قال الخبير في شؤون الاتصالات والإعلام بالمغرب يحيى اليحياوي إن الحركات المتشددة برعت في استخدام المستجدات التكنولوجية، وحولتها إلى أداة لترويج خطابها على نطاق واسع. وأشار اليحياوي في حوار خاص مع "آفاق" إلى أن هناك هامش لا بأس به للحريات الإعلامية في المغرب فيما يتعلق بالصحافة المستقلة.
وانتقد اليحياوي ما يتعرض له المثقف غالبا من ابتزاز ومضايقات عند مناهضته للخطاب الديني الرسمي، الممرر من لدن الدعاة التقليديين، أو من لدن دعاة السلاطين. وقال "ولنا أن نستحضر حالات الاغتيال، التي تعرض لها العديد من المثقفين المتنورين، وحالات المحاكمات وأحكام تفريق الرجل عن زوجته وهكذا".
واعتبر اليحياوي أن الصورة النمطية للمواطن العربي في العقلية الغربية صورة "مبالغ فيها" وقال "الإنسان العربي في الخيال الغربي مرتبط منذ زمن بعيد، بالخشن والمتوحش والمغتصب والجشع والدوني والماكر واللص، وما سوى ذلك من أوصاف، لم يزدها الإعلام (والسينما أيضا) إلا تجدرا وانتشارا... أتصور أن ثمة ترسبات منذ القدم، منذ الحروب الصليبية، وخروج العرب من الأندلس، وبداية صراعات العرب والمسلمين، لاعتبارات اقتصادية أو ثقافية أو دينية أو غيرها، لكنها لم تتغير كثيرا من حينه. ويبدو لي أنها ستتعمق أكثر طالما بقي العرب بهوان وشلل تامين، وبقيت حكوماتهم تستهين بهم، وتعتبرهم رعية لا مواطنين".
وفيما يلي نص الحوار:
آفاق: ظهرت العديد من المصطلحات المتداولة مثل "حرب الحضارات" والحرب الصليبية، والعولمة والأسلمة.. هل يمكن الحديث عن عودة فكرية لصراع جديد، على طريقة الحرب الباردة في العالم العربي خصوصا؟
يحيى اليحياوي: أتصور أن العديد من هذه الأطروحات تمتح من الإيديولوجيا الصرفة، أكثر ما تحيل على عالم الأفكار، بالمعنى العلمي للكلمة. هي تعطي الانطباع بالعلمية في مظهرها وظاهرها، لكنها بالجوهر تمرر لمنظومة في التمثل، لمنظومة قيم، وتبني لمصالح قد لا تكون جلية، لكنها قائمة، وتحتاج إلى مدى زمني بعيد نسبيا، لتتمظهر وتأخذ شكلها بأرض الواقع.
أطروحة صراع أو حوار الحضارات لا تخرج بنظري عن هذا التصور. تصور أدلجة طبيعة العلاقة بين الحضارات، ثم بين الأديان فيما بعد، ثم الآراء فيما بعد كل ذلك، على الأقل من زاوية النظر التي تقول "من ليس معنا فهو ضدنا".
قد يطول الحديث بهذا الجانب، والتساؤل أيضا من قبيل: هل الولايات المتحدة الأمريكية، رافعة شعار صراع الحضارات، هل هي أصلا حضارة؟ وما المقصود بالحضارة؟ هل العمران بالمعنى الخلدوني للكلمة، أم الرأسمالية، وقد باتت بـ"نهاية التاريخ"؟ ثم هل المفروض في الحضارات أن تتصارع، وما محدد هذا الصراع، هل هو عالم المادة المباشر، أم عالم الأفكار العام والواسع والقابل للتأويل؟ أنا بكل الأحوال، مؤمن بالطبيعة الحوارية للحضارات، ومن يقول بغير ذلك، فهو يدفع بالصراع في العلاقات الدولية عن قصد وبسابق إصرار.
ولنا أن نرى كيف وظفت هذه الأطروحة (مضافا إليها طرح الحرب الصليبية) لشيطنة الآخرين، كل الآخرين، الذين لا يسيرون في سياق التصور الأمريكي، المسيحي/الصهيوني للعالم، وللعلاقة مع ما سواهم، حضارات كانوا أم معتقدات أم أديان.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن العولمة التي عملت، منذ ثمانينات القرن الماضي ولا تزال تعمل، بغرض نشر منظومة قيم السوق الليبيرالية الصرفة، والديموقراطية البرلمانية والثقافة الكونية، التي تدفع بها الدول الكبرى، والشركات المتعددة الجنسيات، والمؤسسات الدولية، ونخب دافوس وما سوى ذلك.
وعلى هذا الأساس، فأنا شخصيا أعتقد بأطروحة تدافع الحضارات، والله تعالى سن ذلك لمصلحة بني البشر، والعولمة بهذا الجانب أسهمت بقوة في ذات التدافع، على اعتبار الانفتاح والتواصل الذي أفرزته، لكن العبرة فيها يجب أن تكون بالمصلحة الكونية المشتركة، لا بمصلحة بعض الجشعين، الذين أوصلوا بمضارباتهم الاقتصاد العالمي للهاوية منذ أواسط صيف هذه السنة.
آفاق: لعل أكثر ما يلفت الانتباه أن أغلب المصطلحات الجديدة ظهرت بعد أحداث سبتمبر، بحيث أن العالم ما قبل سبتمبر 2001 يختلف عن العالم بعده؟
يحيى اليحياوي: هي أطروحات كانت جاهزة، ولربما صيغت بمراكز البحوث والدراسات تحت الطلب، وبقيت على مستوى التداول، إلى أن حلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لتعطيها زخما قويا، وتدفع بمداها إلى أقصى حد.
إن هذه الأحداث ساهمت في تسريع تطبيق هذه الأطروحات، على مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي الرسمي، لكنها وجدت، سيما لدى المحافظين الجدد بالإدارة الأمريكية، أذانا صاغية، فتمت ترجمتها على الأرض بأفغانستان وبالعراق، بالقوة الخشنة المباشرة، ثم مع محاولة فرض مشاريع خارجية، من قبيل مشاريع الشرق الأوسط بكل تلاوينه، ثم من خلال العمل على استنبات منظومات تربوية وتعليمية، من بين ظهراني الدول والشعوب التي ألصقت بظهرها لافتات الإرهاب أو دعم الإرهاب، وهكذا.
إن عبارة "الحرب الصليبية" التي استخدمها الرئيس الأمريكي، لم تكن زلة لسان بالمرة، هي تعبير صريح ومباشر، على طبيعة وشكل النظام العالمي، الذي كانت الإدارة الأمريكية عازمة على تشكيله، ولم تكن تنتظر إلا الشرارة لإعماله، فكانت أحداث سبتمبر 2001 أقواها وأنجعها وأبعدها مدى. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل طاول بجريرته الأبرياء بغوانتنامو، والجمعيات الخيرية، والمدارس الدعوية، وباتت عبارة "الإرهاب" على كل لسان، حتى من لدن من لا يعرف معناها، وصودر حق الدول في المقاومة، على خلفية من استحضار العبارة إياها، وبات العالم مظلما، الكل من بين ظهرانيه مع الكل ضد الكل.
آفاق: هنالك الآلية الإعلامية بكل مجالاتها (مرئية أو مسموعة) التي أظهرت مدى قوتها على صعيد التأثير في الآخر، والتي يعيب على العرب أنهم لم يستغلوها نحو صياغة ثقافة بناءة، بقدر ما تم استغلالها في التهديم، أي في الفن الهابط والإرهاب، ما رأيكم؟
يحيى اليحياوي: العبرة في الإعلام وبكل روافده، المكتوب منها كما المرئي كما المسموع، هي بالاستخدام والتوظيف أكثر من أي شيء آخر، تماما كالبارودة، نستخدمها للقتل وإشاعة الرعب، لكن بالإمكان توظيفها في حفظ الأمن والسلام. الإعلام لم يعد، وأزعم أنه لم يكن يوما، وسيلة لتجسيد ثلاثية "الإخبار والتثقيف والفرجة"، إنه بات أيضا أداة حرب فتاكة. ولنا أن نستحضر كيف اصطف الإعلام الأمريكي خلف طروحات الإدارة الأمريكية، وهي تعد العدة لغزو أفغانستان والعراق واحتلالهما. وكيف أن الإعلام الممانع منع وصودر، بل وتم ضربه بعين المكان، حيث لا تتوانى الآلة العسكرية في قتل الصحفيين، إن هم "تطاولوا" على الخطط العسكرية، أو أبانوا صورا تحرج الغازي.
الأمريكان، بهذه النقطة، استفادوا من حرب فيتنام، فلجموا من تاريخه، إعلامهم وفرضوا القيود والموانع على إعلام الغير. من جهة أخرى، فأنا أزعم أن العالم العربي قد أفاد بقوة من الطفرة التكنولوجية، التي طاولت ميدان الإعلام والاتصال للعقود الأخيرة، فبات لكل دولة العديد من القنوات الفضائية، وبات للأفراد أيضا فضائياتهم تمرر لهذا التصور أو ذاك. وأزعم أيضا أن الطفرة إياها أسهمت في زيادة منسوب الوعي لدى المواطن العربي، وأخرجته من رتابة الإعلام الرسمي الحكومي، الذي كان في العديد منه ولا يزال، يفرض تصورا شموليا في تغطية الأخبار والأحداث، لدرجة التضليل والتدجين.
من هذه الزاوية، أعتقد أن الحصيلة إيجابية، على الأقل من جهة أن العديد من القنوات الإخبارية قد استطاعت التجاوز على الرتابة، واعتماد المهنية في الأداء، من قبيل الجزيرة أو العربية أو بعض القنوات المتخصصة الأخرى، ذات الطبيعة الثقافية أو الدينية أو الفنية أو غيرها. لكن بالقياس إلى الكم الهائل من الفضائيات المتواجدة، يبدو لي أن المخرجات تبقى دون المستوى، سيما وأن قنوات الرقص و"الغناء" وأيضا "قنوات الفتاوى"، قد خلقت الفتنة حقا، وزاغت عن الوظيفة المفروض امتطاؤها، إذا لم يكن بكل الشبكة، فعلى الأقل ببعض مكوناتها.
هي قنوات تسهم في تمييع الذوق، وتسطيح قيم الجمال، وتعمل على تقديم المرأة كجسد وأعضاء، ولا تتغيأ استنبات ذوق جمعي، يغرف من تراثه الفني أو الحضاري أو ما سواهما. هي قنوات خاصة بمعظمها، ويبدو لي على الأقل من هذا المدخل، أن القطاع الخاص بإعلامنا العربي، لم يتمثل بعد الرهانات والتحديات التي تطرحها الصورة في تقديم الذات، والعمل على تجاوز الصور النمطية التي كونها عنا الغرب، كمجتمع خمر ونساء ومجون. وهذا أمر مسيء بكل المقاييس.
آفاق: أصدرتم كتابا "الاتصالات في محك التحولات". أحب أن تحدثني عن هذا الكتاب، الذي يبدو أنه جاء كردة فعل إزاء الفهم الخاطئ لماهية الاتصالات؟
يحيى اليحياوي: هذا الكتاب هو باكورة إصداراتي، وهو مدخل لقطاع الاتصالات من باب الاقتصاد الصناعي ونظرية الشبكات والروابط، وهو امتداد لأطروحتي بباريس أواخر ثمانينات القرن الماضي. الكتاب هو محاولة لرصد التحولات التكنولوجية والمؤسساتية التي طاولت القطاع، منذ اختراع التلغراف ثم الهاتف، ثم الفاكس وتداخل هذه الاكتشافات بعضها البعض، فيما سمي فيما بعد بالمتعدد الأقطاب، ثم الإنترنيت في جيله الأول، ثم الطرق السيارة للإعلام والاتصال. الحركية تكنولوجية بامتياز، تمت على صفيح من تراكم الاكتشافات والإبداعات، ومحاولة الفاعلين الكبار لدمج بعضها مع البعض الآخر، لضمان تمرير الكلمة والصوت والصورة، بنمط تمرير تزامني، وبصبيب أعلى.
التقنية التي مكنت ذلك هي التقنية الرقمية، وهي عبارة عن متواليات من الأصفار والآحاد، تمرر مختلف أشكال المعلومات بقوة فائقة وبنقاوة شديدة، ودونما تضييع لبعض عناصر المعلومة، أو التشويش عليها، كما كان عليه الحال بزمن التقنيات التناظرية. تقنية الرقمية أو الرقمنة، لم تخلق ثورة على مستوى الاتصالات السلكية واللاسلكية فحسب، بل خلقت لغة مشتركة بينها من ناحية، وبينها وبين المعلوماتية والسمعي/البصري، أي التلفزيون من ناحية أخرى. بامتزاج هذه القطاعات الثلاثة، بحكم اللغة المشتركة المكونة من سلسلات أصفار وآحاد ليس إلا، بات الحامل واحدا، وباتت المهن متقاربة، وبات من الممكن تمرير كل أنواع المعلومات دونما حدود بين قطاع الكلمة وقطاع المعطى وقطاع الصوت والصورة.
وهذه ثورة كبرى وبكل المقاييس، ستجنيها شبكة الإنترنيت فيما بعد، وستفيد منها شبكات الهواتف النقالة، وقس على ذلك. الجانب المؤسساتي في هذه العملية تمثل بالتحديد في سياسات إعادة التقنين وخلق مستويات للتنظيم جديدة، بدل الدولة، مادام أن القطاع لم يعد محصورا في خدمة واحدة، خدمة الهاتف أو التلغراف. لقد تكاثرت الخدمات والمنتجات الاتصالية، ولم يعد فاعل واحد، وقد كان الدولة مباشرة أو مقاولة عمومية يمنح لها الامتياز العمومي، لم يعد هذا الفاعل قادرا على ضمان انسيابية الخدمات، ولا مواجهة الطلبات المتزايدة من لدن فاعلين جدد من ناحية، ومن لدن مستهلكين يتطلعون لوفرة بالسوق وتوسيع مجال الاختيار من جهة أخرى.
ثم إنه لما تزامن ذلك، والمد النيوليبيرالي الذي دفع به ريغان وتاتشر أواسط ثمانينات القرن الماضي، فقد تحولت العملية إلى خوصصة للفاعلين العموميين، وفتح الأسواق أمام الخواص، الطامحين للحصول على نصيب من السوق، الذي بات غنيمة مالية مباشرة، بانسحاب الدولة وتراجع مدها بالاقتصاد عموما، وبالمرافق المنظمة على الشاكلة الشبكية تحديدا. هذه بعض من الخطوط العريضة للكتاب، ناهيك عن الجزء المخصص للعالم الثالث، والذي استشرفت فيه أن القطاع سيؤول حتما للقطاع لخاص الأجنبي، بحكم سياسات التقشف وإفلاس الدولة بالعديد من هذه الدول. وكذلك كان للأسف الشديد.
آفاق: هذا يقودني إلى سؤالك: ما الفرق بين الاتصال وبين الإعلام؟
يحيى اليحياوي: السؤال دقيق، ولا يسمح المكان للتفصيل فيه هنا، من زاوية النظريات المتوافرة، والأطروحات السوسيولوجية، التي تدفع بها هذه المدرسة أو تلك. لكن دعيني أجيبك بمدخل عملي يسهل الفهم: الإعلام كما الاتصال (أقول الاتصال وليس التواصل) يمتطيان، على الأقل منذ انفجار الثورة الرقمية، نفس الشبكة، بدليل أن القمر الصناعي لم يعد خاصا بالاتصالات، بل بات يمرر للمعطيات المعلوماتية وللصوت والصورة الإذاعية والتلفزية في آن واحد. ثم هما معا يروجان للمعلومة، التي هي المضامين والمحتويات، بصرف النظر عن حجمها وطبيعتها والجهة الموجهة إليها.
هذه المعلومة قد تكون على شكل صوت أو كلمة أو صورة، بالتالي فتارة تدخل في مضمار الإعلام بالمعنى السمعي/البصري للكلمة، وتارة تدخل بسياق الكلمة المروجة بالهاتف، وتارة بالمعطى المقتني للحواسيب. التمايز بين الإعلام والاتصال كان قائما قبل ثورة الرقمنة، فكان الاتصال يحيل على الشبكة، وكان الإعلام يحيل على المعلومة. اليوم، لم يعد لهذا التمييز والتمايز من قيمة كبرى تذكر، لدرجة أن الحامل بات هو المعلومة، والمعلومة هي الحامل، فتميعت الحدود إلى أقصى حد. القول بهذا هو بحد ذاته طرحا يستأهل التفسير، لكن المجال يضيق لذلك فيما أتصور.
آفاق: ما يسمى بثورة الاتصالات كانت إضافة مهمة للإعلام بجوانبه، مع هذا يبدو العرب غائبين جدا عن هذا التوظيف، كيف تفسرون ذلك؟
يحيى اليحياوي: يجب أن نعترف بأن ثورة تكنولوجيا الاتصالات، وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال بوجه عام، قد أفادت العديد من الدول العربية، سيما تلك التي كانت تشكو من هشاشة بناها التحتية، وتعذر تغطية ترابها الوطني بالقاعدة المادية للاتصال، من كوابل ومبدلات وأقمار صناعية وما سواها. بفضل هذه الثورة، باتت العديد من هذه الدول تتمتع بشبكات مرقمنة بنسب عالية، تجاوزت حتى بعض الدول المتقدمة، ذات الشبكات التقليدية العصية على التحول والمكلفة ماديا. بجانب الاتصالات تحديدا، أزعم أن سنين الندرة قد ولت، سيما مع انفجار المنتوجات والخدمات الخليوية، حيث بات التواصل بين الناس سهلا وهينا، وبتكلفة مقدور عليها. نفس الشيء بالنسبة للحواسيب، التي انخفضت أسعارها، وأضحت بمتناول العديد من الأفراد والجماعات، ناهيك عن المؤسسات والإدارات وما سواها.
قد نسلم بأن التغطية لم تكتمل بعد، لكن الوفرة الموجودة بسوق الحواسيب، أسهمت في تعميمها بمستويات جد متقدمة. قد نقول نفس الشيء بالنسبة لشبكة الإنترنيت، إذ لم يبق من الدول العربية من ليس له ارتباط بالشبكة العالمية، أو من ليس لديه الآلاف من المواقع من بين ظهرانيها. بجانب الاستخدام والتوظيف، يبدو لي أن الأمر يختلف. فباستثناء الهاتف الخليوي، ذي الاستخدام الكثيف بغرض التواصل، على اعتبار الخاصية الشفوية التي تطبع المجتمعات العربية، فإن التجهيز بالحواسيب والارتباط بشبكة الإنترنيت، يبقى متدنيا بالقياس إلى عدد السكان، وتوزيعهم جغرافيا. ثم إن إنتاج المضامين والمحتويات، ناهيك عن البرامج المعلوماتية والخدمات، لا يزال دون المستوى المطلوب، إذ كلها تستورد وفي الغالب الأعم لا ينجح العرب في موطنتها.
ولنا أن نلاحظ، بهذه النقطة، كيف أن العديد من المؤسسات والإدارات العمومية، المتوفرة على مرائب ضخمة من الحواسيب، ذات القوة المرتفعة، لكنها لا تزال مقتصرة على أعمال السكرتارية، وتخزين بعض الملفات وما سوى ذلك. نفس الشيء بالنسبة للإنترنيت، حيث خدمة البريد الألكتروني هي الطاغية، وغرف الدردشة هي المسيطرة، في حين أن التوظيف بغاية البحث العلمي، أو البحث عن المعلومات الجادة والمفيدة، يبقى غير ذي قيمة تذكر. هذا جانب اساس مما يسمى الفجوة الرقمية. أتصور أن السر في كل ذلك، هو طغيان ثقافة الشفوي بالمجتمع العربي، وإلى حد ما ضعف المساهمة العربية في إنتاج المضامين والمحتويات، ومناخ الحرية الذي لا يزال بعيدا، ويحول دون رواج المعلومة، واعتبارها أداة تنمية ووعي.
آفاق: هنالك من يظن أن الفضائيات والانترنت خدمت الإنسان العربي، بحيث أنها أخرجت صوته إلى العالم؟ هل توافقون هذا الطرح؟
يحيى اليحياوي: من دون شك. فتجربة الجزيرة كان لها دور فاعل في طرح العديد من القضايا، التي كانت محرمة بالإعلام الرسمي، وكان لها الفضل في إتاحة الفرصة للآراء المختلفة لتظهر وتنتشر. الإنترنيت بدوره أسهم بقوة في تجاوز حالات الرقابة التي كانت تمارسها الدولة على الرأي الحر، وأسهمت أيضا في فضح العديد من السلوكات الشائنة، التي تقع هنا أو هناك من الوطن العربي، من قبيل دوس حقوق الإنسان أو تزوير الانتخابات أو السطو على المال العام، أو ما سوى ذلك.
هذه مسائل لا اختلاف حولها كبير. على النقيض من ذلك، أسهمت العديد من الفضائيات والمواقع الألكترونية في تشويه صورة الإنسان العربي، سيما القنوات الفضائية التي تبالغ في تمرير الغناء الهابط والرقص الساقط، أو تدفع ببعض المتعصبين لترويج فتاوى تضر بهذه الصورة، مباشرة أو عبر مواقعها بالإنترنيت. إلا أنه بالقياس إلى فترات الحرمان السابقة على بروز الفضائيات وانتشار الإنترنيت، تبقى الحصيلة في معظمها إيجابية، على الرغم من العديد من السلبيات هنا أو هناك.
آفاق: ألا ترون أن الصورة النمطية للإنسان العربي في مخيلة الغرب مشوهة بسبب التعصب الديني، وبسبب الفقر الاجتماعي؟ أي أن العربي في المنظور الغربي مجرد إرهابي أو فقير متخلف؟ من المسؤول عن هذه الصورة؟ أليس الإنسان العربي مسؤولا عنها؟
يحيى اليحياوي: كل الثقافات تكون عن بعضها البعض صورا نمطية قارة، بالإمكان تكسيرها بالتدريج، لكن العملية طويلة ومعقدة وتحتاج إلى جهد كبير. الإنسان العربي في المخيال الغربي مرتبط منذ زمن بعيد، بالخشن والمتوحش والمغتصب والجشع والدوني والماكر واللص، وما سوى ذلك من أوصاف، لم يزدها الإعلام (والسينما أيضا) إلا تجدرا وانتشارا.
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ازداد الشرخ وتعمقت ذات الصورة، وبات العربي إما إرهابيا أو ظلاميا أو متطرفا أو دمويا أو مبتزا، وشاعت بالعديد من وسائل الإعلام هذه الصورة، ولكأنها حقا وحقيقة. هي صورة مبالغ فيها بالتأكيد، على الأقل من زاوية أنها تأخذ العرب كل العرب، بجريرة بعض منهم، قد تطاولهم هذه الصفات، لكنها ليست لازمة لصيقة بهم هم تحديدا دون غيرهم. بجانب المسؤولية، أتصور أن ثمة ترسبات منذ القدم، منذ الحروب الصليبية، وخروج العرب من الأندلس، وبداية صراعات العرب والمسلمين، لاعتبارات اقتصادية أو ثقافية أو دينية أو غيرها، لكنها لم تتغير كثيرا من حينه. ويبدو لي أنها ستتعمق أكثر طالما بقي العرب بهوان وشلل تامين، وبقيت حكوماتهم تستهين بهم، وتعتبرهم رعية لا مواطنين.
آفاق: كيف تقرؤون استغلال الجماعات المتشددة لوسائل الاتصال المتطورة (الانترنت) والتلفزيون، في الوقت الذي يرفضون فيه المدنية مطالبين بالثقافة السلفية المرتبطة جغرافيا و سوسيوسياسيا بالصحراء؟
يحيى اليحياوي: هي مفارقة غريبة حقا، أن يكفر بعض غلاة المسلمين التقنية، ثم يستخدمونها. يكفروا السيارة والطائرة، بحكم أنها من صنع الكفار، ثم يستقلونها. يكفرون الهاتف النقال ومواقع الإنترنيت لنفس الاعتبار، لكنهم يستخدمونها بكثافة. هذه حقائق كانت بالسابق، وتعمقت أكثر، سيما من لدن أصحاب الفتاوى، الذين يكفرون بعض الإعلاميين، أو يفتوا بمنع الرجل من رؤية خطيبته عبر الماسنجير وهكذا. عندما تطرح السؤال على بعض من هؤلاء، يجيبك بأن "الله سخر الكفار لخدمة المسلمين"، أو إن كان المخاطب متنورا، يقول لك "إن التقنية ملك كوني مشترك، لكل البشر حق الإفادة منه"، أو "أن العرب كانوا روادا من قبل وأفادوا بدورهم الغرب"، وقس على ذلك.
بالوقت الحاضر، أزعم أن الحركات المتشددة برعت في استخدام المستجدات التكنولوجية، لا بل وحولتها كأداة لترويج خطابها على نطاق واسع، وأنشأت لنفسها محطات ظاهرها متفتح، لكن باطنها متشدد وموغل في التطرف وتأويل النص. ثم هي بارعة في توظيف الإنترنيت للتنسيق فيما بين أعضائها، والترتيب لعملياتها. وأنا بصدد بحث موسع عن هذه الظاهرة الجديدة.
آفاق: هنالك أيضا غياب المثقف إزاء الصراع القائم بين المدنية (المؤسسات الديمقراطية والقانون) والسلفية (الشريعة والوكالة) كيف تفسرون غياب المثقف في هذه الإشكالية؟
يحيى اليحياوي: لا نستطيع أن نجزم بغياب المثقف جملة وتفصيلا، لكن دوره تراجع أمام قوة دور الداعية أو الخطيب أو المفتي، وإلا فكيف نفسر الملايين الملتفة حول برامج "الدعاة الجدد"، في حين لا يلتقي حول محاضرة مثقف متنور أو مجتهد إلا نفر من البشر قليل؟ خطاب الداعية يخاطب الفؤاد والعاطفة، ويركب ناصية الدين لهذا الغرض أو ذاك، في حين يبقى خطاب المثقف "الإصلاحي" مترفعا، موغلا في التنظير، معقد الأسلوب، متوجها للنخبة من زملائه، أكثر ما هو موجه للجمهور الواسع.
من جانب آخر، أتصور أن المثقف غالبا ما يتعرض للاغتيال أو للابتزاز أو للمضايقات إن هو ناهض الخطاب الديني الرسمي، الممرر من لدن الدعاة التقليديين، أو من لدن دعاة السلاطين. ولنا أن نستحضر حالات الاغتيال، التي تعرض لها العديد من المثقفين المتنورين، وحالات المحاكمات وأحكام تفريق الرجل عن زوجته وهكذا. قد يكون السبب في اختلاف الطرفين، تباين المرجعية بين من يرى الديموقراطية شورى مثلا ومن يراها حكم الشعب لنفسه، أو بين من يرى أن الاحتكام للشريعة هو الأساس، فيما يرى الآخر أن العبرة بما احتكم إليه الشعب وارتضاه. قد يكون ذلك، لكن أن يذهب الأمر لحد القتل والنفي والإقصاء من الجامعة، فهذا يشي قطعا بعدم تجدر ثقافة الحوار، وغياب قيم الاختلاف.
آفاق: دعني أنتقل بك إلى الوضع في المغرب؟ كيف تقرأ الأوضاع الداخلية على الصعيدين الإعلامي والثقافي في بلدكم؟
يحيى اليحياوي: هناك حركية لا بأس بها على مستوى هامش الحريات الإعلامية، سيما فيما يتعلق بالصحافة المستقلة، التي نجحت وإلى حد بعيد، في طرح قضايا لم تكن قادرة على إثارتها بفترة حكم الراحل الحسن الثاني، من قبيل مكانة الملكية والجيش وطبيعة الديموقراطية ومكانة الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان وما سوى ذلك. بهذه النقطة، أزعم أن الهامش توسع نسبيا، إلا أننا لا زلنا نلحظ بين الفترة والأخرى، متابعات قضائية، على خلفية الرأي الإعلامي، أو منع بعض المنابر بقرار إداري، أو سجن الصحفيين أو تغريمهم، وما سوى ذلك.
من ناحية أخرى، فوتيرة طبع الصحف في توجه تنازلي، إذ لا يتعدى ما يباع من النسخ مجتمعة باليوم الواحد (ضمن حوالي 500 مطبوع) الـ 500 ألف نسخة، مما يشي بأن سوق قراءة الصحف بالمغرب في وضعية كارثية.
أما الإعلام السمعي/البصري، سيما التلفزيون، فقد عرف انتكاسة خطيرة للغاية، على الرغم من الطفرة التي أحدثتها القناة الثانية أواسط ثمانينات القرن الماضي. القناتان الوحيدتان اليوم هما قناتان عموميتان، لكنهما صورة طبق الأصل لخطاب السلطة، إذا لم يكن على طرقة غوبلز، فليس بعيدا عنها كثيرا.
بالجانب الثقافي، الوضعية هشة للغاية. سوق الكتاب راكد، ولا يتعدى مستوى سحب الكتاب 1500 إلى 2000 نسخة، لا تباع منها إلا بعض مئات، لساكنة تتجاوز ال 32 مليون نسمة. القراءة متدنية بسبب مستوى في الأمية يتجاوز الـ 50 بالمائة، ضمن أسباب أخرى.
المهرجانات الثقافية شبه منعدمة، والجائزة الوحيدة، جائزة المغرب للكتاب، لا تحرك سوق المقروئية بالمرة. أما المكتبات، فالعديد منها بطريقه للإغلاق، لفائدة العقار المذر للأرباح القصيرة المدى والمضمونة. لو طلبت مني أن ألخص لك واقع حال الإعلام والثقافة بالمغرب، بجملة واحدة، لقلت: إنه واقع كارثي بكل المقاييس.
آفاق: نعم. تم تفكيك العديد من الشبكات الإرهابية في المغرب، مثل شبكة "بلعريج" وشبكة "فتح الأندلس"، وعشرات الخلايا الأخرى. ما الذي يحاول هؤلاء تغييره في المغرب، وكيف تفسرون لجوء المتشددين إلى توظيف الإعلام والاتصالات توظيفا "فكريا وعقائديا" في الوقت الذي يطالبون فيه بمنع التلفزيون والانترنت لأنه يؤدي إلى إفساد المجتمع على حد تعبيرهم؟
يحيى اليحياوي: كانت السلطة بالمغرب، ولعهود طويلة، تؤمن بأطروحة "الاستثناء المغربي"، وتدعي أن البلاد بمأمن من سلوكات العنف والإرهاب المتخفية خلف الدين، على اعتبار أن الملك هو مكمن الإمامة العظمى، وأن احتكار الحقل الديني سيحول دون المزايدات. إلا أن أحداث الدار البيضاء للعام 2003 وما تبعها من أحداث أخرى عنيفة، وما سيأتي فيما بعد، عندما أسس تنظيم القاعدة فرعا له بالمغرب العربي، سيقوض هذه الأطروحة، ويدفع المغرب للمواجهة مع هذه الشبكات، وتتبعها في الزمن والمكان.
أتصور أن الشبكات التي تم تفكيكها تنهل من نفس المرجعية التي تنهل منها باقي الشبكات المتواجدة بمختلف دول المعمور، الغاية لديها فيما يبدو، إذا لم تكن إزاحة النظم الحاكمة "المرتدة" برأيها، والمتواطئة مع "العدو"، فعلى الأقل زرع بذور الفتنة، المحيلة على الاقتتال وعدم الاستقرار.
من جهة أخرى، لا يبدو لي أن ثمة كثير اختلافات فيما يتعلق بتوظيف الأداة الإعلامية، فمعظم هذه الشبكات يتغيأ من ورائها نشر منظومته والترويج لإيديولوجيته. الفارق هنا أن الشبكات الفاعلة بالمغرب هي "خلايا نائمة"، لا تلجأ للإعلام كثيرا للحيلولة دون انكشافها، ومن زج بهم بالسجون بأعقاب أحداث 2003 لم يتمثلوا خطورة الإعلام حقا، كما الحال مع الفيزازي الذي هدد محاوره بالقتل من على استوديوهات قناة "الجزيرة"، فوجد نفسه بأعقاب أحداث الدار البيضاء بالسجن لمدة ثلاثين سنة نافذة.
* "يحيى اليحياوي لموقع آفاق: المتشددون برعوا في استخدام التكنولوجيا"، استجواب، موقع آفاق، 8 أكتوبر 2008.