Aller au contenu principal

"هل انحسر مد المقاومة بالعراق؟"

news-details

تختلح صدور البعض، بداخل العراق المحتل كما بخارجه، نوبات من الانتشاء الجارف، على خلفية من القول بأن الوضع آل بالنهاية للاستقرار، وأن حالات العنف و"الإرهاب" قد تراجع منسوبها، وأن الأمور باتت، على عكس الخمس سنوات الماضية، "تحت السيطرة"، إذا لم يكن بكل أطراف البلاد، فعلى الأقل في غالبية جهاتها ومحافظاتها.

يستدل هؤلاء، دونما مواربة كبرى، على ذات الحال بالزعم بأن ظهر القاعدة قد قضم، بالملاحقة الميدانية على الأرض، من لدن القوات الأمريكية، كما من لدن "الجيش العراقي"، كما من لدن قوات الصحوة، التي نجحت بنظرهم في ترصد ومطاردة التنظيم إياه، وتحييد مفعوله بالتشديد على الحدود، وبسياسة "تنظيف المحافظات الخارجة عن القانون"، بالاستهداف العسكري المنظم.

ويستدلون على ذلك أيضا، بواقع تقدم العملية السياسية، واصطفاف الكل حول "مشروع العراق الجديد"، وتراجع الاحتكام إلى القوة لفض الاحتقانات، والوقوف بوجه الميليشيات التي ترفع لواء القتل، أو تبالغ في المزايدات السياسية، كما الحال مع تيار الصدر.

ويستدلون، فضلا عن ذلك، بالقول بأن الحكومة ماضية في مخططاتها "لتطبيع الوضع"، من خلال الإعداد لاتفاقية أمنية طويلة الأمد، ستنسحب القوات الأجنبية بمقتضاها، وفتح مجال النفط لاستثمار الشركات العالمية، واقتراب اعتماد نظام الفيديرالية، كحل وسط بين الدولة المركزية المطعون في تاريخها، وبين التقسيم المرفوض من غالبية أبناء العراق.

بمحصلة كل ذلك، يخلص الدافعون بذات الادعاء (حكومة وقوات احتلال وبعض شيوخ العشائر وغيرهم) إلى أنه لم يعد ثمة من موجب للمقاومة، بل ولا حاجة إليها بنظرهم، مادام المحتل قد بات قاب قوسين أو أدنى من الرحيل، إذا لم يكن تحت إكراه الشارع هناك بأمريكا، فعلى الأقل بمنطوق قرارات مجلس الأمن المطبقة على العراق.

لربما قد يكون مظهر تطور الأمور بالعراق يوحي بأن ثمة حقا تقدما على هذه المستويات، ويوحي أيضا بأن المقاومة قد حوصرت وانحسر مداها، لا بل باتت ضمن مضمار الإرهاب، الذي يطاول العديد من دول العالم، المستقل منها كما المستصدر الاستقلال والسيادة.

ليس صحيحا بالمرة أن مد المقاومة بالعراق قد تراجع، ولا منسوب عملياتها قد تقلص، ولا قدرتها على الفعل قد انكسرت، حتى وإن كان التضييق عليها اشتد وتضاعف:

+ فالمقاومة العراقية، كأية مقاومة بالعالم، تشتغل وفق منطق حرب العصابات، توظف عامل الزمن بدهاء، لكنها لا تدعه يستنزفها بمواجهة مباشرة، تعلم جيدا أنها لا تناسب استراتيجيتها، أو تتماشى مع طبيعة أسلوب الكر والفر، الذي انتهجته منذ الأسبوع الأول لدخول قوات الاحتلال الأنجلو/أمريكي العراق، ثم بغداد.

وعلى أساس ذات الخلفية، فإن المقاومة لم تقتصر بضرباتها على استهداف المنطقة الخضراء بانتظام، بل حرمت على مواكب الاحتلال وحكومة الاحتلال، الانتقال بالعربات أو التجوال بداخل المدن والتجمعات، أو الإعلان على زيارات بتواريخ مسبقة، وبترتيبات موضوعة من قبل.

والدليل على ذلك، أنه نادرا ما يزور مسؤول أمريكي العراق بإعلان مسبق، بل يأتي خفية، "بطريقة مفاجئة"، وغالبا ما يخرج نفر من المنطقة الخضراء إلا وهو محاط بجيش من الحرس، ومواكب المصاحبة، وبكثير من التمويه في الغالب الأعم.

+ والمقاومة العراقية باتت، منذ مدة، مكمن حصار إعلامي متعمد، يتغيأ التعتيم على عملياتها، وإخفاء إنجازاتها، والامتناع عن بث بياناتها، أو ما تتمكن من تسجيله وتصويره لعملياتها.

لا يقتصر الأمر بهذا الجانب، على الإعلام الأمريكي المتمترس قلبا وقالبا خلف الخطاب الخطاب الرسمي والمؤسسة العسكرية، بل ويتعداه ليطاول الإعلام العربي، حيث يحرم استخدام عبارة "المقاومة" في العديد من نشرات ذات الإعلام، وصفحات جرائده.

ولما كان "غير المصور غير موجود"، بمنطوق مأثورات نظريات الإعلام والصورة، فإنه من البديهي أن تبدو المقاومة العراقية كما لو أنها غير موجودة، غير فاعلة، ومدها قد انحسر بالزمن والمكان.

+ والمقاومة العراقية، فضلا عن كل ذلك، لا تتغيأ كثيرا موسطة فعلها، بل تتجنبه في أحايين عديدة، مخافة الانكشاف، أو خشية الوشاية الاستخباراتية، أو تحت ذريعة "الفعل بعيدا عن الأضواء".

وعلى هذا الأساس، فإننا نستطيع القول لدرجة الجزم، بأن المقاومة العراقية كائنة وقائمة ومستمرة، وهذا قدر كل المقاومات، ولولاها لما كان للأمريكان أن يدفعوا بوثيقة "الاتفاقية الأمنية"، لضمان بقائهم بطريقة غير مباشرة، ولما كان لحكومة الاحتلال أن تركن إليها، مخافة كنسها إن تسنى للأمريكان أن ينسحبوا بمنطوق قرارات مجلس الأمن، أو تحت إكراه من هنا أو هناك.

وعلى ذات الأساس أيضا، فإنه بإمكاننا القول بأنه حتى لو اشتد الضغط على المقاومة العراقية، وتحالف للقضاء عليها الأغيار وأبناء الجلدة، وتم التعتيم على إنجازاتها، والتبرم عن تمرير خطاباتها وبياناتها، فإنها على الرغم من ذلك، غير آبهة ولا مكترثة. إنها تفعل وتتغيأ فعلا مشروعا، لا تبحث من خلاله أو عبره على جزاء ولا على شكور، لا من لدننا ولا من لدن غيرنا. إنها تقول للأمريكان: سنقاومكم حتى آخر مارينز، وسنضرب حتى آخر عميل لكم، وبيني وبينكم الزمن والتاريخ... أيها الهمج الأمريكان.

* "هل انحسر مد المقاومة بالعراق؟"، التجديد العربي، 1 يوليوز 2008. شبكة الرافدين، 1 يوليوز 2008. التحالف الوطني العراقي، 2 يوليوز 2008. صوت العروبة، 15 يوليوز 2008.

Vous pouvez partager ce contenu