إذا بات من الثابت منذ مدة أن اللغة (الطبيعية تحديدا) هي الوسيلة الأساس لتمكين الفرد من إدراك العالم والتعبير عنه، وإذا كان من المؤكد أنها مكمن هويته ولسان حال ثقافته في الزمن والمكان، وإذا كان من القائم أنها أداته المثلى في الاتصال والتواصل، فإنه من الثابت أيضا والقائم والمؤكد، أن العديد منها غدت مكمن تحديات جوهرية في العقود الخمسة الأخيرة، جراء تقدم مد الاقتصاد المعلوماتي والمعرفي، وتزايد وتيرة تبادل السلع الرمزية بين الدول والشعوب، وتدافع تيارات المعلومات والبيانات والمعطيات والمعارف، تفترض لغات "اصطناعية" للإمساك بها، أو الإبحار في مواقعها، أو استيعاب مضامينها ومحتوياتها.
وعلى الرغم من غنى اللغة العربية وثرائها (كتابة ونطقا ونحوا وإبداعا لفظيا وثروة لفظية وكثافة في المضمون)، فإنها تعاني اليوم (كمحصلة بالأساس) من أزمة حقيقية، ليس بجانب كونها وسيلة اتصال وتواصل، أو وعاء رموز وتمثلات ومعتقدات، ولكن تحديدا بجانب قصورها البنيوي في إنتاج المعرفة وتوليدها، وترويجها على مستوى بني جلدتها، كما على المستوى العالمي (سيما في ظل تزايد مد العولمة اللغوية)... لدرجة دفعت البعض إلى اعتبار أنها تكاد " تصبح عاهة ثقافية مستديمة".
والسر في ذلك لا يرجع فقط "إلى أسباب داخلية، مرتبطة ببنية هذه اللغة بقدر ما هو راجع لضعف تلمس العلاقة الوثيقة، من لدن النخب المتخذة للقرار بما فيها جزء من المثقفين، بين النمو اللغوي من جهة، وبينه وبين النمو الاقتصادي، وبينه وبين توطين تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وبينه وبين التواجد في فضاء الشبكات المعلوماتية، وأخيرا بين هذا الوجود وبين استمرار العربية كلغة وكحضارة"، في زمن ما يسمى بالعولمة اللغوية.
تختزل المعاهد المختصة (سيما المعهد الصيفي للسانيات بأمريكا) العولمة اللغوية في قدرة لغة دولة ما، على التداول على نطاق واسع، إذا لم يكن النطاق العالمي الشاسع، فعلى الأقل النطاق الإقليمي الأقل ضيقا. وترتكز في ذلك على مجموعة مؤشرات، تبدو لها أنها كافية للقول بأن هذه اللغة أو تلك معولمة أم لا:
+ الأول ويرتبط باللغات التي يتعدى عدد الناطقين بها ال 100 مليون نسمة، فأحصت، وفق ذلك، ثمان لغات هي الصينية والإسبانية والإنجليزية والبنغالية والهندية والبرتغالية والروسية واليابانية... دونما احتساب اللغة العربية، التي ينطقها (نظريا على الأقل) ما يناهز ال 300 مليون، واعتبار الفنلندية والعبرية لغات هامة، على الرغم من أن ناطقيها لا يتعدوا خمسة ملايين بالنسبة للأولى، وأقل من ذلك بالنسبة للثانية (ربما بسبب قوة الدولتين العلمية والتكنولوجية والاقتصادية وغير ذلك).
+ المؤشر الثاني ويتعلق بدرجة سعة الانتشار الجغرافي للغة دولة ما، والذي يضفي عليها طابع العولمة كاللغة الإنجليزية مثلا، والتي تنتشر على رقعة جغرافية تضم 67 دولة، متواجدة بالقارات الخمس، على عكس الصينية أو الروسية التي، وإن كان عدد الناطقين بهما جد مرتفع، فهي محصورة بفضاء جغرافي محدود.
+ المؤشر الثالث ويحيل على استعمال لغة دولة ما كلغة ثانية، وهو ما يزيد حتما من مكانتها ومن قوتها. فاللغة الإنجليزية ليست فقط اللغة الرسمية لما يناهز سبعين دولة، ولكن أيضا لكونها تستعمل من لدن ما يزيد على مليار ونصف مليار نسمة بالعالم.
+ المؤشر الرابع ويتعلق بالوظائف الاجتماعية للغة (بالتجارة أو بالعلم والتكنولوجيا أو بالدين أو بغيرها)، إذ كلما تعددت الوظائف الاجتماعية (والسياسية والاقتصادية أيضا) كلما تكرس تميزها، وتقوى موقعها القانوني على المستوى العالمي أو الجهوي.
وإذا كانت اللغة العربية لغة رسمية كاملة لأكثر من عشرين دولة، فإنها أيضا لغة جزئية لما يزيد عن مليار من المسلمين، ولغة دولية بالعديد من المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية وما سواها.
يبدو إذن (على الأقل بالاحتكام إلى هذه المؤشرات) أن اللغة العربية هي ضمن اللغات المركزية المعتمدة بأكثر من دولة ومنظمة، لكنها مع ذلك ليست لغة معولمة، فما بالك أن تكون لغة العولمة، كما هو الشأن بالنسبة للغة الإنجليزية أو الفرنسية أو ما سواهما.
والسبب في ذلك لا يكمن فقط في محدودية الناطقين بها (أو المستعملين لها)، ولا في انحسار الفضاء الجغرافي الذي تغطيه، أو لضعف ما في بناها وهياكلها، وليس فقط لأنها "غير معتمدة" كلغة للاقتصاد والمال والأعمال وتبادل السلع والخدمات، ولكن أيضا وتحديدا لأنها ليست لغة العلم والتكنولوجيا والشبكات والمعارف والمعلومات، التي تتخذ منها العولمة الحالية المنطلق والمصب. بالتالي فضعف مكانتها هو من ضعفها في هذا الجانب، أولا وبالمحصلة النهائية، أي من ضعف إنتاجيتها على المستوى العالمي.
تقاس إنتاجية لغة ما، بعدد مخرجاتها من منشورات علمية رصينة، وبراءات اختراع، وبنوك معطيات، وعدد المواقع بالإنترنيت، وعدد مزودي الخدمات بها، وعدد البوابات، والعناوين التي تمكن الإبحار بهذه اللغة بالشبكات الافتراضية.
وعلى الرغم من هشاشة وشح البيانات الإحصائية المتعلقة بإنتاجية اللغة العربية (لأسباب متشعبة ومتعددة)، وعلى الرغم من قصور المقاييس إياها لضبط الإنتاجية (من قبيل بوابات عربية باللغات الأجنبية، أو براءات اختراع العلماء العرب بالغرب، أو المنشورات العلمية باللغات غير العربية وغير ذلك)، على الرغم من كل ذلك، فإن ما يتوفر من بيانات يبين بجلاء، ضعف إنتاجية اللغة العربية ضمن ما سواها من اللغات العالمية:
+ فعدد الإصدارات لا يتعدى بالنسبة لكل الدول العربية 6500 عنوان، مقابل 42000 لأمريكا اللاتينية، وأكثر من 100000 لأمريكا الشمالية. بالتالي، فنسبة الإنتاج الفكري العربي لا تتعدى ال 1 بالمائة من الإنتاج العالمي.
+ واللغة الإنجليزية لا تحتل فقط المرتبة الأولى على مستوى المنشورات العلمية والتقنية، بل وكذلك على مستوى قواعد المعطيات ومزودي الإنترنيت وعدد صفحات الويب، بما يتجاوز نسبة ال 80 بالمائة. في الوقت الذي تحتل فيه اللغة الفرنسية المرتبة الثانية، فيما يخص الإنتاج العلمي والتقني، والمكانة الثالثة على مستوى صفحات الويب، والرابعة فيما يتعلق بمزودي الخدمات. أما اللغة الإسبانية فتحتل المرتبة الرابعة، من حيث الإنتاج العلمي والتقني، وكذلك على مستوى إنتاج قواعد المعلومات... وهكذا دواليك بالنسبة لباقي اللغات الأخرى، المبينة بالجدول السابق.
+ أما مكانة اللغة العربية فهي متدنية جدا، ليس فقط على مستوى الإنتاج العلمي والتقني (لا تتجاوز النسبة ال 1.1 بالمائة)، ولكن أيضا على مستوى إنتاج صفحات الويب (1.6 بالمائة) وعدد مستعملي شبكة الإنترنيت (15 مليون بداية العام 2004 بنسبة 5.26 بالمائة من ساكنته) وعدد المواقع المصاغة باللغة العربية، والتي لا تعدو في غالبيتها سوى اجتهادات أفراد، وفي إطار عمل غير ممأسس.
لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى جانب نسب المقروئية للإنتاجات المعرفية المتواجدة بالشبكة، إذ النسب إياها تبقى رهينة إتقان اللغات الكبرى، المستعملة بالإنترينت (الإنجليزية تحديدا) في واقع تسوده الأمية الأبجدية والمعلوماتية.. وهو ما يعني أن بلوغ معارف ومعلومات الشبكة لا يدركه إلا نفر قليل من العرب، خالقين بذلك طبقتين جديدتين: طبقة "العارفين باللغات الحية" وبالتالي المستفيدين، وطبقة "غير العارفين بها"، والذين هم بالتالي عرضة للإقصاء والتهميش المعرفي.
* "هل اللغة العربية لغة معرفة وتكنولوجيا؟ "، 13 شتنبر 2010. التجديد العربي، 10 نونبر 2010. موقع الفلسفة، 11 نونبر 2010.