Aller au contenu principal

"هل دخل العرب عصر المعلومات والمعرفة؟"

المجلة: مع انتشار وسائط الاتصال في الحقبة الأخيرة، هل دخل العالم العربي عصر مجتمع المعرفة والمعلومات؟

يحيى اليحياوي: لو كانت العبرة بالخطاب الرائج لكان الجواب بالإيجاب، إذ كل الدول العربية تدعي أنها توجه اقتصاداتها بجهة بناء مجتمعات معلومات وإعلام واتصال بدليل (يقول ذات الخطاب) نسبة المتوفرين على هوائيات الاستقبال الفضائي أو نسبة المشتركين بالهاتف الثابت والنقال وإلى حد ما نسب الارتباط بالإنترنيت وأعداد الجرائد المتداولة وقوانين الحريات العامة (والصحافة تحديدا) المعتمدة من لدن هذه الدولة أو تلك.

لو صرفنا الطرف عن الخطاب الرسمي ودققنا في المعطيات يتبين أن العالم العربي هو أبعد ما يكون عن عصر المعرفة والمعلومات على الأقل لثلاثة أسباب جوهرية:

+ الأول أن هذا المجتمع (على الأقل كما يشيد بالغرب) هو نتاج صيرورة اجتماعية وثقافية وإفراز لتحولات كبرى انتقلت منها الدول الغربية من مجتمعات زراعية ثم صناعية ثم خدماتية وهي الآن تتوجه بجهة بناء مجتمعات الإعلام والاتصال والمعلومات بحكم أن هذه الأخيرة أضحت العنصر المحرك لإنتاج الثروات المادية واللامادية واستنبات فرص الشغل بعدما انحسرت هذه الأخيرة بالقطاعات التقليدية. كيف القول بذلك بالنسبة للدول العربية ومعظمها لا يزال يعيش عصورا حجرية وفي أحسن الأحوال زراعية ووسائط الاتصال من بين ظهرانيه غائبة أو لنقل تواضعا ظاهرة عرضية لا يستطيع تمثلها؟ هل من الموضوعي الحديث بصيغة "مجتمع الإعلام والمعرفة" والعديد من الدول العربية لم توفر بعد لمواطنيها سبل الإضاءة العصرية والماء الشروب ناهيك عن الطرق والمطارات وما سواها؟

+ السبب الثاني: لو سلم المرء ببعض مظاهر "الطفرة" على هذا المستوى سيما فيما يخص الهاتف الخليوي أو الفضائيات وإلى حد ما الإنترنيت، فإن ذلك يدخل في باب ما أسميه "الانبهار التكنولوجي" ولا يعبر عن حاجات مجتمعاتية حقيقية. العبرة هنا بالاستخدام وطبيعة التوظيف، إذ امتلاك دولة لسلسلة من الفضائيات أو ارتباط هذا البلد أو ذاك بشبكة الإنترنيت هو إلى المظهر منه أكثر ما هو مسألة جوهر. ولك أن تلاحظ استخدامات الهاتف النقال أو مضامين الفضائيات (ناهيك عن طبيعتها) ونسبة ما نحن موجودون به بالإنترنيت ناهيك عن الاستخدام الترفيهي الخالص له. الدول العربية اقتنت الأعتدة والشبكات والتقنيات وغاب عنها أن عنصر المضماين والمحتويات هو الرهان الأكبر.

+ السبب الثالث: بالجانب المؤسساتي والتشريعي ليس هناك ما يوحي بأن العالم العربي يتجه بجهة بناء مجتمعات الإعلام والاتصال بدليل غياب المنظومات القانونية الضامنة للحق في  الإعلام والاتصال أو القوانين المحيلة على حرية البلوغ والنفاذ إلى المعلومات.

نحن مجتمعات لا تعير كبير اعتبار للمعلومة ولا قيمة تذكر للمعرفة من بين ظهرانيها. نحن نهين المعرفة ونهين أكثر من يجهد للحصول عليها وتوسيع نطاق رواجها بين الأفراد والجماعات...كيف يستقيم الكلام إذن عن مجتمعات الإعلام والمعلومات والاتصال.

المجلة: هل يؤثر هذا على الأوضاع السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وهل هناك علاقة ما بين الاتصال والديموقراطية؟

يحيى اليحياوي: المعلومة والمعرفة مصدر سلطة لمالكها والتحكم فيها من لدن هذه الجهة أو تلك يعطيها امتياز السبق سواء بمجال المنافسة الاقتصادية أو التباري السياسي ويعطيها (سيما في حالة الحكومات العربية) ناصية تطويع الجماهير أو تضليلها أوالتحايل على اختياراتها وقس على ذلك. حتى بالعلاقات الدولية، لم تعد قوة الجيوش الخشنة هي مكمن المراهنة، بقدر ما أضحت متمركزة حول القوة الناعمة المكونة من تقنيات العلاقات العامة والإعلام والمراكز الثقافية والبعثات التبشيرية وهكذا.

إشكالية العلاقة بين الإعلام والاتصال والديموقراطية معقدة ومتعددة المشارب والمداخل (وجدلية العلاقة الإيجابية بين طرفي المعادلة ثابتة وقائمة)، لكن دعني أقول هنا إنه مجرد تحكم الدول العربية في وسائل الإعلام والرقابة على الصحافة وتسيد القوانين السالبة للحريات (المضيقة على الإعلاميين)... مجرد هذا يعطيك فكرة عن طبيعة علاقة الإعلام والاتصال (مهنا وممارسين) بالنظم الحاكمة في معظم الدول العربية.

معنى هذا أن البنية الذهنية لحكامنا (وجزء كبير من نخبنا المثقفة) لا تزال تعيد إنتاج نفس المنظومة المنبنية على الانتقال العمودي للمعلومات والشعب بموجبها مجرد متلقي لها تماما كما كان يفعل غوبلز أيام ما كان يعرف بالتضليل الإعلامي النازي.

ومعناه أيضا أننا بتنا نعرف عن بلداننا عبر القنوات الأجنبية (أو بالإنترنيت) أكثر ما نعرف عنها عبر وسائل إعلامنا ولا عبر بعض من المواقع الافتراضية البئيسة التي تقيمها هذه المؤسسة والوزارة أو تلك. بالتالي، فأنا لدي قناعة بأن ما يروج له بأنه توجه بجهة الاندماج في مجتمعات المعلومات والإعلام والاتصال الناشئة إنما هو إيهام ليس إلا تماما كتباشير الإصلاح المكرورة من بين ظهراني العديد من الشعوب العربية والتي  لا تخرج في حقيقتها عن منطق الإيهام بالإصلاح.

المجلة: الملاحظ أن وتيرة انتشار وسائط الاتصال تسير بسرعة، فيما تبقى معدلات الأمية عالية في الدول العربية وبشكل شبه مستقر. كيف ترى إمكانات اندماج العرب في مجتمع الإعلام في ظل هذا الوضع؟

يحيى اليحياوي: أخطر ما في الأمية تحولها إلى منظومة حكامة. فلو كانت لدينا أمية بنسبة 5 أو 10 بالمائة (عوض متوسط ال 50 الحالية) لما كان لنا قطعا نفس البرلمانات ولا نفس الوزراء ولا نفس المحافظين بالمناطق وهكذا. سيحترموننا بالتأكيد ويحترموا أصواتنا بالانتخاب ولن يتجرأوا على مساومة أصواتنا بالمال وسيعمدون للقبول بمبدأ المحاسبة بنهاية كل دورة برلمانية وقس على ذلك.

بالمقابل، فمحاربة الأمية اليوم لم تعد مقتصرة على ما هو أبجدي، بقدر ما أضحت الأمية معلوماتية ومعرفية ومنظومية ومرتبطة بطريقة ومنهجية التعلم المستمر لا التعلم بحد ذاته محكوم بزمن محدد ما يفضي في الغالب الأعم الى الحصول على شهادة  ما. الأمية وحدة مفاهيمية متحركة، وعلى أساس ذلك فمحاربتها جذريا تكمن في تعلم كيفية التعلم وتحديدا كيفية التعلم المحيل على المعرفة الناجعة والمفيدة وذات القيمة الإضافية الجديدة، إذ ليس ثمة معرفة من أجل المعرفة والإلمام بسبل الحصول على هذه الأخيرة (بملايير الوثائق مثلا بالإنترنيت) هو الأهم من المعرفة ذاتها أو يكاد.

أزعم بالمحصلة أن المدخل الأولي في بناء هذه المجتمعات إنما تثوير (أقول تثوير وليس إصلاح) المنظومة التربوية والتعليمية العربية من الداخل حتى تستطيع أن تخلق الأجيال التي يكون بمقدورها استقبالا إقامة هذه المجتمعات ومواكبة تحولاتها المتتالية.

المجلة: إلى أي مدى أثرت وسائل الاتصال المرئية في تقليص دور النخبة والمثقف في العالم العربي؟

يحيى اليحياوي: النخب لم تعد صاحبة الامتياز في احتكار الثقافة أو المعرفة ليس فقط بحكم تعدد مصادر المعلومات والمعارف وسبل وأشكال التعلم، ولكن أيضا بحكم أن طبيعة المعرفة والثقافة ذاتها تحولت ولم تعد الإشكالات المعرفية المعهودة هي المرغوب فيها بقدر الرغبة في الحصول على "معارف تقنوقراطية"، أي ذات المضمون الخبراتي المرتفع.

يبدو بهذه النقطة، أن دور المثقف التقليدي قد تم تجاوزه وأنه بقدرحركية الثقافة بداية هذا القرن، بقدر ضرورة إعادة النظر في وظيفة المثقف على الأقل بالقياس إلى الخبير أو المهندس أو التقنوقراطي صاحب المعرفة المتخصصة. 

المعارف والثقافات أضحت اليوم تقتني الشبكات الألكترونية والعديد من أضخم مكتبات العالم غدت متوافرة بالإنترنيت (في إطار ما أضحى يسمى بالثقافة الافتراضية) في حين لا يزال العديد من مثقفينا مقيدين بالطقوس الورقية وبعضهم لا يتوفر حتى على بريد ألكتروني (متوفر بالمجان من لدن العديد من محركات البحث) ناهيك عن تقاعسهم في إقامة مواقع ألكترونية لهم تفيد بعضا من أبناء طينتهم.

المجلة: أصبحت شبكة الإنترنيت من بين أهم مساحات الإرهاب الدولي، كيف تستقرئ هذه الظاهرة؟

يحيى اليحياوي: قد يكون توظيف الشبكات الإرهابية (وشبكات تبييض الأموال أو المتاجرة في المخدرات والبشر وغيرها) من الأعراض الجانبية التي غالبا ما تصاحب كل مستجد تكنولوجي. لكن الخطير بشبكة الإرهاب (وبشكة الإنترنيت أيضا) هي طبيعة الاشتغال الأفقية التي تميزهما وتجعل من سبل تحديد مواقعهما أمرا بغاية الصعوبة.

بصرف النظر عن ضرورات التنسيق بين الحكومات والمؤسسات الدولية لحصر مدى هذه الظاهرة، فأنا أزعم أن ذلك مظهر من المظاهر الملازمة للمستجد تماما كالسيارة المساهمة في زيادة حرارة الكون أو معامل الحليب المفرزة للمداخن الملوثة للبيئة وهكذا.

مكامن الخطر هنا تتمثل (مستقبلا) في إمكانية ولوج الإرهابيين للمواقع الاستراتيجية  بغرض تدميرها أو الحصول على أسرار تشغيل المفاعلات النووية فيكونوا بذلك قادرين على تدمير الكون أو إدخاله في ظلام دامس إن تمكنوا من ولوج برامج التحكم في شبكات الكهرباء مثلا. وهو أمر تحدث فيه عالم المعمار الفرنسي بول فيريليو عندما كتب عن "القنبلة المعلوماتية" وشبهها بالقنبلة النووية.

استجواب لمجلة "المجلة"، أجري بتاريخ 12 يوليوز 2006 (أجراه: ادريس الكنبوري)

* "هل دخل العرب عصر المعلومات والمعرفة"،استجواب لمجلة "المجلة"، 12 يوليوز 2006.

Vous pouvez partager ce contenu