Aller au contenu principal

مأذونيات الفساد

أقدمت وزارة التجهيز والنقل من أسابيع قليلة مضت، على نشر لائحة المستفيدين، أشخاصا ذاتيين ومعنويين على حد سواء، سبق لهم أن استفادوا من رخص للنقل، تم منح أولاها بداية ستينات القرن الماضي، فيما منحت أخريات بالعام 2011 المنصرم.

لم تنطلق الوزارة، والحكومة بوجه عام، من منطلق ثأر، أو من خلفية محاسبة أو متابعة أو تشهير، بل انطلقت من مستويين أساسيين اثنين:

+ الأول لأن نشر اللائحة هو بالبداية وبالمحصلة، جزء من عملية تنزيل الدستور الجديد، لا سيما فيما يخص حق الأفراد والجماعات في الاطلاع، وحقهم في النفاذ وبلوغ المعلومات، أيا ما تكن طبيعتها أو درجة سريتها، اللهم إلا ما يستثنيه القانون، أو تستوجبه اعتبارات أمن الوطن والمواطن.

+ أما الثاني، فلأن محاربة الفساد، وضمنه بالتأكيد وضعيات الريع المنتشرة بقوة، إنما كانت العمود الفقري للعملية الانتخابية التي بمؤداها وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، أعني إلى رئاسة الحكومة.

وعلى هذا الأساس، فإنه من الغبن، ومن المزايدة الصرفة حقا، الزعم بأن إقدام وزير التجهيز على نشر اللائحة إنما هو من باب الشعبوية، أو بغية إحراج بعض الجهات، أو الادعاء بقدرة الحكومة إياها على تجاوز نفوذ اللوبيات المتجذرة بالسرعة المطلوبة.

لا يبدو لنا الأمر كذلك بالمرة، على الأقل من زاوية أن عملية النشر لم يقصد منها سحب هذه الرخصة أو تلك، محاسبة هذا الشخص أو ذاك، أو مطالبة هذا أو ذاك بتبرير سبل ووسيلة الحصول على ذات الرخصة أو المأذونية.

إن الذي أثار الانتباه حقا، وثوى خلف التساؤلات والاستفهامات لدرجة الغضب والانتفاض والاشمئزاز في بعض الأحيان، إنما أمران اثنان:

++ الأول، أن العديد ممن تحصلوا على هذه المأذونيات، على الأقل ضمن من وردت أسماؤهم وصفاتهم، إنما تحصلوا عليها من باب المجاملة والمداهنة، وهم أغنياء أو في غنى عنها، أو لهم من مصادر الرزق الشيء الكثير.

أما تذرع البعض بأنهم تحصلوا عليها مقابل ما قدموه من أعمال، أو ما بذر منهم من مواقف وسلوكات، فهذا أمر مردود عليه، وإلا فإن ما يقوم به المغربي المعدم، الذي يلهث وراء رزق أبنائه آناء الليل وأطراف النهار، هو ليس تضحية من لدنه، ولا عملا يستوجب الشكر والمجازاة والاعتراف.

الزلة أكبر عندما نسمع بعض من تحصل على مأذونية في النقل، يصرح بأنه استفاد منها بعد التماس لدى رأس الدولة، على اعتبار أن معاشه لا يكفي لإطعام عائلته، أو لا يمكنه من الإيفاء بحاجياتها، أو يضمن له نمطا في العيش بمستوى من المستويات.

وهو مبرر مردود عليه أيضا، ولا يبدو لنا مسوغا بالمرة، إذ عشرات الملايين من المغاربة لا يتوفرون على سبل للقيام بواجبات إعالة عائلاتهم، ولا يتوفرون على معاشات تذكر، ومع ذلك يقاومون الفاقة والفقر بالكد والجهد، بإطار سوق المفروض أن تكون الغلبة من بين ظهرانيه للمكد المجتهد، دونما اتكالية أو اقتتات من الريع.

وبصرف النظر عن هذه الدفوعات أو تلك، فإن الذي يثير الاستغراب حقا إنما ردة فعل "المستفيدين"، بين من يعتبر عملية النشر غير ذات جدوى، وبين من يعتبرها ذات طبيعة شعبوية، وبين فريق ثالث، سياسي هذه المرة، يعتبر التوقف عند هذه المسألة تغطية من لدن الحكومة على عجزها على مواجهة الجوهر، بارتكانها إلى القشور ونشر الغسيل.

بهذه الجزئية، يبدو لنا أن بالأمر مغالطة من لدن هؤلاء، على الأقل من ثلاث زوايا أساس:

+ فالحصول على مأذونية ما، بالنقل أو بالمقالع أو بأعالي البحار، ليس جرما ولا أمرا  مستهجنا أو منافيا للقوانين والتشريعات، لكن شريطة أن يتم ذلك وفق ضوابط محددة، وعلى أساس الاستغلال المنتج، ووفق دفتر تحملات يحدد حقوق وواجبات المستفيد.

+ كما أن الحصول على مأذونية ما يجب أن يتم وفق مقاييس الاستحقاق، لا على أساس من المحاباة أو الابتزاز أو لأغراض لا علاقة لها بوضعية المستفيد... وإلا فما معنى أن يتحصل شخص ما على مأذونية أو أكثر، يقوم بتفويتها بأثمان باهظة أو يعمل على كرائها، فيتحصل على موارد هي إلى الريع الصرف أقرب منه إلى شيء آخر.

+ ثم إن احتجاج بعض المستفيدين على نشر اللائحة هو بحد ذاته سلوك ريعي، لا يمت إلى الشفافية والطهرانية التي يدعيها البعض في شيء، وإلا فلا داعي لرد الفعل السلبي على ذلك من الأصل.

لو كان هؤلاء قد تحصلوا على المأذونيات وفق ضوابط قانونية صرفة، وبناء على دفتر تحملات واضح، والتزامات ثابتة، لما كان لهم أن يحتجوا أو ينتفضوا، أو يشيروا إلى عملية النشر إياها ويعتبرونها عملا "معيبا".

إن نشر هذه اللائحة كانت له أفضال أولية كبرى، لعل أقواها على الإطلاق: سقوط البعض في أعيننا وتهاويهم للأسفل، لا سيما أولئك الذين يدعون حب الوطن، ويرفعون لواء الدفع به إلى الأمام.

الرباط،  12 مارس 2012

Vous pouvez partager ce contenu