسانية...: إنها المعجزة، كما قال عنها قادة العدو،  عبوة مصنعة محليا، تطيح بحلم المؤسسة العسكرية الصهيونية".

لقد تجسدت في الانتفاضة، يقول المؤلف، وفي أدائها وآليات تطورها وأشكال ارتقائها، "كل العلوم الاجتماعية والإنسانية والعسكرية، ولم تفلح المراكز والخبرات التي تختص بعلم النفس وعلم الاجتماع والإعلام، وصناعة الإعلان، وأدوات وعلوم صناعة الرأي العام، التي تفردت فيها مؤسسات الإعلام المملوكة للوبيات الصهيونية والمتصهينة، ولا خطط البنتاغون، في توظيف شركات وخبراء العلاقات العامة، وتخصيص مليارات الدولارات، لشراء الذمم والمثقفين، ووسائل الإعلام، في أن تجاري الانتفاضة وإبداعاتها وجديدها الدائم والمستمر".

ويتابع: لقد "حققت الانتفاضة تحولا نوعيا استثنائيا، في مسار الصراع العربي-الصهيوني، وشكلت مدخلا استراتيجيا في آليات العمل المقاوم، وفي إطلاق مرحلة عربية جديدة، قلبت مسار الأمور من الهبوط إلى الصعود، وغيرت المقاييس والمعايير، كسرت المحرمات، واستحضرت قضايا وموضوعات توهم البعض أنها أصبحت في طي النسيان، فقد أعادت الجماهير الشعبية إلى الشارع  وإلى السياسة بعد غياب قسري خلال العقود الثلاثة الماضية، والأهم في هذا السياق هو دورها في تجديد الوعي العربي وبداية إطلاق المشروع العربي النهضوي الوحدوي التحرري المقاوم".

لقد أدركت هذه الانتفاضة، يؤكد الكاتب، "أن كل ما يقال وما يجري تحت سقف التفاوض والتسويات، ما هو إلا تقطيع للوقت، وإضاعة للفرص، وتبديد للتضحيات، وتعبير عن انحطاط وتخلف وأوهام عششت في قمة الهرم السياسي الفلسطيني. أوهام ورهانات ولدتها حقبة من أسوأ الحقب التي مرت على الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية، حقبة التضخم المالي، وتكبير الأجهزة على حساب أداة الثورة، حقبة التسلط على الشعب والثورة، حقبة تربع فيها على سدة القيادة والنطق باسم القضية من أغوتهم وأغرتهم فأفرغتهم امتيازات النفط والعلاقات مع الأنظمة، وبناء مؤسسات بيروقراطية وأجهزة أمن ارتزاقية، وشعارات يا وحدنا، والقرار الوطني المستقل، والممثل الشرعي الوحيد".

ويقر المؤلف بأن هذه الانتفاضة هي حدث استراتيجي بامتياز، "لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد أمر عابر، أو ردة فعل على حدث بعينه. إنما هي فعل واع، نتج عن تراكم واختزان الخبرات، ونتائج التجارب والمعارف، نضجت لحظة تفجرها وتحولها إلى حقيقة مادية ملموسة، أسهمت بضرب حالة الركود والسكون التي سادت في المنطقة لسنوات طويلة. فقد ارتكزت في فاعليتها وفي أدائها وآليات تطورها، إلى خبرات أجيال فلسطينية وعربية دأبت على مواصلة النضال والانتفاضات والمقاومة المفتوحة مع معسكر أعداء الأمة والمشروع الإمبريالي-الصهيوني".

لقد اختمرت شروط الانتفاضة، يؤكد الكاتب، "في بيئة التسوية والمفاوضات، وفي قلب ومجريات تطبيق أوسلو التفريطي. فقد اكتشف الشعب الفلسطيني أن الاتفاقات والمفاوضات عاجزة عن إنجاز الحلول التي بشرت بها، والتي تفرط بـ80% من فلسطين، ولا تعيد الشعب الفلسطيني إلى وطنه، ولا تعيد القدس، ولا تحقق سيادة فعلية على أي جزء من فلسطين، وفي كل حالاتها ليست سوى مراحل تفريطية، وفرص استفاد منها العدو لتعزيز احتلاله وتهويد فلسطين. فجاءت الانتفاضة كفعل جماعي شعبي متطور، رغم وجود سلطة متساوقة مع العدو، وغياب قيادة وطنية للانتفاضة، وبالتالي غياب القدرة على إدارة الصراع الذي يتناسب مع هذه الإرادة الشعبية الجماعية".

ولعل أهم إنجازات الانتفاضة نجاحها "في خلق الكثير من الحقائق والوقائع الجديدة غير المسبوقة، فاهتز الأمن الصهيوني، وسقطت أسطورة التفوق العسكري والتقني، وانعكست الهجرة إلى الخارج، وتقدمت آليات الاختلال بالتوازن الديمغرافي، وانهار الاقتصاد الصهيوني بجميع قطاعاته، وبدأت انعكاسات الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية تتجلى بأزمات سياسية مفتوحة، وبحالة من القلق والانقسامات، وتصاعد التوترات داخل بنية الكيان الصهيوني وتكتله الهجين".

ومن إنجازاتها الهامة أيضا، انفجار "التناقضات بين أطراف النظام الرسمي العربي وفي بنيته، وبينه وبين قطاعات جماهيرية واسعة، وبات بعضه مستهدفا من قبل المشروع الأمريكي-الصهيوني، الذي يفترض أن تغيير هياكل المنطقة وخرائطها بات شرطا واجبا لتصفية الانتفاضة والمقاومة في فلسطين، من أجل تكريس الهيمنة على الوطن العربي وثرواته وموقعه الاستراتيجي، والعمل بكل الوسائل على تفتيت الدول العربية الرئيسية، كشرط أساسي لبناء شرق أوسط جديد، يكون للكيان الصهيوني الدور القيادي والرئيسي فيه".

وينضاف إلى إنجازاتها القوية، اقتناع الصهاينة يسارا ويمينا، متدينا وعلمانيا، عسكريا وسياسيا، "باستحالة التعايش، وباستحالة الانتصار على الشعب الفلسطيني. فأخذ خيار التقوقع والانغلاق، والاحتماء خلف جدر إسمنتية وإلكترونية (الجدار الواقي) طريقه بقوة، حاملاً معه تغييرات بنيوية تاريخية في دور ووظيفة الكيان الصهيوني الذي أنشئ من أجلها. فبدل أن تكون وظيفته هجومية تطويعية، تتحكم في المسارات السياسية للعواصم العربية والإقليمية، بات مشغولا بأمنه، يعيش حالة دفاعية، يستجدي دعما أمريكيا وعالميا، وينشد مساعدات من بعض الأنظمة العربية التي كانت محمية بقوة وقدرات الكيان الصهيوني".

بالمقابل، يلاحظ الكاتب، فإن الانتفاضة، وهي تخوض غمار حرب التحرير الوطنية، "تتكبد الخسائر الكبيرة. لكننا ندرك أن هذه الخسائر هي إتاوة للتاريخ وضريبة التحرر، لأن شعبنا يدرك بعمق وبوعي عال، أنه مهما بلغت الخسائر على درب تحرير فلسطين، فإنها تبقى أقل خسارة بما لا يقاس، من التنازل أو التفريط بذرة تراب من أرضنا المقدسة، أو الاعتراف بالغزاة الصهاينة المستعمرين العنصريين الذين يطمحون إلى تهويد فلسطين ومقدساتها".

"انتفاضة الأقصى: مقدمة النصر القادم"،  أبو خالد العملة، نافذة "قرأت لكم"، 28 يونيو 2012.

Vous pouvez partager ce contenu