Aller au contenu principal

حوار مع الخبير المغربي في قضايا العولمة: النظرة الأحادية تدفع إلى التقوقع وتحول دون اعتماد سبل أخرى للتحليل

حوار مع الخبير المغربي في قضايا العولمة يحيى اليحياوي

النظرة الاحادية تدفع الى التقوقع وتحول دون اعتماد سبل اخرى للتحليل

 

∎ القراءات العربية للعولمة متوترة واتهامية وانطباعية وردود افعال.

∎ التحفظ على عبارات «التنمية المستدامة» و«التنمية المندمجة» و«الانخراط».

∎ اتساءل عن مفهوم اعادة الهيكلة فقياسا الى ماذا؟ وكيف؟ ولفائدة من تتم الهيكلة.

∎ تبسيط الاجراءات وتحديث التشريعات لا يجلبان الاستثمار.

∎ حاوره في الرباط منتصر حماده.

لعل أهم حسنات محاورة باحث يشتغل حول ملفات معرفية محددة، انها تقودنا الى جوهر الاشياء كوننا لا يمكن أن نتوقع عروج القلم على ملفات لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد في معرض الحديث عن الظاهرة المعنية بالحوار، وبالتالي نتوقع أن تكون أطروحاته أو آراءه المتعلقة بالملفات التي يشتغل عليها، مميزة مقارنة مع تعاطي أقلام أخرى تتعسف على نفس الملفات، ونخص بالذكر موضوع العولمة الذي يشهد فوضى فكرية صارخة بصدد تعاطينا معه، لأسباب عدة تطرق إليها ضيف هذا اللقاء، الكاتب والباحث المغربي يحيى اليحياوي المعروف عنه الاشتغال في ملفات لا تخرج عن ملفات العولمة والإعلام والاتصال، كما تشهد له مؤلفاته، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: «حركة الليبرالية ومنطق الخوصصة» (بالفرنسية)، «الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال»، «العولمة ورهانات الإعلام»، «المحطات الفضائية في العالم العربي/الإسلامي: تحليل في المضامين الثقافية»، «العولمة الموعودة»، «العولمة ومجتمع الإعلام»، «الإنترنت ومجتمع الإعلام»، «العولمة والتكنولوجيا والثقافة» ومؤلفات أخرى كان آخرها مبحث «عولمة الثقافة، كونية الاتصال» والصادر منذ أسابيع قليلة فقط.

عن طبيعة التعاطي العربي والإسلامي مع العولمة، مأزق «استيراد التكنولوجيا»، وضعية البحث العلمي وقضايا آخرى، كان لنا هذا الحوار مع يحيى اليحياوي الذي بدأناه بقولنا: ٭ من يتأمل طبيعة تعاطي الأقلام العربية مع موضوع متشابك ومعقد مثل العولمة يصطدم بفقر تنظيري رهيب.

ترى ما هي من وجهة نظركم أهم المقدمات التي تقف وراء هذا التواضع العربي في التعاطي مع الموضوع.

- أعتقد أن تواضع عطاء الكتاب العرب في تعاطيهم مع ظاهرة العولمة ربما يأتي بالأساس من طغيان النظرة الأحادية المقدمة من لدنهم على سواها، إذ النظر للظاهرة وفق حقل معرفي واحد كالاقتصاد أو الثقافة أو التاريخ أو العلاقات الدولية أو غيرها، لا يحول فقط دون اعتماد سبل أخرى للنظر للظاهرة (أعني وفق زوايا رؤية متعددة وفي الآن معا)، بل ويدفع بجهة استمرار تقوقع كل حقل حول نفسه واشتغاله انطلاقا من آليات تكون حصرا عليه.

بالتالي فالمطلوب في هذا الباب ليس فقط تكريس ما يسميه إدغار موران «ضرورة إصلاح الفكر»، أي تجديد الأدوات (واعتبار أن المحيط هو الذي يحدد وإلى حد بعيد المعرفة) بل وأيضا التشجيع على فتح الحقول المعرفية على بعضها البعض وتوظيفها مجتمعة لفهم الإشكالات المعقدة.

فالعولمة لا تستوجب في معالجتها استحضار حقول الاقتصاد وميادين المال والأعمال وعلم الاجتماع والنفس ونظريات السوق وهياكل المقاولات الإنتاجية وغيرها فحسب، بل وكذلك اقتصاد الشبكات وطبيعة التنظيمات المتصاعدة وفلسفة الشركات الكبرى والمؤسسات المختصة الدولية وأنماط إنتاج الثروة المادي منها والرمزي سواء بسواء.

٭ ما هو المطلوب إذن؟ - لمعالجة ظاهرة متشعبة الخلفيات والتداعيات كظاهرة العولمة، يبقى المطلوب إعمال مبدأ العمل الجماعي بما هو إعمال لمعظم الأدوات المتوفرة لدى كل حقل معرفي.

وأعتقد أن هذا المنهج هو الذي بدأ يتكرس في العلوم الإنسانية وسيتكرس أكثر في المستقبل سيما على ضوء ازدياد التداخل بين الظواهر الكبرى.

هناك اعتبار ثان لا يخلو من أهمية، ويتمثل في شتى ضروب التمييع الذي تعرضت له ظاهرة العولمة من لدن وسائل الإعلام وبعض الأقلام الهاوية التي كتبت أو تكتب في الموضوع من باب الموضة، على خلفية من الاعتقاد بأنها ربما ستتجاوز إذا لم تتعاطى مع قضايا كالعولمة أواقتصاد الشبكات أو الثورة العلمية والإعلامية التي يعيشها العالم منذ مدة.

من هنا يغدو تناول الظاهرة تناولا إما سطحيا أو اختزاليا أو خاضعا لما أسميه بـ «الربط القسري» للظاهرة بظواهر أخرى قد لا يكون أمر الربط بينها واردا أو مضبوطا أو مقدما للحديث أو مبررا حتى.

بالتالي، يتعذر التنظير وتبتعد إمكانات الإمساك بالإشكالية بطريقة تركيبية على خلفية من ضبط الواقع والارتفاع عنه تدريجيا لا بجهة النمذجة ولكن على الأقل بغرض محاولة وضع الإشكال في سياقه العام.

القراءات العربية لظاهرة العولمة، في اعتقادي، قراءات متوترة واتهامية ومدججة بـ «التحليل المؤامراتي» كما يقال.

فهي إما مجرد انطباعات سطحية أو ردود أفعال غير مبنية وأبعد ما تكون من أن تدفع بجهة التأسيس لخلفيات الظاهرة بغرض فهمها وفهم آليات اشتغالها وطبيعة فاعليها وتداعياتها وما سوى ذلك.

ثم هناك اعتبار ثالث كامن في قابلية المصطلح، مصطلح العولمة، على التوظيف الواسع بحكم شساعته وإحالته على أكثر من ميدان.

فهو يعتمد تارة «كمعطى» تبريري سيما عندما يتم التحدث عن «إكراهات العولمة» و»تحديات العولمة» وغيرها.

أو لتمرير اختيارات من قبيل سياسات «إعادة الهيكلة» واعتماد إجراءات تقشفية أو ما سوى ذلك، وهي أمور يطول الحديث فيها في هذا المقام وقد أفردت لها أكثر من دراسة.

في التعاطي النخبوي العربي مع العولمة ٭ قد تكون ندوة «مركز دراسات الوحدة العربية» التي قدمت تحت عنوان «العرب والعولمة» من بين أهم الندوات المنعقدة في هذا الصدد.

كيف تقيمون طبيعة مداخلات الندوة، إذا أخذنا بعين الاعتبار صدور جملة من المؤاخذات على الندوة، وأهمها الحضور الملفت لأسماء ليست بالضرورة مختصة في ملف العولمة؟ - لقد اطلعت على مجموعة من الأوراق التي قدمت خلال الندوة، وأستطيع أن أقول بأنه باستثناء ثلاث أو أربع ورقات كانت جدية إلى حد ما، فإن باقي مداخلات الندوة لم تخرج عما يسمى «القراءة التآمرية» للظاهرة دونما محاولة كبرى لسبر أغوارها أو وضع آلياتها في سياق تاريخي مضبوط أو تصور سيناريوهات محكمة لفهم حالها ومآلها كما عهدنا ذلك في أبحاث «مركز دراسات الوحدة العربية» سيما تلك التي لها أبعاد «استشرافية».

أما مسألة حضور أسماء غير مختصة في الميدان، فهذه مع الأسف من المؤاخذات التي تلاحظ ليس على المركز فحسب، بل على العديد من الملتقيات والندوات العربية.

فهي تشتغل في معظمها بطريقة «شبكية» (بالمعنى القدحي للكلمة) وتدخل فيها اعتبارات قد يكون الجانب العلمي آخر المفكر فيه.

٭ ما الذي ينقص العالم العربي حتى يصبح مؤهلا نسبيا للانخراط في العولمة؟ هل المسألة تتعلق فقط بغياب الإرادة السياسية أم بغياب الرؤى الواضحة لدى النخب السياسية ومعها النخب الفكرية في تحديد قواعد اللعبة في التفاوض مع «الآخر».

أم ماذا بالضبط؟ - غالبا ما أتحفظ على عبارة «الانخراط» عندما يتم الحديث عن العولمة و»تحدياتها» و»رهاناتها» و»إكراهاتها» تماما كما أتحفظ على عبارات «التنمية المستدامة» أو «التنمية المندمجة» أو غيرها.

هذه عبارات غالبا ما تطلق للاستهلاك الإعلامي ليس إلا، أو لتبرير وتمرير «اختيارات» معينة كالدفع مثلا بضرورة المرونة (المؤدية حتما للاستغناء عن العمال) تحت مسوغات الانخراط في العولمة أو لمواجهة المنافسة أو للحصول على حصص أسواق.

وغيرها.

هي إلى حد بعيد أقوال حق يراد بها باطل.

لنأخذ مثلا عبارة «إعادة الهيكلة بغرض الانخراط في العولمة».

أنا أتساءل إعادة الهيكلة قياسا إلى ماذا، وكيف، ولفائدة من ووفق أية منهجية واحتكاما إلى أية مرجعية؟ العولمة السائدة اليوم، ومنذ عقدين من الزمن وأكثر، هي عولمة بين الأقطاب الصناعية الكبرى، وما سواها ليس فقط مهمشا بل مقصي إلى أبعد حد، بدليل أن 09 إلى 59 بالمائة من التيارات التجارية والمالية والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي وكل ضروب النشاط الاقتصادي والعلمي وأحجام الاستثمارات تتم بين هذه الأقطاب وداخلها.

بالتالي، فباستثناء بعض الجيوب الصغيرة بجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وجمهورية جنوب إفريقيا، فإن الباقي لا قيمة له تذكر في الدورة الاقتصادية والمالية والعلمية والتكنولوجية العالمية.

كيف لدولة مثلا تراهن على تبسيط المساطر والقوانين بغرض استجلاب الاستثمار وهي تدري أن هذا الأخير متمركز بالأقطاب الثلاثة وينتقل بداخلها، وأعني بهذه الأقطاب تكتل «النافطا» والاتحاد الأوروبي و»الميركوزور» أساسا.

وكيف لاقتصادات عربية مبنية على الريع (ريع النفط) وبعض الخضراوات وبعض مناجم الفحم والفوسفات (وهي اقتصادات القرن التاسع عشر) أن «تنخرط» في عولمة مركزها الإنتاج الصناعي المنبني على المعرفة والذكاء العالي والتكنولوجيا الجديدة من بيوتكنلوجيا وتكنولوجيا الإعلام والاتصال والأعتدة الجديدة وغيرها؟ بالتالي، فالعولمة هي قدرة في الحجم وقابلية في الاندماج تماما كالثورة الرقمية حيث المهم ليس الرقائق الدقيقة أو خيوط الألياف الضوئية بل أساسا العقول المرتبط بعضها مع البعض، وهذا هو الرهان الحقيقي الذي سيحكم سياق الاقتصاد والعلم والمعرفة والتكنولوجيا مستقبلا.

معنى هذا أنه إذا لم يكن لديك اليوم سوقا واسعا فإنك لا تستطيع أن تنتج وفق مبدأ اقتصاد السلم، وإذا لم تكن تنافس بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا فإنك تنافس بغير أدوات العصر، وإذا لم توسع فضاءك إلى 052 إلى 003 مليون نسمة فأنت موضوعيا محاصر، ولنا في أوروبا (سيما بعد انضمام عشر دول إضافية) إذا لم يكن النموذج فعلى الأقل العبرة.

وبناء على هذا، أعتقد أن فكرة السوق العربية المشتركة فكرة جيدة شريطة ألا تكون موجهة للاستهلاك الجماهيري الخالص.

وهنا يدخل جانب الرؤية ثم مشاريع العمل الجماعي ثم الأفق الزمني كما في أوروبا منذ سنة 8591.

٭ هل يصح الحديث عن كون النخب العربية الحاكمة ليست على دراية كاملة بخصوص حسن التعاطي مع «استيراد التكنولوجيا» التي يعتبرها البعض، للمفارقة، «انخراطا في العولمة»، بمعنى أنها لا تفرق بين «استيراد» التكنولوجيا كتقنيات أو كمعارف؟ - لا أستطيع أن أخفيك تقززي من عبارة «استيراد التكنولوجيا» أو «نقل التكنولوجيا».

فالتكنولوجيا نتاج ثقافة ومنظومة قيم وسلوك اجتماعي وتركيبة ذهنية بالأساس وهي جزء من أخلاق عامة وإفراز لبيئة ولمرجعية.

بالتالي فلو تسنى لك «نقل الأداة» أو الجهاز من فضاء إلى فضاء آخر غير فضائه فيستحيل عليك نقل الثقافة ونظام القيم والمنظوم الرمزي الذي أنشأه، لتجد نفسك في المحصلة قد نقلت «شيئا» مبتورا، بدون هوية وخاليا من الروح.

عندما يتم استعماله خارج فضائه فهو إما لا يستخدم الاستخدام الجيد في حالة تعقده، أو يستخدم دون طاقاته وهو ما يحيل حتما على ما يسمى بالتملك التكنولوجي، والأمر هنا لا يقتصر على الامتلاك بل يتعداه إلى تطويع الأداة.

ما معنى مثلا أن ترسل دولة ما قمرا صناعيا للبث التلفزي إذا لم تكن تتوفر إلا على قناة تلفزية واحدة وفضاؤها ضيق؟ وما معنى أن تستورد دولة أخرى أجهزة للاتصالات متعددة الوظائف ومعقدة وتوظفها فقط للمكالمات الصوتية؟ التكنولوجيا ابنة بيئتها، وهي تعبير عن الحاجة المجتمعاتية التي تفتح لها سبل الاستعمال وإمكانية السريان الاجتماعي دونما ردود فعل سلبية أو رفض.

وبالتالي فهي تتطور بتطور المجتمع، تتبعه وتتبع حاجاته (بالمعنى النفسي والسوسيولوجي والثقافي لا بالمعنى الاقتصادي فحسب)، وإن كان لها أن تتجاوز ففي سياق من البحث العلمي والإبداع الذي يعمل إما على تكييفها أو الاستغناء عنها حينما تستنفذ وظائفها.

٭ ماذا عن تعاطينا نحن العرب مع منظومة «استيراد التكنولوجيا»، ونحن نأخذ بعين الاعتبار هذا التحفظ حول المصطلح؟ - في العالم العربي وفي العالم الثالث عموما، هناك حالة «استيراد التكنولوجيا» العسكرية وما كدسته الأنظمة والحكومات من أسلحة وخرده حربية معظمها أصبح متجاوزا ولا يستطيع «خبراؤنا» حتى صيانته.

لماذا؟ لأنها نقلت دونما حاجة مجتمعية ودونما امتلاك القدرة على اختراقها وتطويعها، وهذا الأمر سار على العديد من التكنولوجيات الأخرى.

من ناحية ثانية، نلاحظ على النخب في العالم العربي بكل أطيافها ومشاربها، عدم قدرتها على استيعاب المستجدات التكنولوجية سيما وأنها لا تحتكم إلى أنظمة في التتبع التكنولوجي.

كيف لها أن تختار بين ما يتوفر «بالسوق الدولي» وهي التي غالبا ما تستعين بخبراء أجانب (في الغالب من نفس الشركات التي لربما سيستقر عليها المزاد) لتحرير دفاتر للتحملات لا تمتلك الكفاءات التي من المفروض أن تقوم على مقارنة النجاعة والفاعلية وتباين الأسعار، أو لكون هذه الكفاءات قد اضطرت للهجرة تحت ضغط الفاقة أو ضيق مجال اشتغالها.

هذا أمر مؤسف بكل المقاييس.

فهم العولمة يقتضي فهم اقتضاء الشبكات وطبيعة التنظيمات وفلسفة الشركات وإعمال مبدأ العمل الجماعي.

∎ التكنولوجيا نتاج ثقافة ومنظومة قيم وسلوك اجتماعي وتركيبة ذهنية.

∎ لا يمكن للعلم ان يحدد التنمية اذا لم يكن مجدي بنظام للقيم يحكمها معا.

∎ التنمية علم مبني على ثقافة وفق لنسق منظومي وتفاعلي عميق.

∎ نموذج التفكير الاقتصادي العربي، لا يعير البعد الثقافي في التنمية اهتمامها.

∎ المؤسسة العسكرية في كل دول العالم هي التي تقود البحث العلمي.

٭ غياب الوعي العربي بالعلم والمعرفة - لرئيس اليونسكو الأسبق «روني ماهو» مقولة ذات دلالات نبيلة وصارخة في آن، على الأقل بالنسبة لنا نحن العرب، مفادها أن «التنمية هي العلم عندما يصبح ثقافة».

الانخراط الفاعل في التنمية يبقى الهدف الأسمى لأي نظام عربي مازال يعيش عالة على الحضارة الغربية اليوم.

أما الحديث عن العلم، فيحيلنا على تواضع إنتاج البحث العلمي في العالم العربي إن لم نقل نقمعه بدليل أن نعت الدول المتخلفة بامتياز يطلق اليوم على الدول التي لا تتحكم في المعلومات ولا تقيم أي اعتبار للمعرفة.

٭ كيف يصح الحديث إذن عن عالم عربي يروم الانخراط في مسلسل تنمية مستديمة وتفاعل مع العولمة وطوباويات من هذا القبيل؟ - التنمية هي العلم عندما يصبح ثقافة، هذا يزكي في جانب منه ما قلته بشأن قضية «نقل التكنولوجيا» باعتبار أن المسألة مرتبطة في عمقها بنظام للقيم يحددها.

الدين مثلا هو تقنية في جانب الفرائض، لكنه تكنولوجيا أيضا فيما يتعلق بمنظومة القيم التي يدفع بها والتي لا تنحصر في الفرائض كتقنيات للممارسة.

ما يقصده «روني ماهو» هو القول بأنه لا يمكن للعلم أن يحدد التنمية إذا لم يكن محكوما بنظام للقيم يحكمهما معا.

الإشكالية إذن هي إشكالية العلاقة مع العلم والمعرفة.

في البيولوجيا نجد المخ وفي العلوم الإنسانية نجد العقل ولا قيمة لأحد دون الآخر ولا قيمة لهما معا إذا لم ينصهرا في منظومة ثقافية وللقيم.

الإشكالية عندنا في العالم العربي ليست مسألة بيولوجية بل هي إشكالية ذهنية بجهة كيف نتمثل الظواهر ونمسك بآليات اشتغالها.

لماذا علماء الهند والباكستان مثلا هم البارعون بهضبة السليكون بكاليفورنيا؟ لأن قيمهم وتمثلهم للثقافة، للدين، للفلسفة وللكون وغيرها يفرز لديهم القدرة على صنع برامج متداخلة.

٭ كيف ذلك؟ - لأن سلم قيمهم هو أصلا منظومي والنسق المنظومي يساعد على الابتكار سيما في البرامج المعلوماتية والبيولوجيا.

التنمية هي، على هذا الأساس، علم لا يتحول إلى ثقافة فحسب بل هو مبني عليها وفق نسق منظومي وتفاعلي عميق.

ولهذا السبب يعتبر طوماس كيون صاحب «بنيات الثورات التكنولوجية» أن تطور العلم لا يتم عبر تراكم المعارف بل عبر تحول المبادئ التي تنظم هذه المعارف.

بمعنى أن العلم لا يتراكم ويتطور فحسب بل ويتحول أيضا.

«نموذج التفكير الاقتصادي العربي» لا يعير البعد الثقافي في التنمية كبير اعتبار ولا يعتبر العلم أداة تنمية بل يحاربها.

لأن العلم كما التنمية غالبا ما يهددان المصالح القائمة بالداخل كما بالخارج، ولك أن تنظر ما وقع ويقع للعراق.

العراق (بصرف النظر عن موقفنا من النظام أو من السياسة المعتمدة) ضرب لأنه أراد إقامة منظومة تكنولوجية خصص لها 2 إلى 3 بالمائة من ناتجه القومي الخام.

ولنا أن نتأمل في مطالبة مفتشي الأمم المتحدة بلائحة العلماء العراقيين.

الأمم المتحدة تتحدث عن الخبراء العسكريين لكن هذا يعني كل الباحثين لأن المؤسسة العسكرية هي في الأصل صلب البحث العلمي بكل دول العالم (حتى بأمريكا).

أي أن البحث العلمي العسكري هو الذي يفرز الابتكارات الكبرى والمدني لا يعمل عموما إلا على إتمامها أو التقاطها.

٭ وماذا عن واقع البحث العلمي بالمنطقة العربية؟ - المنطقة العربية أكثر جهات العالم أمية بل تحولت بها هذه الأخيرة إلى نظام للحكم، أي كلما كانت نسبة الأمية مرتفعة كلما توفر الاستقرار والاستقرار نقيض للتنمية، والمعرفة مكمن خطر على المصالح.

عندما يعرف الإنسان، تكون له القابلية على الاحتجاج وعلى المطالبة بتغيير واقع الحال.

تسألني عن التنمية المستدامة، أنا شخصيا لا أعرفها، ولكن أعرف التقدم وأميزه عن التخلف.

التفاعل مع العولمة أجهله أيضا، هي كلها مصطلحات للمؤسسات الدولية والتي نعرف خلفياتها، هي تهدئ بها النفوس لتعطي الإحساس بأننا في «طريق التنمية».

٭ نقرأ لكم في آخر ما صدر لكم، تقييما صارما ضد صناع القرار الإعلامي و «الثقافي» في المغرب، مفاده «أنه ليس لدينا أدنى حق في التنمية وليس لنا أي حق في الإعلام والمعرفة وبالتالي، فالتنمية كما مجتمع الإعلام معاقان في عمقهما كما في صيرورتهما كما في شكلهما سواء بسواء».

هل يمكن إسقاط نفس التقييم على باقي البلدان العربية، خاصة وأننا بدأنا نشهد بعض الطفرات الإعلامية في المنطقة وخاصة في الخليج العربي»؟ - الحق في التنمية هو من الحق في صياغة نموذج في التنمية جماعي.

لماذا؟ لأننا نحن مكمن هذه التنمية وهدفها بل وأداتها أيضا.

وما هو محرج حقا أن هذا «النموذج» يحدد إما من لدن مؤسسات دولية لاعتبارات يطول الحديث فيها، وإما من لدن «نخب» بالداخل تعتبر التنمية آخر المفكر فيه على الأقل منذ فترة الاستقلالات السياسية، وكلها للتذكير حديثة.

الحق في الإعلام والمعرفة هو أيضا من الحق في التنمية أي أن وجود الثاني هو من وجود الأول.

والوطن العربي في هذا لا يختلف فيه قطر عن آخر.

بالتالي، فإعاقة أحدها هو إعاقة حقيقية للآخر.

٭ لماذا؟ - لأن التنمية عملية تشاركية بامتياز، والحال أن الإعلام والمعرفة هما اللذان يعطيان القدرة على المشاركة وإبداء الرأي.

الملاحظ أن هذين الحقين معاقين في الشكل كما في الجوهر.

لا «نموذج» في التنمية قائم جوهرا ولا تشاركية في الشكل.

إذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا نحن متخلفون منذ على الأقل نصف قرن بلغت خلاله شعوب أوج تقدمها؟ لسبب بسيط وهو أنه ما دامت العين معاقة فالمقاصد غير مضبوطة.

وأنا أتساءل: لماذا نحن هكذا ضعفاء ومغبونون ولنا من الإمكانات المادية والبشرية الشيء الكبير؟ هذا إشكال حقيقي أطرحه.

الإفرازات القلقة للعولمة ٭ إلى أي حد يمكننا التأكيد على مصداقية العلاقة العضوية بين النزعة الاستعلائية التي تصاحب العولمة، وبين الإفرازات المقلقة المصاحبة لها من قبيل التلوث والمجاعة وخاصة الإرهاب كما تم بالفعل مع أحداث نيويورك وواشنطن، أم أنه بالنسبة لهذا الحدث بالذات لسنا مضطرين لخندقته ضمن الإفرازات السلبية للعولمة أو الإفرازات المضادة لها؟ - ليست العولمة خطرا في حد ذاتها، الخطر كامن في فاعليها الكبار، أعني الشركات المتعددة الجنسيات ومؤسسات «بروتن وودز» و»منظمة التجارة العالمية» والدول الكبرى سيما الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

بالتالي فالنزعة الاستعلائية التي تحدثت عنها في سؤالك هي من استعلاء هذه المؤسسات وليس من العولمة.

هذه المؤسسات، والدول التي تقوم عليها، هي التي تعمل بجهد لتكريس نظام للسوق واحد ونموذج في التنمية والتفكير واحد وسبيل في التطور واحد وكل ذلك مبني على فلسفة الليبرالية ومنطق الفكر الواحد.

الاحتجاجات التي ترتبت عن العولمة لم تكن رد فعل على مركزة السلطة بين يدي الشمال (في علاقته بالجنوب) بل ومركزتها أيضا بين يدي أقلية بالغرب كما بالجنوب سواء بسواء.

ولقد أشرت في كتاب سابق لي يحمل عنوان «الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة» إلى أن الحركات الاحتجاجية على العولمة تتم في الغالب الأعم من داخل النظام على خلفية من ضرورة إصلاح دواليبه (الحد من التلوث الذي تدفع به الصناعات ومطالبتها بالزيادة في المعونات للدول الفقيرة الجائعة أو المعرضة للجوع أو إلغاء ديون العالم الفقيرة وهكذا)، لكنها لا تذهب إلى حد المطالبة الصريحة بضرورة إعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي بناء جذريا.

«صناع» العولمة لا يعرفون إلا السوق وليس لهم فيما يبدو أدنى معرفة بما هو المجتمع أو الدين أو الثقافة أو الأخلاق أو نظام القيم.

ما وقع في نيويورك وواشنطن، قد يكون نتيجة لاستبداد هؤلاء واستهتارهم بحق الدول والشعوب في التنمية والتعبير والدفاع عن خصوصياتها.

* "حوار مع الخبير المغربي في قضايا العولمة: النظرة الأحادية تدفع إلى التقوقع وتحول دون اعتماد سبل أخرى للتحليل"، جريدة اللواء، 31 غشت 2005.

Vous pouvez partager ce contenu