Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة "الصباح": التلفزة المغربية بين البث التماثلي والرقمي

خصوصية الرقمي قياسا إلى التناظري

مسألة التمييز بين التقنيات التناظرية أو التماثلية، والتقنيات الرقمية هي مسألة تقنية خالصة، لها علاقة بنظريات الإرسال، والبث، والإشارة، والتردد وندرة الطيف وما سواها.

الأصل في التمييز، هو أن التقنية الرقمية بمقدورها تحويل كل أشكال الإشارات من صوت وصورة ومعطى وغيرها، إلى سلسلة من الآحاد والأصفار، تتحول المعلومات والمعطيات والبيانات إلى بتات بالمصدر، تعاد إلى صورتها الأصل عند المصب بالارتكاز (عند المصدر كما عند المصب) على برامج ولوجيسيالات مصممة لذات الغرض. وهو أمر أتى من ميدان المعلوماتية، وطاول قطاع الاتصالات فيما بعد، ليمس القطاع السمعي والبصري منذ مدة ليست بالطويلة.

ميزة هذه التقنية في التلفزيون، تأتي من فسحها في المجال لعملية رقمنة كل السلسلة، من الإنتاج وإلى حين البث. بمعنى أن تقنية الضغط الرقمي ستمكن من جمع قنوات متعددة، بل وبرامج متعددة، في حامل واحد. أي أنه لتجاوز ضيق طيف الترددات، سيعمد إلى الوسيلة الرقمية لإرسال قنوات عدة (5 إلى 10 قناة) بحامل واحد، أو بقناة واحدة. بالتالي، فتقنية ت.ن.ت سترفع حتما من القدرة التلفزية، مادامت ترتكز على اقتصاد التردد ودمج الإشارة. وهذا ما يفتح المجال واسعا مثلا لظهور قنوات جديدة (جهوية تحديدا)، لم يكن بمقدورها أن تظهر من ذي قبل، وبرامج تفاعلية وخدمات وما سوى ذلك.

ولما كان، بالعهد التماثلي، غير ممكن تخصيص أكثر من جهاز للبث لكل قناة تلفزية، فإنه بالزمن الرقمي بات بالإمكان تعويض هذا الجهاز بجهاز آخر،  يضمن دمج أكثر من خمس إلى ست إلى عشر قنوات. بمعنى أن الجهاز التماثلي لا يمكن البث إلا لقناة واحدة، في حين أن البث الرقمي يمكن الإدماج. وهذه هي الخاصية الأساس في التقنيات الرقمية.

إلى جانب ذلك، فالتقنية الرقمية تشتغل بقوة قياسا إلى بطئ التقنيات التشابهية. ثم هي تضمن نسبة عالية من الدقة، تجعل الصوت والصورة جيدة بكل المقاييس، ولا يطاولها التشويش  الذي هو ميزة التناظري. وهي عامل اقتصاد للطاقة الكهربائية إلى جانب كل ما سبق. أي أن كلفة الرقمي أقل بكثير بالمقارنة مع التماثلي، لكن شريطة تحديث البنى التحتية وتأهيل أجهزة توليد الطاقة وما سوى ذلك.

هل سيكون مؤدى عنها؟

ليست لدي معطيات دقيقة عن المغرب بهذا الجانب، لكن المؤكد أن فضاء التغطية (50 بالمائة بداية ثم 70 إلى 80 بالمائة متم هذه السنة) مطالب بالتجهيز جماعيا بأجهزة الهوائي الخارجي، والتوفر على هوائي للاستقبال وأيضا جهاز الاستقبال ت.ن.ت (يروج أن ثمنه 400 درهم)، ودون شك بالمستقبل المنظور، اقتناء تلفزات ذات مستقبل مدمج أو مندمج.

المفروض في القطب العمومي ألا يجبر الجماهير على الأداء، لكن هذا الجانب لربما قد يكون آخر المفكر فيه.

أنا أزعم، من زاوية أخرى، أن الأداء قد لا يكون عيبا في حد ذاته، سيما إذا كان متماشيا مع قدرة الناس، لكن شريطة أن يكون ثمة مقابل لهذا الأداء، على مستوى جودة المضامين والمحتويات. وبكل الأحوال، فالمغاربة لا يهتمون (إلا فيما ندر) بالقناتين أو بأجرامهما الماسخة حتى وهي مجانية، فما بالك إذا كان مؤدى عنها.

هل من شأنها تحريك المجال التلفزي؟

اعتماد الرقمي في البث التلفزي الأرضي تجربة جديدة، إذ لا تتعدى أربع إلى خمس سنوات بالدول المتقدمة القريبة منا، كفرنسا أو ألمانيا أو غيرها. وهي ستتعمم دون شك، على الأقل اعتبارا لتوصية الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي أوصى بالعام 2006 بضرورة إلغاء البث التماثلي نهائيا في أفق العام 2015-2020.

التوجه قائم بكل تأكيد، والمغرب مطالب بأن يذهب بهذا الاتجاه. هذا أمر لا يستطيع المرء أن يزايد بشأنه كثيرا. لكن الإشكال كامن بالجانب الآخر، جانب المضامين.

بهذه النقطة، أزعم أن الإشكال ليس إشكالا تقنيا، بقدر ما هو إشكال مضامين ومحتويات. فليس الركون إلى البث التلفزي الرقمي الأرضي، كاف للخروج من وضعية التردي الشامل التي تطاول الأداء التلفزي بالمغرب منذ عدة عقود من الزمن. الجانب التقني هين إلى حد ما، إذ لا يتعدى الأمر التوفر على المال لاقتناء ما استجد من تقنيات. جانب المضامين (أي ما سيمرر بهذه القنوات المتعددة الجديدة) هو المحك. والتلفزة بالمغرب ضعيفة على هذا المستوى وبكل المقاييس، وهذا أمر معروف ومتداول، ولا مجال للكذب على النفس بشأنه.

بمعنى إذا ما تمت إعادة استنساخ الرابعة والسادسة والرياضية والقناتين العموميتين بالرقمي الأرضي، كما هي مستنسخة فضائيا على الساتل وبالتقنية التناظرية أيضا، وبنفس المضامين وبنفس ذهنية الأداء، فالأمر تضياع للوقت ليس إلا، بل إيهام بالإصلاح في حين أن الجوهر قار وثابت وساكن.

 سنعيد هنا بالرقمي الأرضي، استنساخ ما يتم بثه بالتناظري وعبر الساتل. أي أننا حيثما ولينا وجوهنا، ستحاصرنا الرداءة بأبهى صورها...لكن هذه المرة تقنيا.

جريدة الصباح، 27 أبريل 2007 (استقى الأجوبة: أمينة كندي)

* "يحيى اليحياوي لجريدة الصباح: البث الرقمي لن يجنب المشاهد الرداءة التقنية"، استجواب، جريدة الصباح، 27 أبريل 2007.

Vous pouvez partager ce contenu