Aller au contenu principal

في "الإسلام الأوروبي"

من الثابت تاريخيا أن أوروبا نجحت، بداية القرن السادس عشر، في القضاء على هيمنة الكنيسة الكاثوليكية، وتقويض ملكيات الحق الإلهي على الدول الأوروبية، دولا ومؤسسات، فبات الفصل بين الديني والسياسي قائما مثبتا، حال بقوة دون تدخل الكنيسة في الشأن الدنيوي، وضمن للناس حرية ممارسة شعائرها دون وصاية أو رقابة على الضمائر.

وعلى الرغم من تباين أشكال العلاقة بين الدين والدولة بالداخل الأوروبي اليوم (نظام الكنيسة الكاثوليكية بأنجلترا واليونان، نظام الامتياز بإيطاليا وإسبانيا، نظام المساواة بالطقوس بهولندا، نظام لائكي بفرنسا...الخ)، فإن كل دولة من هذه الدول أفلحت في تكييف علاقتها مع الدين، وفق موروثاتها وأصولها، وأيضا وفق سياقات تطورها التاريخي.

ليس من المبالغة في شيء القول هنا، بأن تيارات الهجرة التي تعاقبت على أوروبا، هي التي حملت معها ثقافات جديدة، متأتية من قناعات "دخيلة" على قارة لا تنفي ولم تنف يوما ارتباطها الوثيق بقيمها المسيحية. فإذا كان الجيل الأول من المهاجرين غير مكترث كثيرا بمسألة حرية الشعائر، فإن الجيلين الثاني والثالث المولود والمترعرع بأوروبا (الأوروبي تدقيقا)، بدأ يتطلع بقوة لاعتراف أكبر بمعتقداته. وعكس المسيحية التي تكيفت مع الفصل بين الكنيسة والدولة، فإن المسلمين بقوا مرتبطين بأشكال في التنظيم متمحورة حول مفهوم الأمة. من الطبيعي إذن والحالة هاته، أن يكون ثمة تصارعا "بين قانون الله الذي يتشبث به المسلمون، وقانون الإنسان الذي هو من صنع البلدان الأوروبية".

إن السؤال المطروح هنا إنما يرتبط أساسا وبالتحديد بسبل التوفيق بين الإثنين: هل يجب تكييف القوانين الوضعية مع معطى "الوافد" الجديد؟ أم يجب تطوير إسلام أوروبي، يكون متوافقا مع الثقافة الغربية، سيما بالجانب العلماني واللائكي القائم بصلبها؟ كيف للأوروبيين المتعلقين بالموروث اليهودي/المسيحي، أن يقرأوا ممارسة الشعائر بالإسلام؟ وكيف الجمع بين لائكية متوافقة مع مجتمعات مادية مرتكزة على الفرد، ومنظومة دينية تتماهى مع مفهوم الأمة والممارسة الجماعية للدين؟

ما يزيد الإشكال تعقدا وتعذرا على الحل، تعدد مصادر المهاجرين، وتنوع الهويات الناظمة لهم، هويات قائمة وهويات موجودة، قد تسلم بمزايا اللائكية، لكنها غير متأكدة من سريانها بدولة كفرنسا، يبدو بها أن الفصل بين الدين والدولة ليس كبيرا ولا مطلقا.

إن المشكل الذي حال، أو قد يحول، دون أوربة الإسلام لا يبدو متأتيا من تمنع ما لدى المسلمين، على تمثل مبدأ فصل الديني عن السياسي، ولكن بالأساس من طبيعة العلاقات بين الدولة والكنيسة داخل كل بلد أوروبي على حدة. فإذا كان مبدأ حرية التعبد مضمونا بكل دول أوروبا، فإن فصل الدولة عن الكنيسة ليس هو القاعدة العامة دائما. بالتالي، يبقى إشكال تنظيم المسلمين الأوروبيين، وأجندات مطالبهم مرتبطة بالهندسة المؤسساتية لعلاقة الدولة بالديانات حيث يعيشون، ويتعايشون.

على العكس من ذلك تماما، فمسلمو أوروبا غالبا ما يعملون على دمج الإسلام بالإطار القانوني والدستوري السائد، حتى وإن كان لا يزال ثمة بأوروبا (بألمانيا تحديدا) توجها بجهة عدم الاعتراف بالإسلام كدين قائم، معتمد من لدن مئات الآلاف من الألمان. هي حالة شاذة  بكل المقاييس، إذ حتى بالحالات التي يوجد بها دين للدولة رسمي (كبريطانيا أو الدنمارك أو اليونان أو غيرها) أو يعترف لديانة ما بأنها المهيمنة (السويد وإيرلندا مثلا) فإن باقي الديانات لا تحرم من حقوقها، بل يعترف لها بنفس الحقوق، شأنها في ذلك شأن الديانة المهيمنة.

وحتى بالدول التي يفصل فيها الدين عن الدولة بحدة نسبية، كما الحال بفرنسا، فإن مسألة الشرعية المؤسساتية (للإسلام مثلا) تطرح بقوة، لدرجة تحولها إلى مسألة من مسائل الدولة، فيعمد إلى تنظيم ذات العلاقة، وإلى تقريب وجهات نظر أطراف متعددة تدعي "تمثيلية الإسلام".

بالحالة الفرنسية دائما، المشاكل لا تأتي قطعا من تعددية تمثيلية الإسلام، بقدر ما تأتي من تصور ضيق ومسيس للعلمانية. فمنع العلامات الدينية مثلا بالفضاء العام، بموجب قانون فبراير 2004، وبالمدارس العمومية على وجه التحديد، لم تمليه ترتيبات مؤسساتية محددة فحسب، بل أتى من تصور قائم لمكانة الدين داخل المجتمع الفرنسي. وهو ما نلحظ عكسه بالولايات المتحدة الأمريكية مثلا، والتي تعتبر الدين مجالا من مجالات الفضاء الخاص، لا تتدخل به لا الولايات ولا الدولة المركزية، وذلك على الرغم من التدين المفرط للأمريكيين: 90 بالمائة منهم يؤمنون بوجود إله، 70 بالمائة يمارسون يوميا أو مرة بالأسبوع، 70 بالمائة هم أعضاء مجالس تعبد و 40 بالمائة يشاركون بقداس كل أسبوع.

صحيح أننا بإزاء تراجع ملحوظ للدين بأوروبا كما بأمريكا، لكن ذلك إنما يجد تفسيره في ارتكان الشعائر والعلامات للمجال الخاص، والحؤول دون موسطتها بالفضاء العام. المسألة مرتبطة بالطبيعة كما بالدرجة، طبيعة العلاقة بين الخاص والعام. هي نسبية ومرنة بالولايات المتحدة، لكنها متشددة ومقننة بأوروبا.

لهذا السبب، فإنه إذا كان من الهين على المسلمين التعبير عن طقوسهم الدينية بأمريكا، لأن المجتمع لا يتمنع في ذلك، بل يعتبر الإسلام مكونا من مكونات المشهد الديني القائم (وهو ما يجعل نسبة اعتناق الإسلام مرتفعة بأمريكا ليس فقط من لدن السود، بل من لدن البيض واللاتينوأمريكيين أيضا). في حين أن القوانين بأوروبا تحول دون تعبيرهم عن تمايزاتهم الدينية، لدرجة المنع كما الحال بالحجاب بالمدارس العمومية.

ولهذا السبب أيضا ترى المسلمين بأمريكا قادرين على مواجهة الاستهداف الذي يطاولهم منذ 11 شتنبر من العام 2001، عكس حالهم بأوروبا، حيث بات الإسلام بها رديفا للإرهاب، والمسلمين عرضة يومية للأحكام المسبقة والنمطية، دونما قدرة كبيرة من لدنهم على المواجهة والتصدي.

* "في أطروحة الإسلام الأوروبي"، التجديد العربي، 15 أبريل 2010. جريدة العرب، لندن، 16 أبريل 2010. شبكة الرافدين، 18 أبريل 2010.

Vous pouvez partager ce contenu