ندوة دولية حول
تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009
تحديات " أمن الإنسان " في البلدان العربية
مراكش: 10 ـ11دجنبر 2010
ورقة عمل الندوة
يُشكِّل تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 الحلقة الخامسة في سلسلة التقارير التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ سنة2002.، بتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي[1]، وقد عالجت، علاوة على التشخيص العام للنقائص الثلاث التي وسِمت واقعَ التنمية في البلاد العربية [2002]، قضايا " المعرفة"[2003]، والحرية[2004] ، و" النهوض بالمرأة" [ 2005]، ويأتي التقرير الأخير ، الصادر في بيروت في 21 يوليو/ تموز2009[2]، لمقاربة جانب آخر لا يقل أهميةً عن الجوانب التي عالجتها التقارير السابقة، يتعلق الأمر بمفهوم" أمن الإنسان"، وتحدياتِه في البلذان العربية.
I يمكن الإقرار بأن التقرير الجديد [2009]، وإن نهج طريقة ما سبقه من التقارير ، فقد سعى إلى إعادة توظيف مفهوم " أمن الإنسان" ، كما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 1994، وارتكز عليه على خلفية الأبعاد التي وردت في التحليلات التأصيلية ل "أمارتيا سِْن"، بخصوص العلاقة بين " التنمية" و" الحرية" ، و" التنمية" و" الأمن والاستقرار". فهكذا، اهتدى التقرير، بعد جولة استطلاعية لمختلف المحاولات التعريفية لمفهوم" أمن الإنسان" في الأدبيات الدولية والكتابات العربية، على قلتها، إلى القول « انه تحرر الإنسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدة زمنياً وواسعة النطاق التي تتعرض لها حياته وحريته.."، وبذلك تكون " الحرية" ، وعلى وجه التحديد حرية الفرد، القيمة المحورية الناظِمة للتعريف والمحددة لمناطِه، بل إن التقرير يشدد في أكثر من مقطع من مفاصله على الصلة التلازمية بين أمن الدولة وأمن الإنسان، فحين يستقر الفرد ويتوطد أمنه الشامل، يتحقق أمن الدولة وتتوفر شروط المناعة ضد التصدع، والوَهن، والتآكل. والواقع حسناً فعل معدو التقرير حين أسسوا مقارباتهم على مركزية " أمن الإنسان" وإستراتيجيته في تحقيق أمن الدولة من عدمه، دليلُنا في ذلك عدم جدوى المعالجات التي انصبَّت منذ عقود على أمن الدولة والبحث عن وسائل تأكيده، نظيرَ إغفال أمن الأفراد وإهمال الاهتمام بأحوالهم، وقد أثبتت تطورات العقود الأخيرة حقيقةَ الارتباط بين المستويين من الأمن، وربما أهمية الأول [ أمن الأفراد] بالنسبة للثاني [ أمن الدولة]. فالدولة الآمِنة في الألفية الجديدة، ليست تلك التي تملك ترسانة من الأسلحة والمعدات العسكرية، والجيوش الضخمة عددياً، وإنما تلك التي كوّنت إنساناً مدنياً قادراً على حماية الدولة نفسها، والاستعداد للتضحية من أجل بقائها واستمرارها بيتاً للجميع. و من اجتهادات التقرير أيضاً اعتماده مقاربةً شموليةً وواسعةً لمفهوم أمن الإنسان، حين اعتبر مصادر تهديد " أمن الإنسان" متعددة الأبعاد ومتنوعة المضامين، تتوزع على الصعد الاقتصادية ، والغذائية، والصحية، والبيئية، والشخصية ، والسياسية ، والاجتماعية، ما يعني أن البدائل والمعالجات لا يمكن أن تكون إلا متعددة المداخل.بيد أن التقرير أثار،ضمن تعريفاته لمفهوم"أمن الإنسان"، نقطةً معرفيةً على درجة بالغة الأهمية، تتعلق بطبيعة الدولة القادرة على تحقيق الأمن بالمواصفات المبينة أعلاه. فغني عن البيان، أن " الفرد لا يضمن لنفسه الأمن إلا في ظل دولة قوية، تخضع للمحاسبة، وتحكَم بشكل جيد"، ما يعني أن تقعيد حكم الدولة على أسس ومبادئ الحكامة الجيدة شرط لا مندوحة عنه، وهو ما نراه معطى إشكالياً في البلاد العربية.. إننا في النهاية ونحن نقرأ متن التقرير الجديد [ 2009] ، نجد أنفسنا في قلب القضايا التي غدت عصيةً على الحل منذ اكتواء العالم العربي بنار الاستعمار وصدمة الغرب في مستهل القرن التاسع عشر، أما الجديد الذي حمله التقرير فيتحدد حصراً في تعدد المقاربات وجدة المفاهيم المؤطرة لها ،نلمس ذلك في المعجم اللغوي الذي عبره وبواسطته تمت عمليةُ التعبير والصياغة، ومع ذلك ثمة جملة من التحديات الضاغطة على أمن الإنسان في البلدان العربية تولى التقرير تحليلها بشكل شامل ودقيق من زاوية فهم معديه ا" أمن الإنسان"، وطرقة توظيفهم إياه.
II يرسُم التقرير صورةً مُقلقةً عن طبيعة التهديدات التي تواجه البلاد العربية مجتمعةً ودون استثناء. ف "أمن الإنسان" العربي محكوم بسبعة تحديات متكاملة من حيث الوظائف والأبعاد. يخص التحدي الأول " البيئة والضغوط على الموارد". فالبلاد العربية التي ضمَّت 317 مليون نسمة عام 2007، ستصل، حسب توقعات الأمم المتحدة، 395 مليون عربي سنة 2015، ستون في المائة منهم لا تتجاوز أعمارهم الخمس والعشرين سنة، وهي أعلى نسبة للشباب في العالم، كما سيتجاوز معدل التحضر ستين في المائة بحلول العام 2020، مما يعني توقع مزيد من التغيرات في المنظومة القيمية و الاجتماعية للساكنة في عموم الأمصار العربية.لكن مقابل هذا التطور التصاعدي في مكونات البيئة الحاضِنة للديمغرافية العربية، ثمة معطيات ضاغِطة على أمن واستقرار هذه الأخيرة [ البيئة]، من قبيل ندرة المياه وشُحِّ مصادرها، حيث لا يستقل العالم العربي سوى بنسبة 47% من المياه في أوطانه، في حين يشترك في 57 % مع غيره من دول الجوار والمنابع، ناهيك عن مخاطر التصحر، وتلوث المياه، وإجهاد مصادرها الجوفية، وبطبيعة الحال لن تكون البلاد العربية في منأى عن التغيرات المناخية التي وسِمت العالم في العقود الأخيرة، والتي بدأـ تظهر نتائجها واضحة على الطبيعة والإنسان. أما التحدي الثاني، فيتعلق بضعف الدولة وعًسر تحولها إلى وعاء حاضِن لأمن الإنسان وسلامته واستقراره. فمما لا يختلف حوله اثنان إخفاق الدولة العربية الحديثة في إدراك مقومات الحكم الرشيد،كما هو متعارف عليها دوليا، وفي جل المُسوحات والاستطلاعات التي أجراها معدو التقرير [2009]، كان نصيب الدول العربية ضعيفاً من حيث مدى قبول المواطنين لها [ الشرعية]، ودرجة التزامها بالعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومن حيث كيفية إدارتها لاحتكار حق استخدام القوة والإكراه، ومدى قدرة الرقابة المتبادلة بين المؤسسات على الحدِّ من إساءة استخدام السلطة. ويرتبط بالتحدي الثاني تهديد ثالث له صلة ب" الأمن الشخصي للمواطنين" في البلاد العربية. فإذا كانت المعوقات البنيوية التي تحول دون قيام الدولة بوظائفها الدستورية والسياسية في توفير شروط " أمن الإنسان" العربي بالوجه الأكمل، فإن ثمة " فئات خارج نطاق التيار المجتمعي الرئيس لا تتمتع بالأمن الشخصي على الإطلاق"، وقد حصرها التقرير في " النساء المُكرهات اللواتي تُساء معاملتهن، وضحايا الاتجار بالبشر، والأطفال المجندين والمهجَّرين داخلياُ واللاّجئين.."، وبإطلالة سريعة على مضامين الفقرات ذات الصلة، تتجلى خطورة استمرار هذا التهديد على مستقبل تماسك المجتمعات العربية. يخُص التهديد الرابع " الأمن الاقتصادي"للدول والمواطنين على حد سواء. فمن المفارقات التي أسَّس عليها التقرير تحليلَه خطورة هذا التهديد، الصورة المٌضلِّلة التي تعطيها الثروة النفطية عن الأوضاع الاقتصادية للبلدان العربية المنتجة لهذه الثروة الطبيعية ومشتقاتها، وقد استند في توضيح هذه المفارقة على المؤشرات المعتمدَة في تقارير التنمية البشرية عموماً، من قبيل " مستويات دخل الفرد وأنماط نموها، خيارات العمل والاستخدام، الفقر، الحماية الاجتماعية". لذلك، وكنتيجة منطقية لتدهور " الأمن الاقتصادي" واستفحال مظاهره الكمية والنوعية، تواجه البلاد العربية تحديداً خامساً ، يتعلق ب" الأمن الغذائي". فإذا كانت بعض البلدان العربية قد ابتعدت عن خط الجوع بسبب إعادة توزيع ريع ثرواتها الطبيعية، وقد وصل بعضها حدَّ التخمة مع ما نجم عن ذلك من مشاكل صحية [ البدانة]، فإن أكثريتها تعاني مما أسماه التقرير " القصور الغذائي" المترتب عن عدم توافر ما يكفي من الأطعمة المتنوعة الضرورية للتوازن الغذائي والصحي. مما ولَّد بدوره تهديداً سادساً يتعلق بتحدي" الأمن الصحي"، حيث غدا متعذراً ضمان الصحة لكل المواطنين، و تفشَّت الأمراض والأوبئة القاتلة في العديد من البلدان، ناهيك عن المخاطر الصحية المستجدَّة[ الإيدز ]. ويُفرد التقرير في الأخير حيزاً مهماً لتحدي" الاحتلال والتدخل العسكري"، وهو التهديد السابع، حيث تعاني دول عربية كثيرة من هذا الواقع والمخاطر الناجمة عن استمراره، وفي صدارتها انعدام " أمن الإنسان" العربي
IIIلم يكن هدف التقرير، كما أوضح معدوه ذلك في أكثر من مقام، رسمَ صورة عن واقع " أمن الإنسان" العربي وتهديداته المتنوعة فحسب، بل كان مقصدُه تقديم معالجات لإعادة بناء هذا الواقع ، سواء من الناحية المعرفية والفكرية، أو على صعيد الخطط والاستراتيجيات العملية. ونميل إلى الظن أن القيمة المضافة لمثل هذه التقارير تُقاس، من جهة ، بالنقاش الذي يمكن أن تتيحه للنخبة وصناع القرار، وتقيَّمُ، من جهة ثانية، بالبدائل والاقتراحات التي تقدمها لإعادة تشكيل واقع جديد ينسخ سابقه ويتجاوز تهديداته. لذلك، انطوى متن التقرير على ما أسماه " الأركان السبعة لأمن الإنسان" العربي، الكفيلة بإعادة تأسيسه على أرضية تسمح له بالتوطُّد وإدراك الفعالية والكفاية والنجاعة. فهكذا، تستوجب عملية إعادة بناء " أمن الإنسان" العربي " "المحافظة على الأرض وصونها ورعايتها، و كذلك على المياه، والهواء، والبيئة التي تقوم عليها حياة شعوب البلدان العربية"، كما تستلزم " ضمان الحقوق والحريات، والفرص الأساسية دون تفرقة ولا تمييز" ، إضافة إلى " اعتراف الدولة والمجتمع بسوء المعاملة والإجحاف اللذين تعانيهما كل يوم الفئات الضعيفة"، مع " التخطيط لتدارك الضعف في الدعائم البنيوية للاقتصاديات العربية التي تعتمد على النفط والتخفيف من فقر الدخل"، و" القضاء على الجوع وسوء التغذية"، ثم " الارتقاء بمستويات الصحة للجميع، باعتبارها حقاًّ من حقوق الإنسان، وواحداً من المستلزمات الأساسية لأمن الإنسان". وتشترط عملية إعادة تأسيس " أمن الإنسان" العربي تحريره من الاحتلال الجاثم على أراضيه، و صون مقومات أمنه الإقليمي من التدخلات الأجنبية..إنها في الحقيقة عناصر عامة وشاملة تحتاج إلى أدوات عملية، أي سياسات عامة لجعلها قابلة للتنفيذ في الواقع، وإلا ستبقى مجرد" ينبغيات " ليس إلا.
IVترومُ الندوةُ فَحصَ متنِ التقرير من منظور نقدي، بغيةَ المساهمة الجادة في النقاش العلمي حول طبيعته، أي مفاهيمُه، منهجية صياغته، مضامينه، خلاصاتُه، ، ورؤيته الإستشرافية. لذلك، تقترح الورقة أن يشكل التقريرُ الوثيقةً الأساس لأشغال المؤتمر [ أبحاثاً، وأوراقاً، ومداخلات]، وأن ينصبَّ العملُ على فصوله ومقاطعه، مما يستتبعُ، بالضرورة، قراءتَه مباشرة في مظانِّه. كما تلتمس من الباحثين المشاركين اقتراحَ عناوين أوراقهم في المحاور ذات الصلة بمتن التقرير، سواء في المحور المفاهيمي والمنهجي [ف.1]، أو الشق الخاص بالبيئة الحاضِنة لأمن الإنسان العربي وأداء الدولة في هذا المجال [ف.2 ـ 3]، أو المحاور المتبقية ذات الصلة بالتحديات [ف.5/8]، دون إغفال مناقشة تصورات مُعدي التقرير لإستراتيجية تحقيق أمن الإنسان العربي ، كما يمكن إضافة عناوينَ أخرى لها صلة بوثيقة التقرير شكلاً ومضموناً.
* "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية: قراءة من خارج النص"، الندوة المغاربية " تقرير التنمية الإنسانية العربية 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية"، مراكش، 11 دجنبر 2010.
[1] صدرت التقارير الأربعة سنوات 2002 ـ 2003 ـ 2004 ـ 2005.
[2] للإطلاع على النسخة كاملة باللغتين العربية والإنجليزية، يمكن زيارة الموقع التالي: www.arab-dhr.org