Aller au contenu principal

"زمن الصورة"

news-details

ثمة ثلاث ملاحظات أولية يبدو من الضروري سياقها بدءا، لتأثيث عناصر هذا المقال وتأطير السياق الذي يعتمل به ويحتكم إليه:

°- الأولى وتتمثل في قوة ونجاعة ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال لأواسط ثمانينات القرن الماضي، وما استتبعها من تحولات جذرية كبرى طاولت الاقتصاد والمجتمع والثقافة، وكان لتداعياتها تأثيرات عميقة على أنماط إنتاج وتخزين واستهلاك السلع والخدمات المادية، المباشرة والملموسة منها، كما الرمزية ذات التأثير المضمر وطويل المدى. 

لم تقتصر طفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال على الأعتدة والأجهزة، من حواسيب وهواتف ومبدلات وأدوات استهلاك منزلية وما سواها، بل دمجت كل هذه الروافد في حوامل موحدة، تتنقل عبرها المضامين دون حواجز تقنية، أو تعقيدات في التصميم والبرمجة، أو صعوبات في التفاعل.

°- الملاحظة الثانية وتكمن في المد المتزايد للصورة و"لحضارة الصورة"، ليس فقط في المجال العام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، بل وأيضا على مستوى التمثلات والسلوكات التي غالبا ما تتحول أو تتمظهر بإزاء الذات وبإزاء الآخر، في تماهيه النسبي مع ذات الذات أو في اختلافه وخلافه معها.     

لم يعد الإنسان، بزمن الصورة المعممة، يكتفي بالاستماع أو بالاطلاع، إنه بات بحاجة إلى أن يرى بعينيه، ويغربل بضميره، ويؤطر "المعلومات المصورة" وفق ممارساته ومرجعياته، لا بل إن الذي يسمعه، محكى له مباشرة أو مموسطا بأداة، يؤثر في ذات السلوكات بنسبة أقل مما يراه بعينيه، لدرجة باتت العين، بزمن الصورة، أكثر وثوقية وأكبر وقعا وإخلاصا.

°- أما الملاحظة الثالثة فتكمن تحديدا في أن ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، بمزاوجة والتجديدات المتسارعة في النظم الرقمية، لم تسهم فقط في تسريع وتيرة الاتصال وتنقل المعطيات والبيانات والمعلومات والمعارف على نطاق كوني واسع، بل أسهمت ولا تزال تسهم بقوة، في زعزعة أنماط التفكير والسلوك والعمل والتواصل فيما بين الأفراد والجماعات، وفيما بين الشعوب والثقافات والحضارات، كان لماك لوهان سبق التبشير بها (في إطار أطروحته عن "القرية الكونية")، قبلما تظهر الرقمنة وتنفجر شبكة الإنترنيت، وتظهر للوجود ظاهرة الفضائيات المقتنية للسواتل، وللأقمار الصناعية ذا البث التلفزيوني الواسع الانتشار.  

لو سلمنا جدلا بما سبق من ملاحظات، فسيبدو حتما بأننا لا يمكن إلا أن نسلم بأمرين أساسيين اثنين، وإن كانا إضافيين:

° الأول: أن العبرة، بزمن الثورة الرقمية وشبكة الإنترنيت وانفجار ظاهرة القنوات الفضائية، العبرة لم تعد بالأجهزة والأعتدة والحوامل والبنى المادية التحتية، بقدر ما باتت بالمضامين والمحتويات والقيم المضافة التي تقدم للقارئ/المشاهد، بصرف النظر عن طبيعة  الحامل والنموذج التقنواقتصادي الذي يتحكم فيه، أو المردودية التجارية والمالية التي قد يثوي خلفها.

° أما الثاني، فيكمن فيما ستتمحور حوله حضارة الصورة بالقادم من أيام: هل حول الفضائية التلفزية، باعتبارها مكمن الصورة الأصلي، والمعبر الأساس عن محورية العين قياسا إلى الأذن، أم حول الحاسوب باعتباره الملتقى الأنجع والأقوى لثلاثية الكلمة والصوت والصورة، والتي كان للثورة الرقمية بإزائها الفضل في التفجير والتأجيج والتعميق.  

صحيح أن هذا التساؤل قد يبدو ذا طبيعة نظرية خالصة، لكننا نعتبره فوق ذلك تساؤلا جوهريا، إذ التساؤل إياه لا يعبر فقط عن معطى تكنولوجيا البقاء فيه للأقوى والأدق، ولكن أيضا لأنه يعبر عن مدى تنافر أو تكامل عناصر الوظيفة الإعلامية، وتداخل أو ممانعة الأدوات التي لها نفس الغاية ونفس الطموح: غاية وطموح بلوغ أقصى ما يمكن من الجماهير المتلقية، إذا لم يكن على أساس خلفية إخبارية أو ثقافية أو معرفية، فبالتأكيد على أساس "مبدأ الترفيه"، الذي يضمن لهذه الأداة أو تلك، النجاعة الاقتصادية والمردود المالي والربحية المتأتية منهما.

ومع أننا نسلم بتكاملية المنابر الإعلامية وتداخل بعضها البعض، فإننا نسلم بالآن ذاته، بأن الفضائية (والتلفزة عموما) بزمن الصورة، إنما هي صاحبة الوظيفة/الأصل، بمعنى أنها هي المنبر الطبيعي لذات الصورة، في حين أن ما سواها من روافد (وضمنها تحديدا الحاسوب والإنترنيت) إنما هي حوامل "دخيلة"، قد تتبنى ذات الوظيفة، وظيفة الفضائية التلفزية، لكنها لا تستطيع أن تتماهى مع فلسفتها ومجال اشتغالها وخصوصيتها، وطبيعة المهن التي تعتمل بداخلها نصا وبرمجة وتأثيثا للمواد وترتيبا لها في الزمن والمكان.

بالتالي، فقد يجوز لفضائية ما أن تقتني هذا الوعاء أو ذاك (وبمقدمة ذلك شبكة الإنترنيت) لبلوغ جماهير إضافية، لكن ذلك يبقى إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. إذ القاعدة الثابتة أن للفضائية الصورة ك"حرفة" اشتغال، فيما لباقي الروافد ذات الحرفة من باب الهواية أو الامتداد.

* "زمن الصورة"، 17 أكتوبر 2011.

Vous pouvez partager ce contenu