مفكرون وباحثون يناقشون أزمة الوعي العربي
دعم قيم التسامح والحق في الاختلاف أساس التحول
من بين تمظهرات الأزمة التي نعاني منها على المستوى العربي تراجع الإحساس بالانتماء للأمة حيث حل محله الانتماء للوطن (القطر) ثم تراجع هو الآخر ليتحول إلى نوع من الانتماء للقيم المادية الاستهلاكية التي غرق فيها العالم العربي مع موجة العولمة.
ونتيجة لهذا كله، رأينا كيف أن من ملأ الفراغ الذي أفرزته الساحة هو الإسلام السياسي بتوجهاته المختلفة. وفي ظل هذه المعطيات التي تشكل أحد الأوجه البارزة للأزمة الحالية، هل يمكن استعادة الوعي العربي بمضمونه السابق كما كان أيام الحركة الناصرية مثلاً؟
أم أن الوعي العربي اليوم ينبغي أن يرتبط بمحمولات نهضوية جديدة وما هي هذه المحمولات؟ بأي شكل سيتم استعادة هذا الوعي؟ ما هي ملامحه الكبرى؟ وما هي المفردات العامة التي سيحيل عليها هذا الوعي الجديد؟ ما الذي تعنيه بالضبط كلمة (عربي) اليوم؟ وكيف يمكن التأسيس لمفهوم عروبي مستقبلي يتجاوز التعقيدات الجدلية والصراعية للراهن؟ “الخليج الثقافي” حمل هذه السلة من الأسئلة التي تؤرق كل عربي، إلى نخبة من المفكرين الذين حضروا المؤتمر السنوي لمركز “الخليج للدراسات” وفيما يلي إجاباتاهم وآراؤهم.
قال د. يوسف الحسن مدير المعهد الدبلوماسي في أبوظبي: “يبدو لي في معظم الأحيان أن المشهد العربي الرسمي والشعبي كلاهما مقلوب، كما لو أن العرب تمشي على رأسها، وأحياناً وكأن العرب ورقة يابسة في مهب العواصف، انكشاف استراتيجي حتى العظم، رغم وجود فرص هنا أوهناك، وممانعة تتخذ أشكالاً فكرية حيناً وعنيفة حيناً آخر.
هذا المشهد مفزع للغاية، ولا نمارس للخروج منه سوى ردود الأفعال والاستغراق في شجون صغرى وتفاصيل يعف عنها من يتعامل مع الوطن بجدية ومع الفكر بغير استخفاف. وبعيداً عن الجانب السياسي في المشهد المفزع فإن الخلل القيمي فادح وكذلك التذرر في النسيج المجتمعي واستدعاء الهويات الصغرى كالطائفية والعرقية وفقدان البوصلة العربية، كل ذلك أفضى إلى ما نحن عليه.
تسألني كيف يستعيد الإنسان العربي الوعي الناضج على المستويين القومي والإنساني؟ أقول لنبدأ في وقف الانهيار والحيلولة دون انزلاق أكثر نحو الفوضى والانفراط والفتن، ولتتحرك الدولة العربية القطرية نحو إدارة الاختلاف داخلها بحكمة، وخلافاتها مع الخارج بعقلانية وتنسيق إقليمي وقومي، ولتبدأ في توفير مقومات الدولة الحديثة من ديمقراطية توافقية وتعزيز مفاهيم المواطنة وثقافة الحوار والأمن الإنساني للناس وترشيد الأداء ومكافحة الفساد وغير ذلك. ومن المؤسف أن المفكر أصبح اليوم خارج التاريخ والبحث كله صار عن هويات ما قبل الوطنية والمذهبية والطوائفية، وفقدت النخب العربية القدرة على تحقيق توافق فكري ورؤى إنسانية تبني عليها مشروعها التنويوي النهضوي الجاد”.
ويضيف د. يوسف الحسن: “تسألني عن الملامح العامة التي يفترض أن تشكل الهوية ويستعاد من خلالها الوعي العربي، وأسألك عن الإحباط السياسي السائد والارتكاسات النفسية للمواطن العربي وسائر المكونات التي تتفاعل في عالمنا السفلي، أليس لها سطوة كبرى على تربوياتنا في عالم اليوم؟ فأصبحت رياضة العقل والذهن غائبة.
وفي مثل هذا المشهد، كيف نحلم بحصاد اللؤلؤ ونحن نزرع البصل؟ وأي منطق وأي فقه للتنوير والنهوض واستعادة الوعي القومي يمكن اجتراحه على أيدي نخب اندفعت برعونة نحو استكمال دائرة الشلل القومي بعد أن قلبت ثيابها وانجذبت حتى الغيبوبة إلى أنشودة اليوم الأخير من التاريخ؟
تسألني عن دورنا كمثقفين، وأعني هنا هؤلاء المحصنين والملقحين ضد الانتحار القومي، وهؤلاء الذين لم تفرغ شرايينهم من الطاقة الحيوية ولم يصبهم الزكام السياسي، وما زالوا يشمون روائح الدم النازف في فلسطين والعراق. إن دورهم يبدأ بعدم الامتثال للمزاج السياسي والثقافي المقرر الآن، وألا يكتبوا أو يتحدثوا بنصف لسان. أما المفكرون الذين يقدمون مبتدأ الجملة ثم يصمتون عن خبرها احترازاً من التأويل، فالأحرى بهم أن يكتفوا بمنادمة أنفسهم، فالنهار راكد والكلام زبد والمنطق المطروح يفزع حتى الحجر.
إلى متى ستستمر حقبة اللاوعي؟ لا أدري، ولا أعني هنا “عودة وعي” توفيق الحكيم، إنما البداية هي في مقاومة فكرية لمشروع كولونيالي جديد ومعولم هو الآن في ذروة تجلياته، يخترق الثقافة والعقيدة والحضارة والعادات والهوية واللغة، ما يذكرنا بحكاية شعب من قبائل الهنود الحمر ماتت ثقافته بفعل فاعل وجاء ذكرها في كتاب صدر مؤخراً في أمريكا بعنوان (الأمل الراديكالي) المهم ألا نفقد ركائز ثقافتنا الأصيلة وعناصرها المميزة، وأن نقدم فكراً وثقافة وتربية مضادة لهذا السائد الكارثي. وقد يقول البعض إن هناك حراكاً، وأسارع بالقول: أخشى أن يكون حراكاً أعمى، وأرجو من الله أن أكون مخطئاً".
ويرى د. طيب تيزيني أن مسألة تجديد الوعي العربي “تدور على مصطلح علينا أولاً أن نتفق عليه، فماذا نقصد بالضبط بمصطلح الوعي؟ هل هو مصطلح يملك مصداقية معرفية أم هو جزء من الإنتاج الثقافي الأيديولوجي في الفكر العربي الراهن؟ وإذا كان هذا المصطلح قد تصدر المؤتمر السنوي لمركز “الخليج للدراسات”، فإن هذا بدوره يدلل على وجوده لكن دون أن يعني بالضرورة أنه يمتلك مصداقية معرفية.
أرى بصدد ذلك أن الحديث ربما كان أكثر جدوى إذا دار على (بناء الوعي العربي) فالبناء من شأنه أن يتعرض للماضي كما الحاضر كما المستقبل، وحينذاك يمكن أن يدور الحديث عن (استعادة الوعي العربي). وفي هذه الحال تكون عملية الاستعادة خاضعة لمعيار منهجي مركزي هو الحاضر بالمعنى البنيوي والوظيفي، وكذلك بمعنى أنه هو ذلك الذي يؤسس لمرجعية ما علينا أن ننجزه في ضوء الاحتياجات الكبرى الأيديولوجية والمعرفية. إذاً، نحن إذ نعيد بناء الوعي العربي فإننا في الوقت نفسه نستعيد التجارب العربية المنصرمة على صعيد الوعي ولكن في ضوء الاحتياجات التي يطرحها الواقع الراهن نفسه.
إذا كان الأمر على هذا النحو فنحن مدعوون إلى بناء الوعي العربي ضمن إطار عمومي قد يتمثل بمشروع جديد في النهضة والتنمية العربية. فهذا المشروع هو الذي ينتج أهم المعالم المطلوبة من عملية إعادة الوعي العربي. ولما كان الوضع العربي الراهن متمثلاً في حطام عمومي ولكن مفتوح، فإن قضية الوعي العربي تصبح قضية بناء المشروع المذكور في نطاق حوامل ثلاثة له: أول اجتماعي، وثان سياسي، وثالث ثقافي.
والمحدد الأكبر للحامل الاجتماعي يتمثل في أنه حامل يأتي لمشروع نهضوي، وهذا بدوره يجد مرجعيته الاجتماعية في الأمة برمتها، بعكس ما يمكن القول عن مشروع ثوري يجد حامله الاجتماعي في طبقة أو في حامل طبقي وتحالف طبقي. ومن ثمة فالحامل الاجتماعي للمشروع المذكور سيكون والحال كذلك، مشروعاً يمتد من أقصى اليمين الوطني والقومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني والقومي الديمقراطي. وهنا تبرز فكرة حاسمة على صعيد هذا الحامل وهي أن جميع من يستظلون في ظل أفكار التعددية السياسية والثقافية، وفي ظل مبدأ التداول السلمي على السلطة، فإن هذا يمنحهم مكاناً في نطاق هذه الآلية الجديدة.
لذلك فإن ما هو مطلوب راهناً في العالم العربي، أن يتم التأسيس لمثل هذا الحامل الاجتماعي الذي يمتد حتى إلى أوساط الإسلاميين الذين يقرون نظراً وعملاً بمبدأي التعددية والتداول السلمي على السلطة، إضافة إلى مسائل أخرى.
أما على الصعيد الثقافي فتبرز مجموعة من المفاهيم التي يُراد منها أن تكون جامعاً نظرياً ثقافياً لمن يتبنى المشروع المذكور. وهنا يجري الحديث على الديمقراطية والعقلانية والحداثة، وذلك في سياق قراءة جديدة للإسلام تستجيب لاحتياجات المشروع النهضوي التنويري الجديد. ومع ذلك يبقى القول وارداً بأن أفكار الاختلاف لن تزول بل لعلها تتوطد ولكن في إطار ذلك الجامع الثقافي والاجتماعي الذي يكون بمثابة الحافز لتحقيق التقدم المطلوب.
ومن شأن ذلك أن يضع يدنا على أن قضية الوعي العربي وإعادة بنائه واستعادته من خلال ذلك، إنما هي مسألة لا يصح الحجاج فيها خارج ما يمكن اعتباره مرجعية حاسمة لأي عمل عربي مستقبلي راهن، يعني مرجعية المشروع العربي في النهضة والتنوير، هذا المشروع الذي يتسم بكونه مشروعاً ديمقراطياً عقلانياً وتنويرياً.
وبالرغم من ذلك ستبرز مشكلات عظمى على هذا الصعيد، ومنها ما يتمثل بالإجابة عن السؤال التالي: أما زال الفعل العربي محتملاً في نظام عالمي جديد يحرص على إحكام قبضته الهيمنية على العالم بما فيه المنطقة العربية؟ أما الإجابة فلعلها تأخذ صيغاً متعددة تعدد المجموعات التي تطرح ذلك السؤال وتجيب عنه في إطار استيعابها لإشكالية النهضة العربية الراهنة”.
ويقول د. سليمان العسكري “إن الانتماء إلى العروبة والأمة العربية ساد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي نتيجة لدعوة قادتها رموز فكرية ووطنية عربية بدأت بالنضال ضد الهيمنة التركية على مصائر العالم العربي، وأيضاً مع المد القومي وبروز الظاهرة القومية في أوروبا، الأمر الذي أثر كثيراً في دعاة النهضة العربية الذين حملوا لواء الدعوة لتكون في العالم العربي نهضة شبيهة بالنهضة الأوروبية، لكن السيطرة العثمانية كانت عقبة أمام هذا المشروع. وتطورت هذه النضالات إلى أن أعطت ثمارها مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين من خلال ما أطلق عليه دعوة القومية العربية وهي في ملخصها مشروع نهضوي من أجل السيطرة على مقاليد القرار في العالم العربي والتخلص من الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي حل محل الدولة العثمانية.
وآتت هذه الدعوة ثمارها من خلال المد القومي ممثلاً في الأحزاب القومية العربية والحركة الناصرية ودعاة الإصلاح والوطنية في المغرب العربي. في تلك المرحلة تم طرح الانتماء القومي كشعارات قابلة للتحقيق على مستوى الواقع العربي فيما بعد قيام الدول القطرية حيث كان أكبر شعار مرفوع هو موضوع الوحدة العربية، على أساس أن العالم العربي لا بد أن يتوحد كنتيجة لهذا المد القومي.
وهنا أصبحت أدوات التنفيذ لهذه الشعارات أضعف من مستوى طموحات أصحابها، وأكبر دليل على ذلك هو التسرع في تحقيق شعارات الوحدة بين مصر وسورية، وحدة قامت بشكل سريع تحت ضغوطات عاطفية جماهيرية دون دراسة ودون تخطيط. وحتى بعد قيامها لم تتوفر لها إدارة واعية لكيفية بناء هذه الدولة الموحدة وتطورها، وكانت النتيجة أن هذه الوحدة انهارت بسرعة، وكانت هذه أولى الصدمات التي واجهتها الوحدة العربية على مستوى الوعي القومي، والتي أدت إلى تراجعات كبيرة في الساحة العربية وإلى بروز دعوات إقليمية كانت قد تراجعت في المرحلة السابقة، محاولة استغلال فشل الوحدة في تجديد الدعوة لأفكارها الإقليمية.
هذا الفشل دفع القوى القومية، وأيضاً بالتسرع نفسه، إلى تطبيق شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية دون القيام بدراسة حقيقية للواقع القائم في الدول العربية ومستوى التطور لدى جماهيرها الشعبية وخاصة الطبقة العمالية والطبقة الوسطى التي كان ينقصها الكثير من الوعي لكي تنتقل إلى تلك المرحلة. وطبعا في مواجهة الرفض هذه القرارات كان أمام السلطات العربية أن تقمع جميع القوى المعارضة حيث عجزت عن محاورة تلك الفئات أو إقناعها، الأمر الذي شكل في تقديري مشكلة أخرى للوعي القومي.
وأتصور أنه لما بدأ الصراع يتطور بين القوى اليسارية العربية التي أصرت على تطبيق الاشتراكية، والتيارات اليمينية العربية وفي مقدمها التيار الإسلامي أو اليمين الإسلامي الذي انتعش بعد حرب 1967 وبدأ يجد سنداً له في القوى الخارجية الغربية ممثلة في أوروبا وأمريكا التي كانت في تلك المرحلة لا تزال هي الأخرى في صراع مع الاتحاد السوفيتي (سابقا) فيما كان يسمى بالحرب الباردة، وذلك كله على حساب الوعي القومي الذي كان في تراجع. في تلك المرحلة بدأت الجماهير تفقد ثقتها في الأنظمة ولا يزال هذا الوضع مستمراً إلى اليوم”.
د. سليمان العسكري لا يبدو عليه التفاؤل عندما يتعلق الأمر براهن العالم العربي وخاصة في جانب استرجاع الوعي القومي لأنه يقول “إن الوضع الحالي هو مرحلة الدولة الإقليمية، وهناك احتمال إذا استمر الوضع على ما هو عليه، أن نشاهد مزيداً من التجزئة في بعض الدول العربية الكبيرة مثل العراق. وفي ظل مشاريع التجزئة المطروحة الآن نجد أن القوى العربية غير قادرة على وقف أي برنامج في اتجاه تقسيم المنطقة من جديد”.
ويشير العسكري إلى وجود العديد من المعوقات التي تقف اليوم أمام القوى القومية العربية واسترجاع الوعي القومي، وحول هذا الجانب بالذات يقول “إن استعادة الوعي القومي اليوم إذا حدثت فإنها لا يمكن أن تكون استعادة لأحلام الستينات، وبالتالي يجب إعادة طرح أفكار ورؤى وأدوات جديدة للتغيير، وهذا يبدأ بالدرجة الأولى من تلافي الصراع المذهبي والاثني أو القبلي الداخلي. وبطبيعة الحال هناك من يشجع هذا الصراع الآن لتسهيل إعادة صياغة الحدود القطرية من جديد.
ولهذا فإن طبيعة اللحظة الراهنة تفرض على الوعي القومي العربي أن يعي خطورة هذا الموضوع ويقطع الطريق بسرعة أمام انفجار صراع طائفي عنيف على غرار ما يجري الآن في العراق واليمن، أخذا في الاعتبار أن هذه الحالة يمكن أن تنسحب على الخليج أيضاً.
ففي تصوري أن المنطلق الرئيسي لأي وعي عربي جديد سواء في المستوى القومي أو القطري الوطني، هو قطع الطريق أمام جميع أنواع الفتنة والصراع والاقتتال الداخلي. ينبغي أولاً أن نعي خطورة هذه الصراعات والفتن الداخلية التي تقودها أمريكا اليوم في المنطقة العربية وتشجع عليها.
فإذا استطعنا أن نكبح هذه الانزلاقات نحو الفتنة، وتمكنا من توعية مختلف القوى الفاعلة والجماهير العربية التي تقف اليوم على عتبة الفتنة والصراع الداخلي، بالخطر المحدق بها وبأهمية النظر إلى مصالحها الحقيقية، فإننا في هذه الحال سنتمكن من خلق لحظة وعي قومي جديدة وتوجيه طاقاتنا ضد القوى الخارجية كما في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ولا يوجد في تصوري منطلق آخر لاستعادة الوعي القومي، لأن هذه المسألة ترتبط أساساً باستعادة الوعي بالمصالح القومية للجماهير العربية.
وكذلك توعية الجماهير بأن واقع التجزئة لا يصب في مصلحتها، وبتفكك سلطة الدولة العربية والوعي العربي بدأت كل فئة تلتجئ إلى خصوصياتها العرقية والمذهبية والطائفية كما نرى اليوم. يجب أن تعي الجماهير العربية بأن مصلحتها في تحويل صراعاتها الداخلية نحو القوى الخارجية التي تعمل للسيطرة على ثرواتها ومقدراتها الوطنية.
ومن ملامح الوعي العربي الجديد أن تعرف الجماهير أن مصالحها ليست في الانتماء القبلي ولا الطائفي ولا القطري، بل في تكتلات أوسع لأن العالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى. وليس من الضروري أن تكون اندماجات، ولكن توجد ضرورة ملحة للتكتل الاقتصادي الواسع والكبير. وفي هذا السياق، مطلوب منا أيضاً أن نرتبط بالتجمعات الاقتصادية العالمية الكبرى لكن ليس من مصلحتنا أن ندخل هذه التجمعات ونحن مشتتون، بل ينبغي أن ندخلها ونحن نملك قوة اقتصادية مضافة وكبيرة ليكون لنا رأي ودور في هذا التسارع العالمي”.
ويؤكد العسكري أن ارتباط الجماهير من جديد بمفهوم الوطن الصغير والوطن العربي الكبير، مرهون بمدى ما تقدمه لها هذه الأوطان من أمن وغذاء وصحة وتعليم واستقرار. فإذا لم تستطع الأنظمة أن تحقق التنمية المطلوبة فسوف تستمر حالة التفكك وغياب الوعي بالوطن والمواطنة.
وفي اعتقادي أنه توجد اليوم فرصة أمام الجماهير العربية لاستعادة بعض الوعي من خلال التناقض القائم مع القوى الأجنبية المحتلة لأوطانها كما كان الاستعمار في مطلع القرن العشرين حافزاً أساسياً لهبة قومية في المنطقة العربية. وأهم عنصر في موضوع استعادة الوعي فيما أتصور هو أن تعي الجماهير والقيادات العربية بأن عليها توجيه جميع جهودها لقطع الطريق على الانقسامات والصراعات العربية العربية وإعادة تجميع الجماهير مجدداً تحت راية المصالح الوطنية الأساسية والمتمثلة في إبعاد القوى الخارجية عن دائرة السيطرة على ثرواتنا وإثارة الفتن والنعرات الطائفية داخل أوطاننا.
ويرى د. حسين الزاوي أن استعادة الوعي العربي تمر عبر خلق قناعة عند الإنسان العربي بأهمية الانتماء للمحيط الحضاري والثقافي للأمة العربية “فالذي كان يحدث في السابق هو العمل على دفع أكبر عدد ممكن من الناس للانخراط العاطفي ضمن برامج سياسية تحاول أن تبلور توجهات عروبية لمختلف الدول العربية القطرية.
لكن على المستوى الفردي لم نستطع في جميع المراحل السابقة أن نصل إلى جعل الانتماء للعروبة حالة موضوعية يهفو الإنسان العربي إلى الانخراط فيها لتحقيق رهانات يتقاطع فيها الذاتي مع ما هو جماعي. الذي كان يحدث في السابق هو أن الإنسان العربي كان يتعاطف مع قضاياه العربية دون أن تشكل هذه القضايا جزءاً أساسياً من رهاناته الخاصة. وبعد انحسار الخطاب الحماسي الذي كان يؤثر في هذا الانتماء الانفعالي للعروبة، بدأ ما كنا نعتقده وعياً يتلاشى بشكل تدريجي وتبرز في مقابل ذلك خصوصيات جزئية كنا نظن دائماً أنها لا تحمل في حد ذاتها أهمية تصبح بموجبها عناصر قابلة لأن تؤثر في مسار المجتمع العربي.
وعن الملامح العامة لهذا الوعي الجديد أضاف الزاوي “إن الوعي العربي الجديد يجب أن يركز على مسألة التأسيس لتوجه عربي يفترض فيه أن يكون في خدمة أكبر عدد ممكن من مكوناته وليس جزءاً من مكوناته. كما يفترض في هذا الوعي الجديد أن يجعل المصالح الاقتصادية للكيانات الصغيرة والدول الوطنية القطرية، جزءاً من نسق المصالح الكلية التي يسعى الكيان العربي الكبير إلى تحقيقها. ويفترض في هذا الوعي الجديد كذلك أن يتحول من مجرد شعار يُرفع على مستوى الحلم والتمني إلى جزء من المعايشة الفكرية لأكبر عدد ممكن من الذوات العربية.
ويفترض كذلك في هذا الوعي الجديد أن يجعل من اللغة العربية عاملاً مشتركاً يمكن أن يُرتقى به من مجرد وسيلة للتعبير والتواصل وإنتاج المعرفة إلى فضاء يختزل مكونات اللاوعي الجماعي للمتكلمين بها بحيث يكون كل متحدث باللغة العربية معبراً في الوقت نفسه عن أبعاد انتمائه العربي بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى تصبح اللغة بالتعبير الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني هومبولتز، محددة لقيم وعناصر هوية الشعوب العربية”.
أما د. يحيى اليحياوي فيرى “أن الجزء الأول من التساؤل يحيل على إشكالية الهوية بما هي مكمن الانتماء، وهي المظهر الذي تبدو به على السطح. الهوية ليست معطى ثابتاً أو قاراً، بل هي معطى متحرك، تؤثر فيه ظروف عالمية وإقليمية ومحلية عديدة، لكنها لا تلغيها بقدر ما تجدد في مداها وفي محاميلها ومضامينها.
وإذا كان من المؤكد أن العولمة و”انتصار الليبرالية” وتقدم الفكر البراغماتي والفرداني، قد أسهم في تطعيم الهوية العربية مثلاً عبر رفدها ب”قيم” جديدة من قبيل كونية حقوق الإنسان وتلاقح الهويات وماسوى ذلك، فإنه من المؤكد أيضاً أن ملابسات الأزمة وتزايد مظاهر الاحتقان السياسي والاقتصادي واللغوي والديني، قد عمد إلى إفراغ هذه الهوية من حمولتها الأساس.
والدليل على ذلك تزايد التشرذم العربي كسبب ونتيجة لذلك، واشتداد النعرات الطائفية والعرقية واللغوية والدينية وما سواها، وتشدد بعض عناصر الفعل الأهلي لجهة الراديكالية وقس على ذلك.
كما أن ما يسمى “الإسلام السياسي” وأنا ضد أن يُستقرأ الإسلام على هذه الخلفية، ما هو إلا نتاج لأزمة الهوية وليس سبباً مباشراً فيها، وذلك حتى بتسليمنا أنه كانت ثمة تيارات دينية تجاهر بالعنف بسيادة الهوية الواحدة أو المرجعية الواحدة لتحديد الهوية كالعروبة والقومية وما سواهما.
أما عن الشق الثاني من السؤال فأنا أتساءل بامتداد ذلك: ما المقصود بالوعي العربي؟ الوعي بماذا؟ ما طبيعة هذا الوعي؟ هل هو وعي نخبوي أم جماهيري؟ وعي بالذات أم وعي بالآخر؟ وما ترى هي مرجعيتنا أو مرجعياتنا إن نحن سلمنا بالسؤال كما ورد؟
أنا أزعم أن الوعي مسألة محكومة بالزمن والمكان، خيطها الناظم قدرة المرء فرداً أو جماعة، على إدراك ما يروج بذاته وما يروج من حوله من متغيرات تطال حاضره ومستقبله.
وأزعم أيضاً أن التساؤل بصيغة “الاستعادة” يشي بوجود ضرورة، بوجود حاجة، بوجود خطر وبوجود مشكل، وهو أمر قائم بالنسبة للعرب والمسلمين منذ مدة من الزمن. وهو تساؤل مشروع، لكن أي وعي نريد إعادة استنباته؟ وبأي الأدوات نود تصريفه كخطاب على اعتبار أنه لا قيمة للوعي إذا بقي مقتصراً على النخب الحاكمة أو النخب المثقفة؟ إن الوعي من أجل الوعي عملياً لا قيمة له، لأنه ما الغاية منه؟
المفترض أن يتحول الوعي إلى مصدر قوة، ومن أجل تحويل الوعي إلى قوة لا بد أن نحوله إلى أكبر مجموعة من الناس لتصريفه وتحويله إلى مصدر للقوة. أما إذا بقي على مستوى الخطاب النخبوي فلا فائدة فيه. ونحن منذ خمسين سنة لا نزال نجتر خطاباً مكرراً لأننا لم نصرفه على مستوى الجماهير ليتحول إلى قوة، وبالتالي فإن وعاء الوعي يبقى محصوراً. لكن كيف نصرف هذا الخطاب في الجماهير في غياب منظمات المجتمع المدني؟ كيف نقول للناس إن الوعي بمشاكلكم هو جزء من حلها؟ هذا هو الرهان الحقيقي.
إنني أتصور أن جزءاً من الجواب يُفترض أن يأتي من استخلاص الإيجابي مما مضى لفهم ما يجري واستيعابه لجهة البناء للقادم. هذا ربط ضروري في اعتقادي لا يوازيه إلا ربط آخر تُستسقى عناصره مما يدور حولنا في العالم إنتاجاً وثقافة وبحثاً علمياً.
من ناحية ثالثة، أعتقد أن العروبة اليوم بمحك حقيقي من واقعها ومستقبلها، ليس بوصفها انتماء لجغرافيا وحضارة وثقافة ولغة فحسب، بل أيضاً كفكرة وكأداة للتجنيد.
العروبة خيط ناظم، عاشت تحت لوائها أقوام أخرى، هي التي أضحت اليوم تزايد عليها في مصر كما في الجزائر كما في المغرب كما في سورية كما في العراق.
ولما كانت فكرة العروبة الملازمة للإسلام، قد باتت بالمحك جراء معطيات سياسية خالصة، فإن الظرف بات مناسباً لهؤلاء، لا ليتبرأوا من الفكرة فحسب، بل ليتنكروا لها ويطعنوها من الخلف، وهذا مكمن خطر كبير. صحيح أن لهذه “الأعراق” لو سلمنا بأن العرب عرق، مطالب هوياتية ثابتة، لكن المفترض ألا يدفعوا بها لدرجة الاصطدام مع “العرق” الأكبر عددياً والأقوى أيضاً.
والمطلوب هو دعم مبدأ الاختلاف لتُعبر جميع هذه العناصر التي طالها “الغبن” لسبب من الأسباب، لكن مع صيانة الحد الأدنى ضماناً للوحدة، وإلا فإذا أفرز ذلك (أو استتباعاً له) مطالب تتجاوز عليه، فإن كل قطر عربي (فما بالك بالأمة جمعاء) سيصبح “أقطارا” على خلفية من وعي زائف. خذ مثلاً أمريكا التي تضم العديد من الملل والنحل والثقافات والأعراف، لكن الكل مصهور في ثقافة الاختلاف، لأن الديمقراطية والحق في الاختلاف هو ما يدفع الناس إلى التعايش، فلماذا لا نستطيع نحن أن نضمن الحق في الاختلاف بين قبيلتين؟
وبالمحصلة، أعتقد أن الوعي بتأزم الوعي هو مدخل أساسي لاستنبات المستقبل بعد ما نكون قد غربلنا الماضي واستحضرنا معطيات الحاضر”.
أسئلة الوعي
إن عملية استعادة الوعي القومي تطرح علينا الأسئلة النهضوية نفسها التي كان يناقشها رواد النهضة العربية قبل مئة عام، لكن الإشكالية الكبرى التي تواجهنا في هذه المرحلة، أن الإجابات مطلوبة والأمة واقعة تحت قبضة أحداث كبرى في العراق وفلسطين وفي أكثر من مكان حيث الجمر يرقد تحت الرماد، وكذلك في ظروف إنتاج معرفي قاصر وخلل قيمي ومعياري فادحين، واقتحام خارجي صاعق للدواخل العربية وسيادة ثقافة الاستهلاك، وإلا أخبرني عن النموذج الكثيف السائد الآن لهيفاء وهبي ولرجل أعمال يطلق قناتين فضائيتين واحدة لله والثانية للإثارة الجنسية والفن الهابط، أو تلك الاستهانة الليبرالية بمكون الإسلام في الهوية، في وقت تشتعل فيه مواقد هذه الأمة بالعنف التكفيري وبنيران الطوائف والملل المتناحرة، وتنتشر كتب الطبخ والجنس والترويح من الدنيا حيناً أو من الآخرة حيناً آخر”.
تفعيل المشترك
لكي نستعيد الوعي العربي علينا أن نجند ليس العناصر المشتركة التي تحدد الهوية العربية فحسب، ولكن أيضاً أن نجعل من العناصر التي تبدو في الظاهر غير منسجمة مع هذه العناصر، قابلة للتوظيف من أجل خدمة مشروع تأسيس وعي عربي يؤمن جميع المنتسبين إليه بأنه لا خيار لهم إلا أن يظلوا مؤمنين ومدافعين عن هذا الوعي الذي لا يحمي مجتمعاتهم الكبرى ودولهم القطرية فحسب، ولكن يحميهم على مستوى تواجدهم الفرعي والجزئي في كيانات صغيرة، بالمعنى الذي تصبح فيه الكيانات الصغيرة في خدمة التواجهات والأهداف الكبرى للكيان العربي الكبير.
خلفية التراجع القومي
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي (سابقا) انقلبت الموازين وانطلقت دعوات العولمة في عنف وسرعة لا نظير لهما حاملة معها جميع المفردات التي تمثل السياج للمصالح الغربية عندنا حيث كان العالم العربي يعيش نتائج المآلات القومية كلها من خلال التفكك العنيف التي لا تزال مستمرة وتلقي بظلالها على جميع مناحي الحياة العربية.
واليوم نجد أن الأنظمة التي كانت ضد التوجه القومي، وجدت لأنفسها مواقع آمنة في ظل الهجمة العولمية.
وهنا يطرح السؤال: لماذا تراجعت القوى القومية التي يفترض أنها هي التي تمثل الجماهير، إلى مواقع ودواليب الدولة القطرية؟ والجواب في تصوري هو لأنها كانت مفككة في المرحلة السابقة ووجدت أنها لا تملك سنداً حقيقياً لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الخارجي، وهكذا دخل أغلب القوى القومية في دواليب السلطة بعضها انهزاماً وبعضها من باب المهادنة على أمل أن تتاح لها فرصة أخرى في المرحلة الجديدة وكذلك حماية لأنفسهم من التصفية.
جريدة الخليج، الملحق الثقافي، 19 ماي 2007 (استقى التصريحات: سعيد جار الله).
"استعادة الوعي العربي"، مساهمة بالمؤتمر السنوي السابع لمركز الخليج للدراسات، الشارقة، 6-7 ماي 2007.