من البداهة الصرفة حقا القول بأن علاقة الإعلام بالسلطة في المغرب، كما فيما سواه من دول العالم، إنما هي علاقة مركبة أشد ما يكون التركيب، يتداخل بصلبها الموضوعي بالذاتي، الواضح بالمرموز، المعلن البارز بالمضمر الذي لا يمكن إدراك مضامينه ولا أبعاده ولا الخلفيات الثاوية خلفه.
هي علاقة تمنع وممانعة، لا بل قل هي علاقة تحكمها موازين في القوى تكون الغلبة فيها لمن له الكلمة/الفصل، أعني من له القول/الحسم بمحصلة المطاف. ولما كان الأمر كذلك وأكثر، فإن التعايش بين طرفي المعادلة إنما يخضع لتقييم ذات الموازين بدقة، بين من له القوة الخشنة يعملها متى شاء، وبين من بيده مكامن القوة الناعمة، التي قد لا تكون أقل خشونة هي أيضا، سيما إذا ما تم تفعيلها بذكاء، واحتكم فيها إلى رأي عام متنور، مدرك لمركزية السلط المضادة، وغير مكره في اعتماد هذا التوجه أو ذاك.
وهي علاقة تاريخية وعامة بكل المقاييس، من الهين ملاحظتها بكل أصقاع العالم وعلى مر العصور، ليس فقط بحكم صيرورة ذات العلاقة، ولكن أيضا بحكم التجاذبات القوية التي تحكمت ولا تزال تتحكم في طرفين يبدوان على طرفي نقيض، على اعتبار طبيعة الوظيفة والدور في المجتمع: فالسلطة تدعي حقها في احتكار الوظيفة بغرض حماية أمن المجتمع من التجاوزات، حتى وإن كانت بالكلمة المكتوبة أو النص المصور أو الصورة القارة أو التفاعلية، في حين أن الإعلام يدعي الحق في التعبير والتفكير والقول حتى وإن طاول الأمر مستوى السلطة، منظومة وأركان حكم.
من هذين المنطلقين يبدو الأمر ولكأنه غير قادر على استنبات حلول وسط، اللهم إلا تنازلا طوعيا من هذه الجهة أو تلك، على خلفية من القول بحساسية الوضع، أو على أساس من الادعاء بأن للسلطة وظائفها واختصاصاتها، وأن للإعلام وظائفه واختصاصاته، وضمنها حتما مراقبة السلطة وموسطة فعلها، إن بالإيجاب فلا بأس، وإن بالسلب فذاك هو المطلوب، على الأقل من زاوية تكريس دولة الحق والقانون، وبناء مبدأ السلط المضادة للسلطة الخشنة ذات النزوع الطبيعي للتجاوز.
إن مبعث هذا الحديث لا يروم التلميح إلى ضرورة التأصيل لعلاقة يراد لها أن تكون طبيعية بين المستويين، مستوى السلطة الصرف ومستوى الإعلام الخالص، ولكن أيضا وبالأساس العمل على تجاوز تمنع طرفي المعادلة بجهة تحديد فضاء كليهما وتحديد قواعد اللعبة، المفروض أن يلتزم بها هذا الطرف كما ذاك. وهو ما يبدو لنا أساسيا وضروريا بالنسبة لحلتنا في المغرب، حيث يشهد "القطاع" الإعلامي حالة احتقان حقيقية في علاقته بالسلطة، على أساس من هذه السابقة أو تلك، على خلفية من تجاوز هذه الجهة أو تلك.
إن حالة الاحتقان التي تعرفها بعض المنابر الإعلامية بالمغرب في علاقتها بالسلطة إنما باتت معروفة ومن الإطناب حقا العودة إلى أسبابها وخلفياتها ودواعيها. المطلوب اليوم، عمليا بالأساس، إنما إعمال السبل لتجاوز ذات الوضعية ولئن من باب ضمان الحد الأدنى "للتعايش" المشترك بين نقيضين بالطبيعة وبالطبع.
وعلى هذا الأساس، فإن الإعلام كما السلطة إنما مطالبان بالتوافق على قواعد في اللعب تضمن للإعلام سبل الاشتغال دونما مضايقة كبرى من لدن السلطة، وتحول دون هذه الأخيرة ودون "تطاول" بعض المنابر على ما تعتبره حصنها المنيع في الأداء والفعل.
بالتالي، فإن المطلوب من الدولة إنما العمل على استنبات أطر مرجعية تفسح في المجال لقيام فضاء إعلامي واضح المعالم، لا مجال من بين ظهرانيه للتجاوز كبير:
°- المفروض من لدن السلطة سن قانون في الصحافة دقيق، يؤطر الوظيفة الإعلامية في مفاصلها الكبرى، يحدد المسؤوليات ويتم التنصيص فيه على حقوق وواجبات الطرفين. هو قانون المفروض فيه أن يكون توافقيا، توجيهيا للمهنة وألا يكون سالبا للحريات على خلفية من إبداء هذا الرأي أو ذاك.
°- والمفروض في السلطة إلى جانب ذلك، سن قانون في النفاذ للمعلومات، ليس فقط لتمكين الإعلاميين من المواد المحتجزة هنا وهناك، بل وأيضا للخروج من سلوك الإشاعة والادعاء والمزايدة الخالصة.
أما المطلوب من الإعلام فأمران اثنان:
°- الأول للخروج من ثقافة الادعاء على أساس من القول بكونه مكمن السلطة الرابعة، أو القول بتحوله (الإعلام أقصد) إلى معارضة جديدة بترهل الأحزاب والنقابات وتراجع دور المثقفين وما سوى ذلك.
°- والثاني القطع مع سلوكيات النبش في خصوصيات الأفراد والجماعات على هذا الأساس أو ذاك، مع ضرورة اعتماد ثقافة الدقة في استقاء المعلومة والحيادية في التعليق عليها بمهنية واحترام لأخلاق الفرد والمجتمع.
* "الإعلام والسياسة بالمغرب"، مداخلة بندوة "الوضع السياسي الراهن بالمغرب"، الحزب الاشتراكي الموحد، الحي الجامعي السويسي 2، الرباط، 25 أكتوبر 2005.