Aller au contenu principal

حزب الله والمقاومة العراقية

news-details

ندما اضطر الجيش الإسرائيلي، في صيف العام 2000، للهروب من الشريط الحدودي بجنوب لبنان، تحت ضربات مقاومة صبرت وكابرت وأدارت حرب استنزاف طويلة المدى، اعتبرت الجماهير العربية أن النصر المحقق هو نصرها هي لا نصر المقاومة أو نصر لبنان، وأن استعادة كرامة اللبنانيين المهانة لأكثر من ربع قرن، هي من استعادة ذات الجماهير لكرامة لها لطالما مرغت بالتراب وديس عليها بالأقدام، وأضحت في أحسن أحوالها مجرد مادة للتجنيد بالصحف، وعبارات جوفاء على لسان بعض الساسة والإعلاميين.

وعندما أفلحت المقاومة اللبنانية، صيف العام 2006، في التصدي للاجتياح العسكري الإسرائيلي، ودحرته دحرا، وكسرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، خرجت الجماهير (طيلة أيام المواجهة، كما حين سلمت إسرائيل بفداحة التكاليف إن هي أمعنت في استمرار المواجهة) خرجت الجماهير العربية، والإسلامية أيضا، تهتف للمقاومة، ترفع صور قادتها وتعبر، في خضم كل ذلك، عن واقع أن بعضا من كبريائها قد استرجع، بل إن حتمية الهزيمة، هزيمتنا إلى ما لا نهاية، قد ولت حقا وحقيقة... ولربما إلى غير رجعة.

لم ينسب أحد لحزب الله امتياز نصر ال 2000، أو ثويه خلف انتصار ال 2006، بقدر ما نسبتها الغالبية ضمننا لمقاومة وطنية، كسرت أسطورة جيش اعتاد أن يعتبر حروبه مع العرب مجرد نزهة، يستمتع الجنود من خلالها باصطياد أجساد عارية، يحاصر طيلتها مجموعات انتفت الحيلة من بين أيديها، فيهينها بدباباته وطائراته، قبل أن يقتلها وينكل بأجسادها دونما رادع أخلاقي يذكر.

ولم يحتسب الانتصاران معا في موازين حزب شيعي المذهب، طائفي الانتماء، متقوقعا حول الهوية، بقدر ما احتسبا في ميزان "الأمة" جمعاء، بات الكل يتباهى بهما ويضيفهما إلى رصيد الممانعة الذي حمل الحزب لواءها منذ ثمانينات القرن الماضي، بوجه إسرائيل كما بوجه المشاريع الأمريكية بلبنان، ببلاد الشام وبباقي دول المنطقة.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل ذهب بنا الأمر جميعا إلى درجة اعتبار نصر المقاومة فأل خير وعربون أمل، على نجاعة خط المقاومة بفلسطين كما بأفغانستان كما بالعراق كما بباقي دول العالم، التي أذلتها "قوى الظلم والاستكبار العالمي"، بسبب معروف أو بجريرة الموقع أو الموقف، أو بجريرتهما معا.

وعلى الرغم من حقيقة أن الحزب (حزب الله) لا يتحرج إطلاقا من المجاهرة بخصوصيته وهويته واختلاف طبيعة مواقفه ومقاربته واختياراته، أمام العديد من التيارات السياسية والفكرية داخل لبنان وخارجه، فإن الكل (سنة وشيعة ومسيحيين، قوميين وعروبيين، علمانيين وإسلاميين) قد تماهى مع خط الحزب المقاوم، ومع خطاب أمين عام أدار المواجهة الميدانية والسياسية والإعلامية، باقتدار قل نظيره في تاريخ صراع العرب مع إسرائيل.

وعلى الرغم أيضا من اختلاف السياق وتباين الإكراهات، فإن العديد منا راهن وبقوة على تجربة المقاومة ليخلق من بين ظهرانيها، عوامل تصريف طاقة الامتداد وتعميق الصدى مع مقاومة شبيهة لها في الغاية والأهداف(المقاومة العراقية اقصد)، حتى وإن تمايزا في الأدوات والخطاب واسترتيجيات المواجهة مع الاحتلال...فارتد الرهان بوجهنا جملة وتفصيلا...للأسف.

والواقع أن مساءلة بيانات الحزب وخطابه الإعلامي، يلحظ بجلاء كبير تذبذب موقف الحزب وضبابيته، مما جرى ويجري بالعراق منذ دخول الجيوش الأنجلوأمريكية عاصمة الرشيد في التاسع من أبريل من العام 2003:

+ فالحزب لم يتخذ موقفا واضحا من العملية السياسية التي دشنتها قوى الاحتلال منذ تأسيس مجلس الحكم وإلى حين تنصيب آخر حكومة من حكومات الاحتلال (حكومة المالكي)، لا بل إنه ذهب لحد اعتبار ذلك شأنا عراقيا صرفا، وجبت مباركته، وأنه ما دام "الفاعلون الجدد" قد ارتضوا "الطريق السلمي" فيما بينهم (حتى بظل الاحتلال)، فإن ذلك خيارهم... وهم أحرار في خياراتهم، كما في تقديراتهم بكل الأحوال.

لم يشر الحزب، لا في بياناته ولا بمنطوق إعلامه ولا بتصريحات أمينه العام، إلى المصيدة الطائفية والمذهبية التي باتت الخيط الناظم لاقتسام غنيمة الحكم بالعراق، بل ولم يكن بمقدوره المزايدة على فتاوى المرجعيات الدينية، سيما فتوى السيستاني الداعية منذ اليوم الأول، إلى مهادنة الاحتلال و"حرمة" اللجوء للمقاومة المسلحة لمناهضته.

+ والحزب (على لسان أمينه العام بحوار على فضائية الحزب ب 19 يناير 2007) نعت المقاومة العراقية بالمذهبية (كونها سنية خالصة في نظره)، تماما كما ينعتها الاحتلال، حتى إذا أحس بحرج الازدواجية، "تنبأ" بإمكانية التحاق الشيعة قريبا، بركب المقاومة عندما ينسد الأفق، ويستمر جورج بوش في المكابرة بجهة عدم تحديد جدول لسحب قواته.

لم يتخذ الحزب لنفسه موقفا من فرق الموت التي تشرف عليها حكومة الاحتلال، ولم يتفوه بكلمة من شأنها إدانة ما تقوم به عناصر جيش مقتدى الصدر وفصيل بدر وميليشيا الجلبي والجعفري وما سواهم، بل ساق ذلك كله في سياق "الاقتتال المتبادل" بين المذهبين حتى بعلمه أن السنة هم الحلقة الأضعف، كونهم المستهدفين بالقصد والتلميح، ولا غطاء لهم أو مساندة تذكر على الإطلاق.

+ والحزب (على لسان أمينه العام وعبر إعلامه الفضائي) تشفى أيما يكن التشفي، في اغتيال الرئيس/الشهيد صدام حسين، واعتبر (تماما كإيران وإسرائيل) مقتله صبيحة عيد الأضحى "عقابا إلهيا"..."، بل وذكر بمقتل محمد باقر الصدر "بقرار وأدوات صدام حسين"، وهو يعلم أن الرئيس/الشهيد هو الذي وسع من نفوذ الصدر، وأمر الناس بالصلاة من خلفه أيام الجمعة، وكاد يتخذ من مقتدى إبنا بالتبني...هذا الذي لف الحبل من حول عنقه يوم الاغتيال، واشر للحاضرين بالهتاف لأبيه وخاله، في طقوس يندى لمجرد ذكراها جبين البشر أجمعين.

لم يقتصر الأمر عند هذا المستوى من لدن الحزب، بل ذهب لحد إقامة "احتفاليات" بقناة المنار، واعتبار يوم الاغتيال "عيد الأعياد"، وخروج العديد من كوادر الحزب لتوزيع الحلوى على المارة والدم لم يجف بعد من حول رقبة الشهيد...ومئات الملايين من العرب والمسلمين تستنكر، وتحتج، وتبكي، وتتسابق لفتح بيوت العزاء للشهيد البطل.

أزعم بهذه النقطة، أن رصيدا ضخما من التعاطف الجماهيري مع الحزب ومع أمينه العام قد تبخر، وأن العديد من تضحياته قد سقطت بأعيننا...بل وبتنا بشأنه (كما بشأن إيران) غير مكترثين بما يصدر عنه، أو بما قد تأتي به الأيام عندما تنتهي إسرائيل من إعداد العدة لضربه، وتحييده بلبنان وبالمنطقة إلى ما لا نهاية.

وإذا كان الحزب، لحد الساعة على الأقل، غير قادر أولا يملك القابلية على تصويب مواقفه بإزاء ما يجري بالعراق من "عملية سياسية"، وبإزاء المقاومة وفرق الموت، وبإزاء ما صدر عنه في أعقاب اغتيال الرئيس/الشهيد، فإنه بالقدر ذاته غير قادر ولا قابلية لديه تذكر، على التخلص من مذهبية تلازمه كالظل، حتى وإن تنكر لها بالخطاب أو تقزز منها بالشعار:

+ فأقطاب العملية السياسية بالعراق من أبناء مذهبه سلوكا ومرجعية، لا يمكن أن يتبرأ منهم حتى وإن هادنوا (بالمفارقة الغريبة) غريمه الأمريكي، الذي يستقبلهم تباعا بالبيت الأبيض، "ينسق" معهم الخطى، ويؤشر لهم بالقادم من ترتيبات بإزاء هذه القضية أو تلك.

ثمة، بهذه النقطة، تناقضا بائنا لم يستطع أمين عام الحزب نفيه، لكنه تبرم عنه بالقول إن كل طوائف العراق (بما فيها جزء من السنة) قد توافقت على مهادنة الاحتلال، والسير في ركبه حتى وهو كابس على أنفاسها مجتمعة.

كيف له إذن أن يتهم السنيورة وفريق 14 أذار بالعمالة للأمريكان، وهو الذي لا يرى من أثر للعمالة يذكر بسلوك أبناء طائفته بالعراق بإزاء هؤلاء؟

+ والمرجعيات الدينية العليا بالنجف أفتت بسلك المسلك السياسي في التعامل مع الاحتلال، مملية بذلك على شيعة المنطقة، ضرورة الالتزام بروح ذات الفتوى درءا للفتنة، وحؤولا دون مواجهة قد يذهب بجريرتها الأخضر واليابس...أو قد يكون من شأنها إفساد حسابات دقيقة لا يعلم تداعياتها إلا أصحاب الفتاوى "العظام".

وعلى الرغم من تصريح أمين عام الحزب بأن المقاومة المسلحة حتمية (وسيرفدها الشيعة "قريبا" فيما يزعم)، فإن ذلك لم يتأت له إلا بعد أن أدرك أن المقاومة العراقية باتت قاب قوسين أو أدنى من النصر، أو لأنه يراهن على استرداد بعض من جماهيرية انفرطت من حوله، وهو بحاجة لها سيما وإسرائيل تستعد من جديد لشن الحرب عليه.

+ وإيران (حليفة الحزب الأمتن بلبنان وبالمنطقة) لم تخف قوة تواجدها بالعراق (وإن بالمضمر الخفي)، ولم تتوان في تزكية العملية السياسية جهارة، بل وكانت أول من اعترف بمجلس الحكم أيام الحاكم برايمر، بداية الاحتلال.

وعلى هذا الأساس، فإن تزايد الدور الإيراني بالعراق، لا تذكيه فقط تطلعات فارسية من طبيعة ما بمنطقة الخليج، بل وأيضا اعتبارات تعظيم فوائد ذات الدور لاستخدامه في ابتزاز الأمريكان، والضغط عليهم للتخفيف من توجهاتهم الحربية... المتزايدة والمكثفة.

من هنا، فارتباك موقف حزب الله من المقاومة العراقية إنما يتأتى من ازدواجية السياسية الإيرانية بالعراق: دعم حلفائها سياسيا لإعطاء الانطباع بحيادية الدور، وتأجيج النعرات الطائفية والاستهدافات المذهبية، لإحراج استراتيجيات الأمريكان والتنغيص عليهم.

إن موقف حزب الله من المقاومة العراقية (وبها متطوعون شيعة كثر دون شك) موقف ضعيف وهش بكل المقاييس. فهو لا يدعمها جهارة، ولا يتبنى خطها بالمطلق، بل يراوغ إلى حين انجلاء الصورة أكثر...وهي لن تنجلي قطعا إلا عندما يرفد المقاومة قولا وفعلا، وينصح أبناء مذهبه هناك بالابتعاد عن الأمريكان، واعتماد خط المقاومة المسلحة ضد تواجد الأجنبي ببلاد الرافدين، بما فيه التواجد الإيراني.

* "حزب الله والمقاومة العراقية"، التجديد العربي، 12 فبراير 2007. موقع شبكة الرافدين، 12 فبراير 2007. موقع حزب الكرامة، 13 فبراير 2007. جريدة التجديد، الرباط، 16 فبراير 2007. موقع التحالف الوطني العراقي، 12 فبراير 2007. موقع صقر الأطلس، 19 يناير 2007. موقع المغني، 7 مارس 2007.

Vous pouvez partager ce contenu