Aller au contenu principal

حين تغرق النخبة في صمت القبور

سمّوها النخبة، هي في واد والمواطن في واد، وُجدت لتخلق الفرق وتؤطر وتبادر، لكنها اليوم زاغت عن هذا الهدف، فما سر علة نخبتنا المغربية؟ عاجزون عن التغيير، عاجزون عن الاقتراح فما بالك بالإصلاح

سمّوها النخبة، هي في واد والمواطن في واد، وُجدت لتخلق الفرق وتؤطر وتبادر، لكنها اليوم زاغت عن هذا الهدف، فما سر علة نخبتنا المغربية؟ عاجزون عن التغيير، عاجزون عن الاقتراح فما بالك بالإصلاح، نخبة تحسب علينا وليست لنا، نخبة لم تعد قادرة على إعلاء الصوت لإعادة أشياء كثيرة إلى نصابها أو على الأقل تأطير وتنوير الرأي العام.

كانت النخبة تجتمع في السابق تحت مظلة واحدة هي الفكر وإن اختلفت مجالاته وتعددت مشاربه، لتفرق بينها السبل اليوم، بين نخبة مخملية اختارت الصالونات لتعيش الحياة المترفة وتتنازع المناصب السامية والرواتب الخيالية، ونخبة الأبواق التي تصفق لمن يصفق له وتجلد من كتب له أن يدخل خانة المغضوب عليهم من قبل زعيم حزبي أو تيار سياسي مسيطر، وفئة ثالثة اختارت الالتزام بالحكمة القائلة "...السكات من ذهب".  

نخبة لم تعد تحظى بقوة اقتراحية، توجد خارج مراكز اتخاذ القرارات وإن وجدت فهي تؤثث المقاعد والكراسي، ولم تعد تملك حتى مواقفها، وفي كثير من الأحيان تكون بدورها تحت رحمة فلان وعلان الذين يفرضون عليها واقعا سياسيا ضيقا من حيث إمكانية الاحتجاج أو المناورة والتدخل الفعلي لتغيير واقع لم يعد يفهم منه الشيء الكثير، مما يحد من فرص ترسيخ تصوراتها الإصلاحية داخل المجتمع والدولة، ويجعل كل خطواتها -إن وجدت- محدودة الأثر لا ترقى إلى مستوى حاجات وانتظارات الجماهير.

تطور بات يلحظه المواطن العادي قبل المهتم بدائرة الأحداث، صمت رهيب تمارسه فئة عريضة من هؤلاء المحسوبين على النخبة يدفع إلى طرح تساؤلات عدة حول سبب هذا الصمت، وهل له مقابل ما، ثم ألا يخشى هؤلاء على أنفسهم أن يدخلوا مزبلة التاريخ الذي لا يرحم؟

تراجع النخبة

أكد الخبير والمحلل الإعلامي، يحيى اليحياوي، أن الرائج في الأدبيات غالبا ما يختزل عبارة النخبة في المثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي بمن فيهم السياسيون والإعلاميون. وهذا اختزال لا يخلو من صواب، لأن العبرة عموما هي بمدى التأثير في المخيال العام أو الرأي العام باعتبار ما تكتبه النخبة أو تنطق به أو تموسط له بهذا الحامل الإعلامي أو ذاك. لنحسم إذن ونقول بأن النخبة هي تلك "الطبقة" التي تشتغل على أساس التنوير أو التأثير في المتلقي الذي نسميه عادة وبالتجاوز جمهورا أو رأيا عاما. "لو اتفقنا حول هذه الجزئية لقلنا، بحالة المغرب، بأن النخبة المثقفة والمفكرة قد تراجعت كثيرا خلال العشرين سنة الماضية، ولم تعد بزخم نخب الستينات والسبعينات على مستوى إنتاج الأفكار وصياغة توجهات الرأي العام، خاصته وعامته على حد سواء. لا أقول إنها انسحبت تماما من الفضاء، لكنها لم تعد قادرة على تأثيثه كما كانت من قبل. الدور بات لفاعلين جدد، إعلاميون بالأساس وسياسيون أيضا، باتت لهم الكلمة الفصل في إثارة القضايا أو مناقشتها، بالتالي فإن الذي نلحظه اليوم هو تراجع قوة هذه "الطبقة" المنتجة للأفكار والرؤى والتصورات لفائدة فاعلين جدد، باتوا يتداولون في قضايا الشأن العام، في حين أن الذين كانوا يقدمون البدائل المختمرة قد ركنوا إلى جانب. وهذا شكل من أشكال أزمة الثقافة والفكر في بلادنا".

 وفي جواب له عن سؤال حول الطرح الذي يؤكد أن هذا الصمت مؤدى عنه، وضحيته المواطن المغربي بالدرجة الأولى، قال اليحياوي "لا نستطيع القول بذلك اللهم إلا في حالات نادرة. لكني مستعد للقول بأن ثمة استقطابا من لدن السلطة ومن لدن الأحزاب السياسية للكثير من المثقفين و"المفكرين" تحت هذه الظرفية أو تلك. ولكم أن تلاحظوا مثلا كيف استقطب حزب الأصالة والمعاصرة العديد من الأقلام التي كان لها وزنها وقوتها وتحولت جراء ذات الاستقطاب إلى أبواق دعاية وتهريج وشعبوية. بالإضافة إلى حجم من يعمل بالدواوين أو تم تعيينه بهذا المنصب السامي أو ذاك". من جهة أخرى أوضح المتحدث أنه بالمقابل، هناك العديد من المثقفين و"المفكرين" لم يتم التجاوب مع آرائهم أو طالهم غضب الجهات العليا، فارتكنت للجانب وسلمت الجمل بما حمل، على اعتبار أن الزمن ليس زمنها كما يقال. بمعنى أنه إذا لم يعط الاعتبار لهذا الرأي أو ذاك فإن صاحبه غالبا ما يطاله اليأس وتضيق به الآفاق فيستسلم وقد ينحرف عن الرسالة، فيتحول إلى عالم المال والأعمال أو السمسرة في العقار، وأنا أعرف حالات عديدة لا مجال للحديث عنها".

غياب الديمقراطية

من جانبه صنف المحلل السياسي، إدريس الكريني، النخب المغربية إلى صنفين، صنف معارض يبحث عن التغيير والإصلاح ويهتم بالقضايا المجتمعية وصنف آخر أسماه بالنخب المدجنة التي تنحو إلى التطبيل والتطبيع مع الواقع السائد، وأشار إلى مشكل أساسي يساهم في تكريس هذا الوضع يتجلى في اقتحام النخب وكيفية تجددها، الأمر الذي ينعكس على أدائها وطبيعة خطابها، ورضوخ فئة عريضة منها للإغراءات المادية مما يجعلها تغير مواقفها.

من جهة أخرى أشار المتحدث إلى أنه ومع بروز الحراك المجتمعي والربيع العربي اختار البعض سياسة الصمت نظرا للنسق السائد في المجتمع والتي لا تسمح لها بالبروز وتصريف أفكارها سواء في المجال الديني أو الثقافي وحتى السياسي.. لغياب ممارسة ديمقراطية فعلية تسمح بذلك. هذا الوضع أبرز مستوى سطحيا للنقاش وخطابات ساذجة تحتقر ذات المواطن وصلت حد الابتذال والسب، والإعلام يتحمل نصيبا من هذا الوضع نظرا لفتح المجال أمام هؤلاء.

وقال "مع الأسف هناك عدد كبير من هذه الفئة خاصموا واقعهم وانشغلوا بإشكاليات نظرية وقضايا تهم مجتمعات أخرى كتفاعلهم مع ما يقع في مصر وسوريا أكثر من المشاكل المجتمعية التي يعيشها المغرب، ونفس الشيء بالنسبة للنخب الدينية التي باتت تجتهد في قضايا ليست حيوية..".

عداء وتنافر

وفيما يخص ظاهرة الركوب على الخطابات الملكية واتخاذها مطية لتمرير المواقف عوض طرح تحليلات ومواقف فردية من طرف هؤلاء، أوضح يحيى اليحياوي أن السياسة في العالم الثالث عدوة الثقافة والفكر، بل ثمة تنافر وضغينة بين السياسي المتواضع التكوين وبين المثقف الذي يعتبر السياسي منافقا وشعبويا ومتقلبا وفق المصالح. ثم إن السياسي يشتغل على المدى القريب، في حين أن الثقافة والفكر تستوجب المدى البعيد والاختمار ووضع القضايا الكبرى في سياقها العام. "عندما تنتفي هذه المعادلة، تنقطع الأواصر بين عالم الأفكار وبين الجمهور المتلقي، وهذا الأخير غالبا ما تستهويه خطابات السياسي العابرة، عوض أن يهتم بعالم فكر قد يبدو عصيا أو متعذرا أو صعب التفكيك".

وأضاف قائلا "النخبة الثقافية هنا تتراجع، في حين أن "النخب" السياسية والإعلامية تملأ الفضاء وتركب ناصية القدرة على النقاش وطرح القضايا بالمجال العام، وهو طرح غالبا ما يكون مبتورا أو سطحيا. المفارقة اليوم أن من هذه القضايا ما يستحق النقاش الجاد، لكنه لا يطرح للنقاش، وإن خضع لهذا الأخير، فيجب أن يعمد إلى طرحه من مستويات عليا. وهو الحال مع مسألة التربية والتعليم، إذ لم تستنفر الأقلام والأفواه إلا بعدما عمد الملك إلى تقديم تشخيص سلبي لما يموج بهذا القطاع. هذا الأمر يثير الشفقة ويعطي الانطباع بأن مثقفي ومفكري السلطان باتوا المؤثثين للنقاش العام".

ظاهرة أخرى باتت تفرض علينا طرح مجموعة من الأسئلة لفهم سبب توجه أغلب المثقفين لإنتاج كتب وتقارير ذات مردودية مالية، من قبيل هل نحن اليوم أمام استرزاق ثقافي وسياسي للنخبة؟ هذا السلوك حسب اليحياوي ليس معيبا، لكن شريطة أن تكون الغاية من التقرير تنوير صاحب القرار وتوضيح الصورة أمامه ليتخذ القرار السليم. "لكنه معيب كل العيب عندما يكون هذا التقرير أو ذاك مصاغا بغرض تسويغ قرار هذا المسؤول أو تبرير قرار ثوى خلفه" .

* "حين تغرق النخبة في صمت القبور"، استجواب، مجلة مغرب اليوم، العدد 218، 1/19 شتنبر 2013.

Vous pouvez partager ce contenu