قد يبدو للوهلة الأولى أن اعتماد " معيار الإنترنيت" هو معيار غير كاف، للتدليل على موقع ومكانة لغة يتحدثها ما يناهز 300 مليون من سكان العالم، ينتجون بها ما يتيسر لهم من إنتاج، ويتواصلون بها كتابة وصورة وصوتا ويعتبرونها، فضلا عن كل هذا وذاك، لغة كتابهم المنزل، ورمز حضارتهم لقرون عديدة خلت وبالزمن الحاضر.
قد يبدو المعيار إياه مقصرا بهذا الجانب، لكنه يشي بما لا يدع مجالا للشك، بمكانة اللغة العربية ضمن ما سواها من لغات العالم، على مستوى ارتباط الدول العربية بشبكة الإنترنيت من خلالها، كما من خلال مقاييس أخرى، لا تقل عن الارتباط دلالة ورمزية.
وعلى هذا الأساس، فإنه بالاحتكام إلى العديد من المقاييس المعتمدة بهذا المجال، يبدو أن المنطقة العربية (دولا ولغة) هي أبعد ما تكون فاعلة أو متفاعلة مع الشبكة إياها:
+ فالبنية التحتية (التي تعتبر الرافعة الأساس لشبكة الإنترنيت) متدنية للغاية، لدرجة تجعل سبل الارتباط بالشبكة (فما بالك بالإبحار فيها) أمرا شبه مستحيل على الأفراد، كما على المؤسسات سواء بسواء.
فمن عدد الخطوط الهاتفية (القار منها كما الجوال) المرصودة بالعالم ما بين العام 1975 و 1995 لم تنتقل النسبة إلا من 0.01 إلى 0.3 بالمائة، بالنسبة للخطوط القارة ومن 0.01 إلى 10 بالمائة بالنسبة للخطوط النقالة. وهي نسب جد متدنية بالقياس إلى باقي الدول والمجموعات الأخرى (60 بالمائة لأمريكا، 40 بالمائة لأوسيانيا و 34 بالمائة بالنسبة للاتحاد الأوروبي).
صحيح أن مرأب الهواتف الجوالة بلغ أرقاما قياسية بالمنطقة العربية طيلة العقد الأخير، لكن وظيفة الهواتف إياها تبقى مرتبطة بالتواصل الشفوي الصرف، ولا يتم ولوج الشبكة بها إلا بنسب ضعيفة للغاية. هي بالتالي شبكة اتصال وتواصل عادية، ولا تحيل على شبكات المعرفة التي يعتبر الهاتف القار رافعتها وأداتها بامتياز (لحد الساعة على الأقل).
+ وعدد مستخدمي شبكة الإنترنيت من العرب منخفض جدا، إذ قياسا إلى ال 170 مليون مستخدم بالولايات المتحدة (إحصاءات العام 2000) أو ال 115 مليون بأوروبا، فإن الدول العربية لم تبلغ إلا بالكاد، المليوني مستخدم.
صحيح أيضا أن مستوى الارتباط بالشبكة قد زاد منذ بداية الألفية بالعديد من الدول العربية، إلا أن طبيعة الاستخدام تبقى مقتصرة على المراسلات الألكترونية، والدردشة بمقاهي الإنترنيت، لتبقى الشبكة أداة اتصال وتواصل وتعارف بالأساس، وليس أداة للمعرفة والبحث العلمي، وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية بين النخب العربية وما سوى ذلك.
+ وعدد الخدومات (وهي القلب المحرك لشبكة الإنترنيت) لا يتجاوز لكل الدول العربية بضعة آلاف، في الوقت الذي تحصى فيه هذه الخدومات بالملايين، بجهات أخرى من العالم، سيما بالعالم المتقدم.
بهذه النقطة أيضا، يبدو أن عدد الخدومات قد ازداد طيلة العشرية الأخيرة، لكنها تبقى في غالبها محصورة بقطاعات محددة، ولم يتم تصميم التطبيقي منها إلا بنسب ضئيلة، فيما تبقى النسبة الكبرى حكرا على الشركات المتعددة الجنسيات.
+ وعدد مزودي خدمات الإنترنيت (وهم عارضو سبل الارتباط) لا يتجاوز بالدول العربية مجتمعة بعض مئات، معظمهم حكوميون، خاضعون للوائح وتشريعات وإجراءات إدارية معقدة وطويلة.
+ واللغة العربية لا تظهر بجل الإحصاءات الرسمية الدولية، إلا ضمن نافذة "لغات أخرى"، ولا تتعدى نسبة حضورها بشبكة الإنترنيت ال 2 إلى 5 بالمائة، ضمن اللغات المتواجدة بالشبكة.
وعلى الرغم من التحسن النسبي بالسنين الأخيرة لوضع اللغة العربية ضمن لغات الإنترنيت الكبرى، فإن عدد المستخدمين لا يتناسب حقا وعدد سكان الوطن العربي.
+ وعدد المواقع العربية المتواجدة بالشبكة ضعيف جدا ليس فقط جراء تدني عدد مزودي الارتباط، ولكن أيضا نتيجة السياسات التكنولوجية التي لم تراهن على الإنترنيت كثيرا، أو مارست عليه شتى ضروب الرقابة والحصار.
لا يبدو الأمر هنا (على الأقل بناء على ما سبق من معطيات) مجرد انعكاس طبيعي لحداثة ارتباط البلدان العربية بشبكة الإنترنيت، من شأنه تبرير ذات التدني، ثم تسويغ ذات المرتبة ضمن دول العالم وتفسير ضعف تواجد اللغة العربية بها، بقدر ما يبدو لنا ترجمة لواقع حال قائم ومزمن، يعبر عنه بجلاء واقع البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، الذي يجد بشبكة الإنترنيت التمظهر والتجلي يوما عن يوم.
* "العربية بشبكة الإنترنيت"، 30 غشت 2010.