Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة التجديد: "واقع الإنترنيت بالمغرب هو واقع محنة بكل المقاييس"

 السؤال الأول: تجاوز عدد المشتركين في الهاتف النقال في المغرب 20 مليون مشترك، وبالنسبة للهاتف الثابت فقد بلغ عدد المشتركين مليونين و 834 ألف مشترك نهاية شتنبر 2008. كما تشير إحصائيات الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات أن حظيرة الهاتف العمومي تقارب 176 ألف مشترك، أما بالنسبة للإنترنت فقد قارب عدد المستخدمين 700 ألف مشترك.أستاذ يحي اليحياوي، ما هي قراءتكم لهذه الأرقام؟

يحيى اليحياوي: أنا غالبا ما أحتاط من الإحصاءات والأرقام التي تصدر عن هذا الفاعل أو ذاك، فهو يدمج فيها ما يريد من معطيات، متحايل عليها ببعض الأحيان، لإعطاء الانطباع بالوضعية الجيدة التي يتمتع بها، وبسلامة حالته المالية، وبالتالي صواب اختياراته. والدليل على ذلك هو خروج بعض الفاعلين كل سنة أو ستة أشهر، للقول بارتفاع رقم معاملاته ب 20 أو 25 بالمائة، قياسا على ما تم تحصيله بالمرحلة السابقة، وهذه نسب غير معقولة بالمرة، في سوق استقر أو بات على مشارف الاستقرار.

لو تجاوزنا على هذه الجزئية، وتعاملنا مع المعطيات كما وردت بالسؤال، لتبينت لنا بعض الحقائق الأساسية، وهي التي تهمني هنا، أكثر من الإحصاءات في حد ذاتها:

+ الأولى أن ارتفاع نسبة مستعملي الهاتف النقال (ولا أقول نسبة المشتركين بعقد، لأن هؤلاء لا يمثلون إلا 4 بالمائة، والباقي للبطائق المسبقة الأداء)، هذا الارتفاع يؤشر بالقطع على أن المجتمع المغربي هو مجتمع شفوي بامتياز. واندفاعه القوي بجهة النقال، يبين مدى الحرمان الذي كان يعيشه المغاربة، زمن الهيمنة المطلقة لتكنولوجيا الهاتف القار، حيث كان الناس ينتظرون سنين وأشهر للحصول على اشتراك، وكانوا يعمدون للمعارف والزبونية، وإرشاء الموظفين للحصول على هذه الخدمة.

+ الثانية، أن ارتفاع الإقبال على النقال، وانحسار مد الهاتف القار، راجع بالأساس إلى ما يمنحه الأول، من خدمات إضافية، سيما جانب الحركية في المكان، والمرونة، وتوفيره للصوت والصورة والمعطى معا، وبتفاعلية أكبر، وبتكاليف نسبيا أقل. وهو ما جعل المواطنين يتهافتون عليه، أكثر من تهافته على الهاتف الثابت. للتذكير فقط، وإن خارج السياق، فعندما يريد مشترك ما بالهاتف الثابت، إلغاء عقده مع الفاعل الموفر للخدمة، لهذا السبب أو ذاك، فسترى الابتزاز الذي ما بعده ابتزاز، والتماطل الذي ما بعده تماطل، ومصلحة تحولك إلى مصلحة إلى ما لانهاية. وأنا أعرف حالات عديدة بلغ بها السيل الزبى من هذا السلوك اللاتجاري، واللاقانوني أيضا.

+ الحقيقة الثالثة، أن محدودية الارتباط بشبكة الإنترنيت مرده قطعا إلى سيادة الشفوي كمعطى سوسيولوجي، وراجع أيضا وبالتحديد إلى تكاليفه المرتفعة، وكذا منسوب الصبيب الضعيف الذي يمنح، مقابل رسوم اشتراك عالية للغاية. وأنا صراحة لا أدري كيف لوكالة التقنين أن "تشرع" الزيادة في رسوم الاشتراك بطريقة دورية، ولا تدفع بالفاعلين لتخفيضها، بغرض الدفع بانتشار الشبكة، والإسهام في تعميمها على كل الفئات والمناطق الجغرافية.

+ الحقيقة الرابعة، هو أن هذه المعطيات الإحصائية، لو سلمنا بدقتها وسلامة نية من صاغها، فهي ليست دليل نجاعة أو حسن تسيير أو تدبير، كما يروج لذلك البعض. إنها نتاج طفرة تكنولوجية مكنت الوفرة في التقنية والخدمات، ولم نعمل بالمغرب إلا على استيراد مخرجاتها ليس إلا، تماما كما يستورد السمسار السلع الصينية، ويعيد بيعها بالمغرب بأبخس الأسعار. وأعني هنا أن دور الفاعلين إنما هو دور الوسيط بين الشركات العالمية الكبرى والمستهلك المغربي، يتقاضوا مقابل سمسرتهم ما يتحصلون عليه بعد عملية إعادة البيع.

بالتالي، فمن يدعي أنه أوصل هذا الفاعل أو ذاك، إلى أرقام قياسية في رقم المعاملات، ليخبرنا أين قيمته المضافة قياسا إلى ما يستورد، وليخبرنا أيضا أين جانب المجازفة الذي ركبه عندما قرر شراء هذه السلعة أو تلك. وإلا فقل لي أي مجازفة يركب "الشناق" بظروف عيد الأضحى؟

 السؤال الثاني: حسب تقرير الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، تستحوذ شركة "اتصالات المغرب" على حصة الأسد من سوق الهاتف النقال بنسبة 65،62 % بالإضافة إلى حصة سوق الانترنت بالصبيب العالي حيث تحوز "اتصالات المغرب" الحصة الأكبر بنسبة 98،81%، باستثناء حصص سوق الهاتف الثابت، إذ يحتل المتعهد "وانا" المرتبة الأولى بنسبة 53،42% مقابل 46،36% "اتصالات المغرب" ثم شركة "ميديتليكوم" بنسبة 0،23%. هل خرج قطاع الاتصالات من احتكار الدولة إلى احتكار الشركات؟

يحيى اليحياوي: هذه مسألة كتبت عنها وتحدثت، منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وقلت تحديدا، إن خوصصة الفاعل الأساسي في قطاع الاتصالات مسألة مستهجنة، وإن التحرير هو المطلوب، شريطة أن يكون مضبوطا ومراقبا وتدريجيا، ويراعى فيه جانب المرفق العام. وقلت أيضا بأن الخوصصة بالعالم الثالث عموما، وبالمغرب تحديدا، لا تخضع لحساب النجاعة والعقلانية، بل هي نتاج الإفلاس المالي للدولة، التي تتهافت على بيع ممتلكاتها الاستراتيجية للأجانب بغية تغطية عجز الميزانية، ولا علاقة لذلك بالمرة بمسألة تحسين تدبير هذا النشاط المخوصص أو ذاك، أو إخراجه من الكساد، بدليل أن اتصالات المغرب لم تكن حساباتها سيئة عندما تقررت خوصصتها.

وقلت فضلا عن ذلك، بأن الخوصصة بسوق محدود وطلب محصور، لن تفرز إلا انتقالا للاحتكار من القطاع العام إلى القطاع الخاص الأجنبي، وأنها بتحصيل حاصل، ستعيد سلوك الفاعل الأصل، وأن ولوج فاعل أو إثنين إضافيين، لن يحرك السوق كثيرا، ولن يغير من واقعه، ولن يقوض الاحتكار القائم، ولن يعمد إلى تغيير سلوك الفاعل المهيمن. وهذه نتيجة لاحظتها بأكثر من تجربة في العالم، حتى بأمريكا وبريطانيا، اللذان يتقززان من القطاع العام كملكية.

ببنية السوق، قد نلاحظ تراخيا ما لهذا الفاعل أو ذاك، من هذا النشاط أو ذاك، لكن التوجه يبقى هو نفسه، توجه هيمنة من له البنية الأصلية، واستثماراته الإضافية لتوسيع الشبكة أو صيانتها، غير مكلفة كثيرا، بالقياس إلى الوافدين الجدد.

بالمقابل، ألاحظ أن تزايد عدد الفاعلين بالسوق لا يقدم الشيء الكثير، بقدر ما يسهم في إعادة تقسيم الكعكة، بدليل أن سوق النقال مثلا مشبع، والهاتف الثابت في تراجع حاد، والإنترنيت، بحوامله التقليدية، أو بالحوامل الجديدة، لا تتقدم سعته. ما الفائدة من "ضخ" فاعلين جدد بالسوق، إذا كان هذا الأخير محدودا ومشبعا، والفاعلون الجدد لا يقدمون شيئا ذا قيمة، على مستوى الخدمات أو الجودة أو الأسعار؟

السؤال الثالث: ما رأيكم في الدراسة الحديثة التي أصدرتها "مجموعة المرشدين العرب" التي تزعم أن المغرب لا يزال متأخرا في مجال تعميم شبكة الإنترنت عالي الصبيب، حيث قدرت الدراسة نسبة الربط في المغرب بـ 1.5 في المائة، مقابل 8 في المائة في قطر مثلا؟

يحيى اليحياوي: هناك جانبان اثنان بهذا السؤال:

الأول أن الفاعلين بالسوق لم ولا يراهنوا على الإنترنيت كثيرا، لأن ما يدره من مداخيل ضعيف للغاية، بالقياس إلى ما يدره النقال مثلا، وإلى حد ما الهاتف الثابت. إن فيفاندي مثلا، لا يهمها أن ترتبط هذه المدرسة أو المستشفى أو الجماعة المحلية، أو ما سواها، لأن ذلك مكلف ومردوده بسيط، وبكل الأحوال فهي لم تأت للمغرب لتتحول إلى مؤسسة اجتماعية أو ثقافية، إنها شركة تبحث عن الربح السريع، وتراهن على الجيوب التي تضمن لها ذلك دون مجازفة، أو تكاليف إضافية. مع العلم أن ربط المؤسسات المذكورة هو مصدر دخل إضافي لذات الشركة أيضا.

الجانب الثاني، أن الدولة ذاتها لا تهتم كثيرا بجانب تعميم شبكة الإنترنيت، ولا تشجع عليها، ولا تسهم في تحمل بعض من تكاليف الارتباط، أو اقتناء الحواسيب، أو ما سوى ذلك. الحواسيب بالمغرب لا تزال أسعارها مرتفعة، والارتباط بالشركة يستوجب رسوما لا قبل للمغربي المتوسط بها، هو الذي بات يتسابق مع لهيب أسعار المواد الغذائية ومصاريف المدرسة والنقل وهكذا.

ثم عن أي صبيب عالي تتحدث، حتى باستحضار تقنية الإنتريت للجيل الثالث؟ أين هو هذا الصبيب، عندما نعلم أن منسوبه ضعيف للغاية، ومسعر بعشرات المرات مقارنة بمنسوب صبيب موازي بفرنسا أو بإسبانيا. إن واقع الإنترنيت بالمغرب هو واقع محنة بكل المقاييس، بشروط الارتباط، بالصبيب المتاح وبالسعر المطبق. كيف تريد للمغرب أن يكون أحسن من قطر، التي تضع التعليم ضمن أولوياتها؟

السؤال الرابع: أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره السابع حول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 2007/2008، حيث احتوى هذا التقرير على تقييم ل 127 دولة عبر رصد مدى استعداد الدول للاستفادة من تطورات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ومن بين خلاصات التقرير، الرتبة 74 التي احتلها المغرب مسبوقا بتونس (35). هل فشل المغرب في توفير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؟

يحيى اليحياوي: إذا كانت كل مؤشرات التقارير الدولية تصنفنا بالمؤخرة، فإنه من الطبيعي أن نكون بالمؤخرة على مستوى مؤشر الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. نحن بالمؤخرة بمؤشر التنمية البشرية، وبالمؤخرة بمقياس تجدر الرشوة، وبالمؤخرة بمؤشر احترام الحقوق الإعلامية، وبالمؤخرة بمقياس الشفافية في عالم المال والأعمال، وبالمؤخرة بكل تصنيفات وتقارير البنك الدولي ومنظمة الغذاء الدولية ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الشفافية الدولية، وما سواها من منظمات رسمية وغير حكومية. ومع ذلك، تسمع هنا وهناك بالخطاب الرسمي، أن هذه التقارير "تجهل التطور الحاصل على الأرض"، أو "تتآمر على المغرب"، أو "تجهل الطفرة التي حصلت من مدة"، وقس على ذلك.

أما عن عدم الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فببساطة لأننا حولنا القطاع إلى مصدر للريع، عوض أن يكون أداة لبناء قاعدة تقنية وصناعية بالبلاد. ثم لأننا وضعنها بيد قطاع خاص، ليس لديه أدنى معرفة بما هو المرفق العام، أو البحث العلمي، أو الإبداع التكنولوجي، ولربما لم يسبق له أن سمع ببراءات الاختراع، التي من المفروض أن تخرج بكثافة من هذا القطاع بالمغرب.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر هجرة المئات من الكفاءات في ميدان المعلوميات والاتصالات، تقنيين ومصممي برامج ومطوري نظم معلوماتية وغيرهم؟ وكيف نفسر تمركز المهندسين أو ما بقي منهم بالأنشطة الإدارية البسيطة، أو دفعهم للوكالات التجارية، كما لو أنهم خريجي مدارس تجارة لا مدارس للمهندسين؟ المفروض أن يكونوا بقلب البنية التحتية، تطويرا وبحثا وتصميما للبرامج، أو من بين ظهراني مختبرات البحث والتطوير كما بالهند أو بالمكسيك أو بتونس.

بجانب هجرة الأدمغة بهذا المجال، أنا حقيقة أتعجب كيف تهدر الكفاءات، ولا يولى هذا الأمر أهمية تذكر لا من لدن الفاعلين، ولا من لدن الدولة. وأتعجب أيضا كيف لا تتوفر الدولة على رؤية للحد من هذا النزيف، وإلا فما معنى أن نستمر في تكوين هؤلاء بالمال العام، ما داموا سيرحلون بمجرد انتهائهم من الدراسة. هذا أمر مفجع وبكل المقاييس.

السؤال الخامس: من خلال هذه المعطيات الإحصائية، هل يمكن الحديث عن فشل تجربة خوصصة قطاع الاتصالات في المغرب؟

يحيى اليحياوي: خوصصة الفاعل الرئيسي في قطاع الاتصالات، لم تكن من صنف الخوصصة التي عهدناها، أو تعلمناها بنظريات الاقتصاد الصناعي بالجامعة، والتي مفادها أن الدولة غالبا ما تلجأ للقطاع الخاص، للتكفل بنشاط تكون الدولة ذاتها أو أحد مرافقها، عاجزا عن تسيره، أو مكلفا للجماعة، أو مرهقا بالنسبة للميزانية العامة، وهكذا.

هذه حالات لم تكن قائمة عندما تقرر فتح رأسمال اتصالات المغرب، بل أن ميزانية المؤسسة لم تكن متعبة، وكانت تدر مداخيل هامة للدولة، بصيغة ضرائب أو مقابل الاحتكار، الذي منحتها إياه الدولة، باعتبار هذه الأخيرة هي المالك للمؤسسة. قلت في حينها، أي بأواسط تسعينات القرن الماضي، بأن الداعي الوحيد لفتح رأسمال الشركة، إنما أذكاه واقع الإفلاس الذي كانت تعيشه ميزانية الدولة، ومشارفتها على تعذر أدائها لأجور الموظفين حتى. فكانت الخوصصة، وكان التطبيل والتزمير لها من هنا وهناك، باعتبارها صفقة القرن. كانت العملية بالبدء جزئية، لكن سرعان ما تحولت إلى عملية بات لفيفاندي بموجبها غالبية رأس المال، وباتت المالك "الشرعي" للشركة.

قد لا يكون المرء ضد خوصصة جزئية لرأسمال شركة ما، لكنه لا يمكن إلا أن يكون ضد عملية الخوصصة برمتها، عندما تضع شركة استراتيجية بيد فاعل أجنبي، لم يكن يوما فاعلا بالاتصالات ببلده الأصل، ويعطيه حق التصرف في مصير القطاع، جملة وتفصيلا.

 في حينه، قلت التالي ولا أزال على نفس القناعة: إن المهم بقطاع الاتصالات، هو الفعل في بنية السوق، عبر الترخيص لفاعلين جدد بولوجه، مع ترك مؤسسة الاتصالات ملكا عموميا، تعطاه سبل منافسة هؤلاء الوافدين. وخلفيتي في ذلك كانت أن الخوصصة كما هو مصمم لها، لن تكون بالمحصلة إلا انتقالا لملكية رأس المال، مع بقاء السوق في وضعية إذا لم تكن احتكارية، فعلى الأقل مهيمن عليها من لدن "الخاص الجديد". وأزعم أن الوقائع أبانت عن صواب طرحي وإلى حد بعيد، دع عنك المزايدات من هنا وهناك، والتي لا تهمني كثيرا.

السؤال المطروح اليوم: هل نجحت فيفاندي حقا في تحريك السوق، والاستفادة من حال المنافسة النسبي؟ أشك في ذلك كثيرا بدليل أن فيفاندي لم تغير لا من بنية الشركة، ولا من تنظيمها ولا من هيكليتها، ولا من طبيعة التسيير القائمة، ولا طالت الشخوص التي عهدناها منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، ولا نزال عليها صباح مساء...فليفسروا لي ما قيمة الخوصصة الإضافية بهذه الحالة، اللهم إلا حرماني شخصيا، ومن تاريخ وصول فريق فيفاندي، من منحة المردودية، لربما عقابا على هذا الموقف، لكن هذا أمر آخر.

السؤال السادس: ما الدور الذي أصبحت تقوم به الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات؟

يحيى اليحياوي: وكالات التقنين بكل دول العالم، تقوم بصورة عامة ومبسطة، مقام الدولة في الإشراف على سير قطاع الاتصالات، بزاوية الترخيص للفاعلين المحتملين الراغبين في ولوج السوق، بزاوية احترام مبدأ المنافسة بالسوق، وبزاوية إجبار الفاعلين على احترام دفاتر التحملات، والبث في النزاعات بين هؤلاء، بموجب ما يسمح لها قانونها الأساس.

هي لا تقوم مقام المشرع، وليس من صلاحياتها أن تتحرك خارج الجانب التقني، وإلى حد ما الاقتصادي، الذي يعطيها حق البث في مستويات التسعيرة، أو طبيعة الخدمة التي يقوم عليها الفاعلون. وهكذا دواليك، على الرغم من وجود تمايزات بين وكالة ووكالة، وفق السياق التاريخي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. إذ من مهام الوكالة الفرنسية مثلا، أن تكون لها نظرة على المرفق العام، في حين أن هذا المصطلح غير موجود أصلا بوكالة التقنين الأمريكية أو الإنجليزية أو الاسترالية أو ما سواها.

وكالة تقنين الاتصالات بالمغرب تحت وصاية الوزير الأول، ومديرها مسؤول أمام هذا الأخير، وهذا الأخير هو الذي يرأس مجلس إدارتها. بالتالي، فهي تبدو كما لو أنها مصلحة من مصالح الوزير الأول، أي المستوى التنفيذي، وبالتالي لا استقلالية لها. وهذا أمر غير طبيعي بالمرة، في وكالة المفروض أن تكون مسؤولة عن قراراتها، ومستقلة عن أية جهة من جهات الضغط، سيما الدولة، التي ستكون بهذه الحالة كمن هو خصم وحكم. قد نتفهم ذلك مادامت الوكالة وكالة تقنين، لكننا لا نستطيع استساغته في وكالة نريدها أن تكون للتنظيم لا للتقنين، أي تحديد قواعد اللعبة للفاعلين بالسوق، وتركهم يفعلون.

بهذه النقطة، أتصور أن المنافسة لا يمكن أن تستقيم كثيرا، سيما وأن نظرية الجلب (Théorie de la captation) تؤكد أن الوكالة إذا لم تكن مستقلة، فإن احتمال ارتهانها، أو التأثير عليها من لدن هذه الجهة أو تلك، وارد، ولربما مؤكد. ما يزيد هذا الاحتمال مصداقية، أن الغالبية العظمى ممن استقطبتهم الوكالة، كانوا موظفين لدى الفاعل الرئيس. للإشارة فقط فأنا بصدد بحث بهذا الجانب من زاوية نظرية الجلب والاستقطاب.

السؤال السابع: هل لدى المجتمع المغربي القدرة على الولوج إلى الفضاء المعلوماتي؟

يحيى اليحياوي: قد يكون الجواب إيجابا بمنطق القابلية، لكن بزاوية القدرة، فأنا أتصور أن الأمر نسبي إلى حد بعيد، ليس فقط بالاحتكام إلى تصنيف هذا الولوج ضمن مؤخرة أولويات المواطن المغربي المتوسط، ولكن أيضا لأن ثقافة الشبكات لم تتكرس بعد لدى المغاربة.

لو أخذنا الإنترنيت كنموذج لذلك، لتبين لنا ولو مؤقتا، بأن نسبة استعماله متدنية، ولا تتعدى وظيفتي الدردشة وتبادل الرسائل، في حين أن وظائف البحث عن المعلومة أو لأغراض البحث العلمي، تبقى ضئيلة للغاية.

أتصور أن المسألة منظومية، فطالما بقي نظام التربية والتعليم على ما هو عليه، وبقي الحذر قائما من العلم والمعرفة، وبقي شعار "أن القراءة لا تجدي"، فإن الوضعية لن تتغير كثيرا، اللهم إلا أعيد النظر في الأولويات، وإحداها لربما تأميم اتصالات المغرب، ليكون لنا حق النظر، والبث في خياراتنا باستقلالية، ووفق مصالحنا، لا مصالح الأجنبي.

 * "الخبير في الإعلام والشبكات، يحيى اليحياوي لـ التجديد":واقع الإنترنيت بالمغرب هو واقع محنة بكل المقاييس"، استجواب، جريدة التجديد، الرباط، 17 فبراير 2009.

Vous pouvez partager ce contenu