في الأعوام السابقة، وبالضبط عندما كان العراق عراقا، وحينما كانت بغداد الوجهة المفضلة للكثير من المثقفين والأدباء العرب، ليس طلبا أو سعيا للتعرف على ثقافة البلد، أو للتبادل الثقافي، إنما لما كان يغدق النظام العراقي عليهم من أموال وغنائم لا تعد ولا تحصى...فقد كان البلد صنبورا يصب في جيوب بعض المثقفين والأدباء من بلاد العرب ، بدون استثناء من المحيط إلى الخليج ومن الشرق والغرب..
ألم العراق يزداد بوثيرة غير واقعية وغير سليمة، الدم والقتل والتهديد بالموت لكتابه وشعرائه من طرف مليشيات (.......)، وقبل ذلك كان الحصار والعقاب ومات آلاف الأطفال والشيوخ والنساء، ووجدنا في ذاكرتنا المكدودة، أن الشارع العربي هو الذي تحرك، في حين أن كثيرا من المثقفين والأدباء أعلنوا براءتهم من دم يعقوب وإخوتهم، ونزحوا إلى أفكار تعلن منطق ما هم مع المعية أو الضد، ومنهم من نزح إلى الصمت وانزوى إلى غرق الحياد حتى تمر العاصفة..
لكن يبقى السؤال المفروض علينا كرهنا ذلك أو قبلنا، وكذا أن بلد العراق بلدا عربيا لا يتجزأ منا وهو مهد الثقافة.. هو لماذا أدار بعض المثقفين و بعض الأدباء ظهورهم للعراق...؟
رأي يحيى اليحياوي
أنا صراحة لا تهمني مسألة من أخذ، وممن أخذ، ولأية غاية أخذ. هذه مسألة ثانوية حتى وإن كنت أحبذ أن يأخذ المرء من الرئيس صدام حسين أو مما سواه من الرؤساء والملوك العرب، عوض أن يأخذ من إسرائيل أو من المخابرات الأمريكية أو من جهات تتجسس على حساب مصالح الوطن ومستقبله. سنكون بإزاء أخف الشرين بكثير.
أنا هنا لا أدافع عن أحد ولا أسوغ لسلوك أنا أتقزز منه جملة وبالتفصيل، لكني أعتبر هذا الأمر أمرا ثانويا قياسا إلى ما تعرض له العراق بشرا وشجرا وحجرا، وما يعيش في ظله من تقتيل جماعي على الهوية وعلى الانتماء وعلى الموقف، ناهيك عن النهب الذي يتعرض له البلد في مآثره الحضارية وثروته النفطية واغتيال علمائه بواضحة النهار.
أزعم أن الذين أداروا الظهر للعراق هم أساسا أولئك الذين راهنوا مبكرا على الولايات المتحدة وتماهوا مع تباشيرها في الديموقراطية والتحرير وتحويل المنطقة إلى واحة في الحرية والرخاء. بل إن العديد منهم صدق أكذوبة أسلحة الدمار الشامل وروج لها، وبنى عليها خطابات لا تختلف كثيرا عن الخطابات "الثقافية" والإعلامية التي روج لها الإعلام الغربي المسيطر عليه من لدن شبكة من اللوبيات الصهيونية أو المتصهينة وما سواها.
والذين أداروا الظهر للعراق هم الذين اختزلوا العراق وتاريخ العراق في شخص رأس الدولة، فتصوروا أن بسقوطه ستتحول البلاد إلى نعيم من الحرية والديموقراطية، ولا زالوا يراهنون على ذلك حتى في الفشل الشامل للمشروع الأمريكي وعملائه تحت ضربات المقاومة وثقافة الممانعة التي عبر عنها الشعب العراقي منذ اليوم للاحتلال.
قد يجد المرء بعض الشفاعة للذين أخذوا من نظام الرئيس العراقي (وليس لدي أدنى علم بهوية هؤلاء ولا بالمبالغ التي حصلوا عليها)، لكنه لا يستطيع أن يجدها لمنابر إعلامية (بالخليج تحديدا) يكتب بها "مثقفون" لا يخفون ارتياحهم لما وقع للعراق، ولم تثنيهم عن كذا مواقف انتصارات المقاومة المتزايدة ولا التعاطف الشعبي معها.
قد تسألني: هل السر في إدارة ظهرهم للعراق كونهم باتوا أيتام نظام سقط؟ بهذه النقطة، أنا مستعد لتفهم ذلك، لكن الذي لا يستطيع المرء تفهمه هو الحملة الممنهجة الموجهة ضد الفكرة القومية، ولكأن هذه الأخيرة سقطت بمجرد سقوط نظام كان يتخذها منهجا أو سلوكا أو إيديولوجيا. ما معنى أن يقول البعض إن الفكرة القومية قد انتهت لمجرد أن ممثلها بالسجن؟ ألم يكن العراق على أساس هذه الفكرة يضخ النفط مجانا للأردن ويقيم المساكن الحافظة لكرامة الفلسطينيين بكل العراق؟ فلينظر هؤلاء إلى أحوال الفلسطينيين وكيف ينكل بهم من لدن أولئك الذين أتوا من على ظهور دبابات الاحتلال.
أنا حقيقة كئيب لموقف بعض "المثقفين" العرب عندما تحاصرهم المزايدات السياسية أو يدخلون معمعانها على هذه الخلفية أو تلك. وكئيب أيضا لأن ما وقع للعراق (وللبنان أيضا) كان يستوجب وقفة موحدة دونما استحياء أو مكابرة. وكئيب أكثر لأولئك الذين يخرجون علينا بعض فوات الأوان ليقدموا للناس الدروس والعبر. إنه وضع يثير الشفقة حقا.
* "لماذ أدار المثقفون والأدباء العرب ظهورهم للعراق؟" ، تصريح لمجلة الحقائق، لندن، 28 أكتوبر 2006.