"الرأسمالية في محك التكنولوجيا أو في النظام التكنولوجي للعولمة"
دار الأوائل، دمشق، يونيو 2008
مقدمة
1- ما القصد بالقول "الرأسمالية في محك التكنولوجيا" الذي آثرناه على ما سواه عنوانا لهذا الكتاب؟
ليس القصد هنا تلمس عناصر الممانعة التي قد تخال للمرء أن التكنولوجيا تضمرها للرأسمالية في ميكانيزمات اشتغالها أو في الطبيعة البنيوية الملازمة لها، أو في المفارقات التي تفرزها إذا لم يكن منذ انتصر رأس المال على ملاك الأراضي، فعلى الأقل منذ أن أضحت الراسمالية نظاما اقتصاديا سنته الدول واعتمدته الشعوب في إنتاجها واستهلاكها وطبيعة توزيع الثروات فيما بينها أحجاما ونسبا.
وليس القصد هنا بذات القول تطلع التكنولوجيا (كل التكنولوجيات) إلى استصدار سلطة القرار من بين يدي الرأسمالية أو تعويضها بنمط في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع جديد.
لن يكون هذا هو القصد ولا يمكنه أن يكون على الأقل بالاحتكام إلى مسلمة أن التكنولوجيا إنما هي إفراز للرأسمالية في حركيتها وتطور منظومتها وتجدد العناصر التي تبني باستمرار لحيويتها في الزمن كما في المكان.
هي "إبنها الشرعي" بكل المقاييس حتى بثبوتية أن لكل نظام اقتصادي واجتماعي (سابق على الرأسمالية أو لاحق عليها) مجاله في تصميم الابتكارات وتصميم التكنولوجيات والدفع بها إلى مجال التقييم والاستخدام.
قد يكون كل ذلك جزء من قصدنا (وإن بصورة عرضية) لكنه ليس مجمل القصد سيما في مرحلة تطور الرأسمالية التي استتبعت "الثلاثين الخوالد"، وتحولت جراءها الرأسمالية من نظام في الإنتاج الكثيف (وبالأحجام) إلى نظام تجر وتيرة نموه الخدمات و"مجتمع الاستهلاك" ثم إلى نظام أضحت التكنولوجيا بكل روافدها، إحدى مرتكزاته الكبرى إذا لم تكن عصبه الأقوى بامتياز.
"الرأسمالية في محك التكنولوجيا" إنما غرض القصد منه تبيان:
+ أن التكنولوجيا (بكل روافدها ومجالات فعلها) إنما غيرت (أو أسهمت في تغيير) وجه الرأسمالية صورة وفي المظهر.
فتكنولوجيا الآلة البخارية لم يكن لها مفعول ما فعلته تكنولوجيا الحواسيب والاتصالات والبث عبر السواتل. وتكنولوجيا الكتابة التي أفرزتها آلة غوتنبرغ لم يكن لها من تأثير مواز إلا تأثير شبكات المتعدد الأقطاب أو فاعلية الألياف البصرية أو قدرة إدماج الاتصال والتواصل التي مكنها الإنترنيت وهكذا.
+ والتكنولوجيا (بتأثيرها المباشر أو بعيد المدى) لم تعد هيكلة بنيان الرأسمالية فحسب، بل أعادته أيضا ولربما أكثر على مستوى البنية وآليات الاشتغال. إذ لم يعد الإنتاج المسترسل والضخم (حتى بتواضع حجم السوق) هو المهم بقدر ما أضحى الأهم هو الإنتاج المبني على تقييم مسبق لرغبات استهلاك محددة توجهاتها، مدققة تطلعاتها ومستشرفة مفاصل آفاقها الكبرى.
+ والتكنولوجيا غيرت، وإلى حد بعيد، وجه الرأسمالية، إذ تحولت هذه الأخيرة جراءها إلى رأسمالية خدمات (بعدما كانت صناعية وتجارية) ثم إلى رأسمالية مالية ومصرفية ثم إلى رأسمالية رموز لا يمكن للمرء أن يتمثلها إلا في كونها مكمن إنتاج وتوزيع واستهلاك التيارات في السلع والخدمات والمعلومات دونما أن يرتبط ذلك بميدان في الاشتغال واحد أو بفضاء في تحديد الاستراتيجية موحد.
+ والتكنولوجيا (عكس ما سواها من آليات) فتحت في الأفق للرأسمالية واسع وشاسع، إذ لم تعد هذه الأخيرة رهينة فضاء جغرافي محدد (محليا كان أم وطنيا أم قوميا)، بل أضحت دولية النشاط، متعددته بجانب فاعليها، غير مدينة لهذه الحكومة أو تلك (ما دامت كل الحكومات أدواتها يقول ريكاردو بتريلا) وغير مجبرة على تبرير سلوكها أو تسويغ فعلها.
الرأسمالية أضحت من هنا وبالمحصلة الأولية على الأقل، كما لو أنها (بفضل التكنولوجيا) متحررة مما كان إكراها جغرافيا أو ضغطا تنظيميا أو انصياعا لهذا التصور أو ذاك حتى وإن كان نابعا من تنظيم عالمي.
إذا كان كل ما ورد قائما ولا لبس كبير حوله يذكر، فكيف الزعم (زعمنا الخاص على أية حال) بأن الرأسمالية إنما هي في محك التكنولوجيا بما يوحي أن الثانية ترفع التحدي بوجه الأولى في منطوقها كما في شكلها كما في الجوهر؟
لا يبدو لنا الأمر كونه مجرد إيحاء. فالتكنولوجيا كانت منذ البدء حمالة تحديات جوهرية في وجه الرأسمالية:
+ تحديات تكنولوجية بالأساس تسائل نمط تنظيمها وأشكال فعلها في المحيط وتفاعلها معه وآليات اشتغالها قياسا إلى فضاء السوق والعمل والإنتاج وتوزيع الثروة والسلطة.
+ وتحديات اقتصادية بجهة قابلية الرأسمالية (أو قدرتها) على هضم ما استنبتته من مستجدات بما يسهم في الزيادة في إنتاجيتها أو الرفع من ربحيتها أو الضغط على منابع التكلفة المتأتية من مسلسل دورتها الاقتصادية في المكان كما في الزمن سواء بسواء.
+ وتحديات اجتماعية بجهة شكل إدماج الفضاءات غير الاقتصادية في صيرورة نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الجديد. إذ "تكييف" ذات الفضاءات (سيما فضاء الشغل) هو من إعادة النظر في طرق اشتغال الرأسمالية ومن تحويل دور الفاعلين المؤسساتيين الذين نأوأوا ولعهود طويلة ماضية طبيعة ذات الاشتغال والمقاصد الثاوية خلفه.
+ وتحديات ثقافية بجانب قدرة الرأسمالية (وقابليتها أيضا) على استنبات تمثلات جديدة لدى الأفراد والجماعات لا تعكس فقط توجهات المنظومة السائدة اقتصاديا واجتماعيا، بل وأيضا منظورها لذوات الأفراد والجماعات زمنا وفي المكان.
بالتالي، فإن القائم والسائد في زعمنا أن الرأسمالية هي حقا إنما بإزاء محك حقيقي مع التكنولوجيا ليس فقط في جانب ما ترتضيه الأولى للثانية (وهي الثاوية خلفها بكل الوجوه)، ولكن أيضا بجانب الإفرازات التي لا تتراءى للأولى من مناص في ضبطها أو تكييفها أو تغيير نمط التمثل من بين ظهرانيها.
2- ما المقصود، ثانية، من عبارة "النظام التكنولوجي للعولمة" الذي اخترناه عنوانا فرعيا لهذا الكتاب؟
هو عنوان فرعي دال أو لنقل لا يقل دلالة عن العنوان/الأصل. إذ لو سلمنا أن لكل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية نظامها التكنولوجي، فإنه سيسهل التسليم بأن الرأسمالية زمن العولمة إنما تحتكم إلى نظام تكنولوجي يواكبها، يفتح لها في الآفاق التنظيمية ويقلص بصلبها دورة الإنتاج وكلفة الاستثمار.
والقول بهذا إنما هو من القول بأن التكنولوجيا (وتكنولوجيا الإعلام والاتصال تحديدا) قد أفرزت (أو ساعدت على إفراز) "اقتصاد جديد" (اقتصاد العولمة) معلوماتي وشمولي وذو توجه كوني في الآن ذاته:
+ هو معلوماتي "لأن إنتاجية وتنافسية وحدات وأفراد هذا المجتمع (سواء تعلق الأمر بالمقاولات أم بالجهات أم بالأوطان) مرتهنة أساسا بالقدرة على إنتاج واستغلال وتطبيق المعلومات الناجعة المرتكزة على المعرفة".
+ وهو شمولي "لأن الأنشطة المركزية في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع وكذا مكوناتها (رأس المال، العمل، المواد الأولية، التسيير، المعلومات، التكنولوجيا، الأسواق) منظمة على المستوى الكوني إما مباشرة أو من خلال شبكات من العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين".
+ وهو معلوماتي وشمولي في الآن معا "لأنه في ظل الظروف التاريخية الجديدة، فإن الإنتاجية والمنافسة تأخذ تعبيرها داخل شبكة من التفاعل كونية. لقد برزت كذلك أواخر الربع الأخير من القرن العشرين لأن ثورة تكنولوجيا المعلومات قد وفرت الركيزة المادية الضرورية لاقتصاد جديد من هذا النوع".
بالتالي، ف"الرابط التاريخي بين المعرفة والمعلومة/أساس الاقتصاد، ثم البعد الكوني لهذه الأخيرة وثورة تكنولوجيا المعلومات هي التي أفرزت هذا النظام الاقتصادي المميز والجديد".
صحيح أن المعلومة والمعرفة كانتا، منذ البدء، عنصران أساسيان في التنمية الاقتصادية وصحيح أن التطور التكنولوجي كان يحدد قدرة الإنتاج وأشكال التنظيم الاجتماعية وما إلى ذلك، لكن "مصدر القطيعة" اليوم إنما يتمثل في "بروز براديغم تكنولوجي جديد متمحور حول تكنولوجيا معلوماتية أكثر قوة ومرونة تمكن المعلومة من أن تكون محدد مسلسل الإنتاج".
لم ينبع هذا البراديغم من فراغ ولا تكرس في مجال بوار، بل أتى تعبيرا عن تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية كانت العولمة نتاجها وأيضا المحرك الذي يدفع بها بالتفصيل والجملة.
يقول مانويل كاسطيل بهذا الشأن: "إن حاجيات الاقتصاد فيما يتعلق بالتسيير المرن وعولمة رأس المال والإنتاج والتجارة وكذا متطلبات المجتمع حيث قيم الحرية الفردانية والتواصل دونما عوائق أضحت أساسية وأيضا التطورات المذهلة للمعلوماتية والاتصالات" قد أفرزت بنية جديدة للمجتمع" ينعته كاسطيل ب"المجتمع الشبكي" وينعته غيره ب "المجتمع المعلوماتي" أو "مجتمع الاقتصاد الجديد".
لو كان لنا أن نحدد طبيعة النظام التكنولوجي للرأسمالية زمن العولمة لقلنا:
+ بأنه نظام شبكي ومعلوماتي مرتكز على براديغم جديد يتغيأ إقامة أشكال تنظيم جديدة، باستراتيجيات جديدة وعلى خلفية من تراتبيات جديدة بين الأفراد كما بين الجماعات، بين الجهات كما بين الدول والقارات.
+ بأنه نظام شمولي يتخذ من الفضاء الكوني فضاءه الخاص ويرتكز على قيم وتمثلات جديدة لعل أقواها على الإطلاق قيم الفردانية واللامركزية وتقييم العمل والنظام.
+ وبأنه نظام تتطلع الرأسمالية من خلاله إلى تحديد العلاقات الاجتماعية على مستوى الكون برمته لا يغدو هذا الأخير بموجبه "الاقتصاد/العالم" كما تحدث عن ذلك إيمانويل فالرشتاين، بل "الاقتصاد/الشبكة"، حيث تنقل تيارات السلع والخدمات والرموز دونما قيود كبيرة تذكر.
سنكون إذن بالمحصلة بإزاء منظومة رأسمالية جديدة يندغم بصلبها وبقوة جزر الاقتصاد المادي المتراجع بمد الاقتصاد اللامادي المتقدم والمهيكل لكل أشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
3- ليس ثمة من شك أن النظام التكنولوجي الذي أفرزته الرأسمالية إنما هو الناظم والمهيكل لهذه الأخيرة زمن العولمة.
هو ناظمها ومهيكلها على المستويات القطرية، لكنه يتطلع إلى أن يكون كذلك على المستوى الكوني...على مستوى الكوكب يقول البعض.
إذا كانت الشركات الكبرى قد توفقت في تحقيق ذلك وإلى حد بعيد على المستوى الاقتصادي المادي، فإن الشبكات (وأقواها على الإطلاق شبكة الإنترنيت) إنما تسهم وبقوة في دفع وتيرة الاقتصاد اللامادي المعلوماتي بالطبيعة والمتوجه إلى الكونية بالتطبع.
لكن الثابت، مقابل كل هذا وذاك، أنه إذا كانت طبيعة الرأسمالية تاريخيا هي استنبات للفوارق والفجوات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والترابية والثقافية، فإن ذات الطبيعة قد استنبتت، عبر نظامها التكنولوجي أو من خلاله، فجوات إضافية لعل أكثرها جلاء: الفجوات الرقمية.
ليست الفجوات إياها ظاهرة عرضية سرعان ما سيتم تجاوزها (عبر هذه القمة أو تلك، عبر هذا الملتقى أو ذاك) بقدر ما هي ظاهرة بنيوية يفرزها النظام التكنولوجي للرأسمالية في مرحلة تطورها الحالي.
هي بالتأكيد امتداد لفجوات أخرى سابقة لازمت الرأسمالية لزوما، لكن خاصيتها الأساس إنما مساهمة النظام التكنولوجي في تكوين مجتمع جديد بتلازم واستمرارها على المستويات القطرية كما على المستوى الكوني.
قد يقتصر الأمر راهنا على إشكالية البلوغ أو النفاذ، لكن النظام إياه ينزع بانتظام بجهة اختزال المجتمع في الفرد (بغاية البناء لفردانية الأول) وبجهة اختراق الهويات التي لم يعد لها من ضامن أسمى في وقت تراجعت فيه أدوار الدولة والجماعة وتقدمت الهويات العالمية على حساب الهويات المحلية المرتكنة للفضاء.
إن تقاطع النظام التكنولوجي ومرحلة إعادة هيكلة الرأسمالية زمن العولمة إنما سيكون من شأنه إقصاء بعدي السياسة والثقافة والمواطنة لفائدة قيم الاقتصاد والسوق ورأس المال والإنتاجية والتنافسية وما سواها.
بالتالي، فمكامن الخطر لا تبدو لنا مضمرة التوجه والغاية، إنها جلية ولا لبس من حولها: خطر اختزال المجتمعات والثقافات في شبكات تبدو ظاهريا أنها خادمة للمعرفة لكنها تتطلع في الخفاء إلى إيقاع التمايزات في شباكها.
* "الرأسمالية في محك التكنولوجيا أو في النظام التكنولوجي للعولمة"، كتاب جديد ليحيى اليحياوي، دار الأوائل، دمشق، يناير 2008. جريدة العدالة والتنمية، 28 يونيو 2008. جريدة المساء، 30 يونيو 2008. جريدة الأحداث المغربية، 30 يونيو 2008. التجديد العربي، 30 يونيو 2008. المشعل، 3-9 يوليوز 2008، ثم المشعل، ثم المشعل، 10 -16 يوليوز 2008. جريدة الصحراء المغربية، 11 يوليوز 2008. القدس العربي، 11 يوليوز 2008. السعودية تحت المجهر، 11 يوليوز 2008. موقع نيل وفرات، 8 غشت 2008. جريدة الخليج، 10 غشت 2008.