Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي قارئا الإعلام العربي "للمحافظين الجدد": في نقد ممارسات تحتقر حضارات قبل أن تحتقر الديموقراطية

في معرض استعراض أهم خطوط كتاب "عولمة الثقافة وكونية الاتصال" للباحث المغربي يحيى اليحياوي، أشرنا على صفحات "الصحراء المغربية" إلى استحالة توقع تحرير اليحياوي " لقراءات نقدية أو تأملية في جديد شعر محمود درويش أو تفكيك ماهية الوجود عند مارتن هيدغر، بقدر ما نتوقع منه الاجتهاد مجددا في نقد مآزق العولمة والاتصال"، وذلك بحكم تراكم "سلسلة من المساهمات مختلفة المسارات والاجتهادات متعددة الأوجه التي غالبا ما تبلغ حد التنظير والتي قدمها لنا فيما يتعدى العشرين كتابا فضلا عن ثلة من المقالات والدراسات المنشورة في الفترة الممتدة ما بين 1989 و2004 باللغتين العربية والفرنسية".

إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يدفع اليحياوي لأن يصدر كتابا يحمل عنوان "احتقار الديمقراطية"، حيث نقرأ مثلا دراسات حول "عولمة القيم" و"صراع الحضارات" و"طبيعة السياسات الأمريكية" وقراءة نقدية في ممارسات "المحافظين الجدد"، وغيرها من العناوين التي تصب تحديدا في التداعيات اللصيقة بإيحاء عنوان ملفت جاء كالتالي: "احتقار الديمقراطية: دراسات في آليات الاستبداد الجديد" (صدر الكتاب عن منشورات عكاظ. الرباط. الطبعة الأولى 2005).

نعتقد أن تمرير رد موضوعي على هكذا تساؤل يحيلنا بشكل مباشر على موضة صمت العديد من أقلام المجال التداولي الإسلامي العربي حول ما يخطط له ويترجم على أرض الواقع العربي والإسلامي، تحت ذريعة عدم الاختصاص في علم الاجتماع السياسي مثلا أو عدم التطفل على ما يصدر عن الأقلام الصحفية المعنية أكثر بالتعليق والتعقيب.

ولو طبق جميع المتخصصين هذا المبدأ، فالأجدر أن  نعلن عن إيداع جديد في استقالة المثقف العربي من مهامه الكبرى، ومنها "المهمة الأم": قول الحقيقة، على قدر المتاح والمستطاع بالطبع، ولا يزعم أغلب الكتاب المسؤولين، نقصد كل الأقلام التي تحترم كينونتها، أنها تمتلك هذه "الحقيقة".

بالعودة إذا إلى كتاب "احتقار الديمقراطية"، نجد أن اليحياوي لم يخرج في الواقع عما أشرنا إليه سلفا بخصوص إصراره على التأليف الرصين في ملفات الإعلام والاتصال والعولمة، مع فارق العروج العابر والمسؤول على بعض قضايا الساحة العربية، بما ينسجم مع تخصص المؤلف، ونخص بالذكر قراءته النقدية لموضوع راديو " سوا" وفضائية "الحرة".

نبدأ بالنموذج الأول، حيث يقرأ اليحياوي توقيت إطلاق الإذاعة إياها في أعقاب العدوان الأنجلو أمريكي على العراق ووضعه تحت الاحتلال المباشر، ضمن اعتبارات عدة:

هناك أولا الصورة الكريهة التي تكونت لدى المواطن العربي من سلوك إدارة أمريكية يمينية ومتطرفة التوجه إثر غزوها للعراق وتدميرها لمعالمه وإخضاع أرضه وشعبه للاحتلال المباشر في زمن اعتقد المرء معه أن زمن الاحتلال ولى إلى ما لا نهاية. وعليه، لا يدخل قرار إنشاء محطة " سوا"، على أساس خلفية تبرير ذات السلوك ولا تفسير أبعاده وتبعاته بقدر ما أتى لتجاوزه عبر طمسه وإذابة ما ترتب ويترتب عنه في خضم صخب من الموسيقى الهابطة والأغاني الشاذة والأخبار المجانبة لصواب الأمور.

وهناك ثانيا العجز الإعلامي الكبير الذي بدأت تستشعره الإدارة الأمريكية ليس فقط في إبلاغ تصورها لمستجدات الأحداث، بل وأيضا إزاء "المنظومة العقدية" (الثقافية والدينية والأخلاقية) التي تدفع بها شكلا ولا تتوانى في دفع الحكومات العربية لاعتمادها في المضامين والمحتويات.

وهناك أخيرا دروس التجربة التي علمت الإدارة الأمريكية أن مخاطبة الجماهير العربية بالقنوات المعتمدة إلى حين عهد قريب (" صوت أمريكا"، " سي. إن. إن" وغيرها) لم يعد له المفعول المرجو ولا الجدوى المطلوبة.

ويخلص اليحياوي إلى أن الإذاعة الأمريكية لن تستطيع الإصلاح بالكلمة والصورة ما كسره الساسة بالفعل والممارسة، وعليه، فإن المراهنة على الإذاعة إياها لتحسين صورة لا تزداد مع مرور الزمن إلا قبحا إنما هو من المراهنة على معطى موضوعي قار لا مجال لتغيير منعطفه بالكلمة أو بالصورة.

نأتي لتقييم اليحياوي مشروع فضائية " الحرة"، والتي كما هو معلوم، أتت بدورها لتتميم رزمانة المشروع الإعلامي الأمريكي الموجه للمنطقة العربية والذي انطلق مع " راديو سوا" ومجلة "هاي" والذي ستتكرس مفاصله الأساسية مع برامج إعادة تشكيل المنظومة التعليمية والتربوية للمنطقة العربية برمتها عبر تغيير المناهج المتعلقة بها شكلا كما في المضامين.

يرى المؤلف أن الأمر يتعلق بقناة موجهة بامتياز ليس فقط على اعتبار الغاية من إنشائها (" تعميم الحرية والديموقراطية" كما أشيع ويشاع) ولا بحكم الخلفية والفلسفة الحاكمتان لصيرورتها، ولكن أيضا بحكم طبيعة الخطاب الذي تمرره وستمرره والذي لن يخرج، بأي حال من الأحوال، عما تتبناه الإدارة الأمريكية وتبني له بالقول والسياسة والفعل.

من الشاذ حقا والمثير للدهشة أيضا، في حالة "الحرة"، تأمل صيغ التبرير المقدمة وطبيعة المسوغات المدفوع بها والتي لا قدرة لها على الصمود عند وضعها على محك الملاحظة والتحليل:

+ ففضائية "الحرة" أنشئت على خلفية من اعتقاد الإدارة الأمريكية بأن أداء بعض من الفضائيات العربية " قد أضر بصورتها" سيما بعد غزوتي أفغانستان والعراق واحتلالها لهما أرضا ودولة وشعبا.

+ وفضائية "الحرة" تدفع بأطروحة "خلق أجيال جديدة تكون أكثر تفهما للسياسة الأمريكية بالعالم العربي..." تماما كما لو كان الأمر (ولا يزال) مجرد سوء فهم من الممكن مداواته عبر "ربط جسور من التواصل" و"مد خيوط للتقارب بين العالمين".

وبالمحصلة النهائية، تبدو فضائية "الحرة"، بمقاييس المصداقية، فضائية تافهة إذ لا تعدو بالمحصلة سوى كونها أداة لإمبراطورية بدأ عدها العكسي في الاحتساب مذ بدأت تضرب أشباه الدول وتنكل بدول متعبة بالحصار ما كان لإمبراطورية مثلها أن تستعرض مستجداتها الفائقة بأجساد مواطني ذات الدول الحفاة، العراة والجوعى...

إنها، في اعتقاد المؤلف واعتقادنا أيضا، حتى لا نقول اعتقاد أغلب المتتبعين، مولود ميت كما هو حال شقيقتها بالصوت ورفيقتها بالكلمة...إنهم مجتمعين أدوات منظومة في التجبر والاستكبار واحتقار الآخر وإهانته واستصغار منظومة قيمه.. ولما كانت كذلك وأكثر، فإنها لن تستأثر إلا بمشاهدين (ومستمعين وقراء) تافهين وغير مدركين.

رأي اليحياوي مختلف تماما، كما هو متوقع، مع رأي العاملين فيها، فالمسألة مسألة أرزاق على حساب المبادئ، حتى نكون صرحاء أكثر، والمثير أننا نجد قوميين ويساريين وإسلاميين يشتغلون مع راديو "سوا" وفضائية "الحرة"، بما في ذلك الحالة المغربية، ولا يهمنا ذكر الأسماء، لأن المسألة أكبر بذلك بكثير، ثم إننا نناقش مجموعة رؤى وأفكار وليس أحوال فلان أو علان، ممن هرولوا نحو تبرير ما لا يبرر، كقول أحدهم أن " فضائية الحرة تمول من قبل الكونغرس الأمريكي، وهذا الأخير يمثل الشعب الأمريكي"، وبالتالي لا علاقة للقناة بالإدارة الأمريكية! فيما يعتبر تحقيرا فجا لكرامة المتلقي العامي والعالم، وكلاهما يعلمان علم اليقين أن هذه المشاريع تبقى لصيقة بمقررات وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، وليس "الشعب الأمريكي.

ننهي هذا العرض بالذي يجمع بين عنوان الكتاب وما جاء في تمهيد هذه القراءة، ونتحدث أساسا عن منظومة "احتقار الديموقراطية"، من خلال التوقف عند دراسة مستقلة في الكتاب، ولو أنها تحمل عنوانه في آن، تشتغل على تيار "المحافظين الجدد"، وقد بدا لنا كما لو أننا نقرأ للباحث التونسي الطاهر الأسود، الذي يعتبر برأينا أبرز باحث عربي متخصص في موضوع "المحافظين الجدد"، وهذه من حسنات هذا العمل، تماما أننا نجد من حسناته الأخرى كون الحديث عن "احتقار الديموقراطية"، يذكرنا بعنوان أحد مؤلفات المفكر الأمريكي الألمعي نعوم تشومسكي وجاء كالتالي: "ردع الديمقراطية".

الثابت عند اليحياوي أن "المحافظين الجدد" لم يشرعنوا لمنظومتهم إلا بالدعوة "للعودة إلى الأصل" أي إلى طبيعة الأمور كما بنى لها المؤسسون دونما تدخل لقوى خارجية حتى وإن كانت الدولة المركزية ذاتها. 

ومع أنهم لا يزالوا بكبريات الجامعات ومراكز البحوث والدراسات يهيمنون على أقسامها الحساسة ويزودون المؤسسة الحاكمة بالدراسات والتقارير والتوصيات، فإن غالبيتهم أضحت في محيط صناعة القرار كما هو الشأن بالنسبة لديك تشيني وولفويتز ورتشارد بيرل وجون أشكروفت وروبرت كاغان ودوغلاس فيت وأبراهام شولسكس وجيمس وولسلي ناهيك عن أباطرة الإعلام من أمثال روبيرت ميردوخ وبيل كريسطول ومايكل ليدين وستيفن براين ودانييل بايبس وما سواهم. ويعمل هؤلاء جميعا في تناسق كامل وعميق وما نظر له فلاسفتهم ومفكريهم لا سيما مرجعهم الأعلى: ليو شتراوس. ومعلوم أن من بين أهم وصايا هذا الأخير، ما يوصف بـ"الكذبة النبيلة". ومفادها أن الكذبة إياها إنما هي "أداة من أدوات السياسة الحكيمة.. المهمة والضرورية مادامت في خدمة المصلحة الوطنية".

وبتأمل واقع السياسة الأمريكية، ومن خلال التوقف الملي مع أدبيات هذا التيار سوف يستنتج المؤلف أننا حقا إزاء احتقار للديموقراطية يتم تكريسه من قبل الإدارة الأمريكية، موردا في هذا الصدد مجموعة أمثلة موضوعية نذكر منها الحالات التالية:

ـ فهي احتقرت الديموقراطية عندما قدمت العدالة والحرية (المغلفتان برداء أخلاقي) على الديموقراطية وسوغتها مجتمعة لخدمة "الفكرة المطلقة" التي تحددها "النخب العالمة" بالجامعات كما بمراكز الأبحاث والدراسات.

ـ وهي احتقرت الديموقراطية لما عمدت إلى فرضها بالقوة على خلفية من الاعتقاد بأن "الديموقراطية هي التي من شأنها تغيير الأنظمة وطبيعة المجتمعات".

ـ واحتقرت الديموقراطية عندما دفعت ب"الكذبة النبيلة" عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، حتى عندما بينت لها التقارير أن لا أثر لذات الأسلحة دفعت بكذبة "استجلاب الإرهاب إلى أرض العراق للقضاء عليه".

ـ والإدارة الحالية تحتقر الديموقراطية عندما تمرر لفكرة شتراوس بأن "الإنسان شرير جدا، لذا يجب أن يحكم". وبالتالي، وجب استباق سلوكه قبل أن يلجأ إلى اعتماده " فيصيب به الآخرين".

أليس في هذا احتقارا للحضارات قبل أن يكون احتقارا للديموقراطية؟

نعتقد أن الأمر كذلك حقا، ولو كره المشتغلون في راديو "سوا" وفضائية "الحرة"، ومن يدور في فلكهما من القوميين واليساريين والإسلاميين.

جريدة "الصحراء المغربية"، 2 أكتوبر 2005 (قراءة: منتصر حمادة)
 

* "يحيى اليحياوي قارئا الإعلام العربي للمحافظين الجدد: نقد ممارسات تحتقر حضارات قبل أن تحتقر الديموقراطية"، جريدة الصحراء المغربية، 2 أكتوبر 2005.

Vous pouvez partager ce contenu