Aller au contenu principal

العراق القائم والقادم: مقالات عن العراق المحتل

تقديم عوني القلمجي، كاتب وسياسي من العراق

قرأت باهتمام وشغف واستمتاع هذا الكتاب للمؤلف الصديق يحيى اليحياوي. وقد وجدته في نهاية المطاف، بأنه ليس مجرد مجموعة مقالات كتبت بعد احتلال العراق، وإنما يعد وثيقة هامة جديرة بالاهتمام، كون الكتاب مس أهم المفاصل والمحطات لمخطط الاحتلال الأمريكي، ولأهدافه القريبة والبعيدة، وانطوى الكثير منه على عمق في الرؤية والتحليل،  المدعمة أحيانا بالأحداث والوقائع العنيدة. كما نجح المؤلف بالمقابل، من إبراز دور المقاومة العراقية، بوضع اليد على مكامن قوتها وقدرتها على تحقيق الانتصار، وتحرير العراق من رجس الاحتلال.

وفي المحصلة النهائية، فالكتاب يدخل ضمن الشهادات المهمة التي تفيد الجيل الحالي،، وتفيد أكثر الأجيال المقبلة، عراقية كانت أم عربية. فالتاريخ، بعد نهاية أي حدث كبير مثل احتلال العراق، الذي هز العالم، وافرز مقاومة عراقية فريدة ومتميزة عن مقاومات العالم عبر العصور المختلفة، من حيث سرعة ظهورها، واتساع حجمها، والمدى الواسع للتأييد الشعبي لها، وحجم عملياتها العسكرية كما ونوعا، سيتعرض هذا التاريخ حتما للتشويه، وقلب الحقائق من قبل المحتل بعد هزيمته، ولابد من التصدي له كما فعل المؤلف في هذا الجهد الكبير، كي يرفد بقية الشهادات النزيهة التي يمكن للباحث في المستقبل، الاستناد إليها إذا أراد البحث عن الحقيقة.

وكان من بين أهم الإضاءات التي تضمنها هذا الكتاب، هو تعرية المؤلف لكل التبريرات والذرائع التي استند إليها المحتل، في ارتكابه جريمة الاحتلال بشكل كامل. واعتبر المؤلف عن حق أن هذه الذرائع والتبريرات، هي جزء من مخطط أمريكي صهيوني لاحتلال العراق،  تم الإعداد له من قبل، وجاءت الوقائع لتثبت صحة ما ذهب إليه يحيى اليحياوي بعد أن اتضح زيفها وبطلانها، خاصة فيما يتعلق بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، أو علاقة الرئيس العراقي الشهيد صدام حسبن بتنظيم القاعدة،، أو كون العراق يشكل خطرا على جيرانه، ودول المنطقة أو دول العالم.

وثاني هذه الإضاءات، هي مساهمة المؤلف مساهمة فعالة، في كشف زيف الوعود التي تغنى بها المحتل، في إقامة الديمقراطية في العراق، ليكون واحة تشع منها هذه الديمقراطية، لتشمل عموم المنطقة. وضرب مثلا من واقع هذه الديمقراطية المزيفة، حين أوضح بان الأساس الذي استندت إليه، تم استحضارها من خلفيات عرقية وطائفية ودينية وغيرها. وهذه، كما جاء في الكتاب، معاكسة تماما لبناء أي نظام ديمقراطي في أي دولة من دول العالم، كونها تفرز بالضرورة مشهدا سياسيا، من أهم مقوماته الاصطفاف المذهبي والطائفي والعرقي، مهما اتخذ من أشكال ولبوس.

ليس هذا فحسب، وإنما فضح الكتاب سياسة أمريكا العدوانية ضد شعوب العالم، وخاصة تلك التي تضمنها المخطط السيئ الذكر، والتي اعتمدت في جزء منها على نظرية الفوضى الخلاقة، شارحا أبعادها الخطيرة على شعوب العالم، ومنبها إلى دورها في عملية تدمير العراق، التي قوضت سبل النهوض من بين ظهرانيه، ووزعته إلى طوائف ومذاهب وأحزاب، لكي تتناحر وتتقاتل فيما بينها، تماما مثلما تحاول أمريكا، وتحت غطاء هذه النظرية، استنفاد الاحتراب بين الأطياف والتيارات اللبنانية، وإثارة الحساسيات بين السودانيين باسم حق تقرير المصير "لشعب درا فور"، وكذلك تحريض المصريين بعضهم على بعض، تحت ذريعة اضطهاد المسلمين للأقباط،، ليصل المؤلف إلى نتيجة صحيحة، وهي أن المحتل عبر عصور التاريخ المختلفة، لم يجلب معه سوى الدمار والخراب، ليتمكن من تحقيق أهدافه الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

وثالثها، أن المؤلف ركز ووضح بان احتلال العراق ليس سوى حلقة مركزية في مخطط الولايات المتحدة الأمريكية، للسيطرة على العالم، والتحكم بمقدرات شعوبه، بدءا بإقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير، من خلال تفكيك وإعادة بنائه من جديد، بما يضمن المصالح الحيوية للولايات المتحدة، ويحقق امن وسلامة الكيان الصهيوني، وتمكينه من تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تصفية كاملة، مرورا بمحاصرة أوروبا، ووضعها تحت السيطرة الأمريكية، وانتهاء بفرض القيادة المنفردة على العالم، وبناء الأمبراطورية الكونية التي ينتهي التاريخ عند أبوابها، ويصبح القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا بامتياز.

ولم ينس اليحياوي دور الأنظمة العربية العميلة في مساندة هذا المخطط، وخص بالذكر إمارة الكويت والسعودية وقطر والإمارات ومصر، التي فتحت أراضيها وكمراتها للجيش الأمريكي ولطائراته، ومن ثم مساندتها للاحتلال، وتكريسه ومنعه من السقوط على يد المقاومة العراقية الباسلة.

ورابع هذه الاضاءات، شرح اليحياوي دور إيران في مساندة الاحتلال الأمريكي، وتقديمها إياه لكل أشكال الدعم. وتحدث بالوقائع، عن أطماعها التوسعية في العراق، وكيف مدت نفوذها في جنوب العراق، تمهيدا لضمه إليها، عبر مطالبة الأحزاب التابعة لها، تحت ذريعة إقامة الفدرالية في العراق. واعتبر الضجة التي أثيرت حول الملف النووي الإيراني من قبل أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الأنظمة العربية العميلة، ليست سوى ذر الرماد في العيون، بسبب تطابق الأهداف الإيرانية مع الأهداف الأمريكية والصهيونية، فيما يخص العراق على وجه الخصوص.

وتحدث كذلك عن دور الكيان الصهيوني في احتلال العراق، وعن نفوذه الذي امتد داخل العراق، تحت سمع وبصر الاحتلال والحكومات العميلة التي نصبها. واعتبر هذا النفوذ جزءا من مخطط صهيوني قديم. فليس مصادفة والحالة هذه، أن يصبح الكيان الصهيوني عنصرا فاعلا وفعالا في المعادلة العراقية، حتى غدا حاضرا في مجال الاقتصاد، من خلال شركاته المباشرة، ولاعبا مهما في محاولة إحداث انشطار طائفي وعرقي، وسعيه الدءوب، بالتعاون مع حلفائه الأكراد المتطلعين للاستقلال، لوضع الأسس والكيفية لإعلان الانفصال عن الدولة المركزية، عندما تسنح الظروف، ويأتي السياق المناسب. كما أشار الكاتب إلى دور أجهزة مخابرات الكيان الصهيوني في دواوين الوزارات بشكل مباشر وغير مباشر، ناهيك عن دورها في قتل العلماء والكفاءات العراقية، وحل الجيش العراقي الذي يعتبره هذا الكيان، الخطر الأكبر على أمنه وسلامته.

وخامسها، تعرضه لدور الإعلام الأمريكي والإعلام التابع للأنظمة العربية، ومن قبل الأقلام المأجورة، ومساندته للاحتلال وتبرير أعماله الوحشية، وتأثير هذا الإعلام، في المقابل، على المعركة الجارية بين قوى المقاومة العراقية وقوات الاحتلال.

كما تعرض إلى دور العديد من الفضائيات العربية، التي خدمت بهذا الشكل أو ذاك، المحتل وأهدافه،  تحت ذريعة الرأي والرأي الآخر.  وتحدث عن تزامن حروب أمريكا الكبرى، سيما بأفغانستان والعراق، وسياساتها في "القضاء على الإرهاب"، مع طفرة في الإعلام والاتصال ندر مثيلا لها بالتاريخ، حتى غدت كما لو أنها مطالبة ب " كسب الحرب على الإرهاب" من على ساحات القتال، كما من على المنابر والصحف والشبكات الألكترونية وما سواها، خصوصا إذا كانت هذه الأخيرة عنصر " تشويش"، أو عامل " ممانعة"، أو " دخيلا" لا يعرف دقة الحسابات القائمة والقادمة.

والإضاءة السادسة، مست بشكل مباشر وصريح وواضح، دور حكومة المنطقة الخضراء، كونها حكومة عميلة للاحتلال، لا هم لها سوى خدمة مخططاته، والحصول على المغانم، وسرقة المال العام، وإقرارها قانون النفط الذي باع العراق إلى المحتل بالمفرد والجملة، ودورها الخطير أيضا في تقسيم العراق إلى دويلات وطوائف، بل وتمزيقه قطعا متناثرة، من خلال إقرارها لدستور بريمر، الذي وضع الأسس لهذه الجريمة الشنعاء، تحت شعار الفدرالية أو نظام الأقاليم. وتعرض بالخصوص إلى دور الحزبيين الكرديين، بزعامة جلال الطالباني ومسعود البرزاني، في الإسراع بإقرار التقسيم، بعد وضع كلاهما أسس دويلة كردية متداعية.

وآخر هذه الاضاءات وليس آخرها، فان اليحياوي فضح مكابرة العرب في عدم الاعتراف بالمقاومة العراقية، خدمة للأمريكيين ومشروع الاحتلال، وسفه مؤتمراتهم وجامعتهم العربية، وأدان تغافلهم عن سابق إصرار وتعمد لجريمة الاحتلال، وما جري ويجري في العراق من دمار وخراب.

لقد اثبت يحيى اليحياوي، بعمله الرائع هذا، انتماءه القومي، وهو يعيش في أقصى بلدان المغرب من الوطن العربي الكبير. ويؤكد بان العراق أو إي قطر عربي آخر، هو جزء من هذه الأمة العربية المجيدة، وان المسؤولية تجاهه تكون مسؤولية عربية، مثلما هو الدفاع عنه واجب وطني وقومي ملزم.

ومن هذا المنطلق، فقد تابع المؤلف ما جرى في العراق بدقة وعناية فائقة، وحلل وفسر وشارك وساهم في وضع الحلول لدحر الاحتلال. وفي هذا المجال، فقد وقف بكل قوته، إلى جانب المقاومة العراقية، وذاد عنها بقلمه، وشارك في جميع النشاطات والفعاليات التي ساندت المقاومة العراقية، ورفع الأذى عنها، في كل كتاباته، من كل الشوائب التي حاول المحتل أن يلصقها بها، وتفنيد الاتهامات ضدها، ومنها وصفها بالإرهاب، أو اعتبارها مقاومة محصورة بجهة معينة، أو خاصة بمذهب أو طائفة، أو محصورة في منطقة واحدة، أو أنها مقاومة مستوردة. كما اثبت بان هذه المقاومة عراقية ومشروعة، كونها تقاتل من اجل تحرير العراق من رجس الاحتلال، مثلها مثل أي مقاومة في أي بلد تعرض للاحتلال عبر عصور التاريخ المختلفة.  وأكد على حتمية انتصار المقاومة، من خلال سرده للوقائع والأدلة، سواء على مستوى اعتراف الأمريكيين وعلى رأسهم بوش بان الوضع في العراق بات شبيها بوضع فيتنام، أو على مستوى الخبراء العسكريين الذي أكدوا في نهاية المطاف، على خسارة أمريكا للحرب في العراق، ليخرج بنتيجة صحيحة بان بغداد لم تسقط، وأنها تقاوم بشراسة، وستنتصر المقاومة عاجلا أم آجلا.

نعم إن أهمية ما قاله الكاتب في هذا المجال، لا تأتي من كونها صيغت بقلم من المغرب العربي، البعيد جغرافيا عن مكمن الحدث، ولكن أيضا من كون صاحبها اكتوى نفسيا بنار جريمة الاحتلال وطاوله الضيم في أقصى صوره، لما جرى ويجري لبلد عربي، دمرت مقوماته المادية، ومعالمه الحضارية، وطاول الموت والتهجير الآلاف من أبنائه، ولا تزال ماكينة القتل والتهجير تدور دون هوادة.

بقي أن كل ما أتمناه أن يكون هذا الكتاب وهذا الجهد، دافعا لكل الأقلام الشريفة، لتمارس دورها بالكلمة الصادقة والنزيهة في عملية تحرير العراق، لما للإعلام من دور هام في هذه المعركة، وكل المعارك اللاحقة.

* "العراق القائم والقادم: مقالات عن العراق المحتل" ليحيى اليحياوي"، شبكة الرافدين، 2 فبراير 2008. جريدة التجديد، الرباط، 4 فبراير 2008. التجديد العربي، 4 فبراير 2008. جريدة المساء، 5 فبراير 2008. القدس العربي، 6 فبراير 2008. المشعل، العدد 153، 7-13 فبراير 2008. جريدة العدالة والتنمية، 6-7 فبراير 2008. المغربية، 8 فبراير 2008. جريدة الأيام، العدد 315، 09-15 فبراير 2008. جريدة التجديد الورقية، الرباط، 13 فبراير 2008.

Vous pouvez partager ce contenu