Aller au contenu principal

"التآكل المفضي للتشظي: حالة الاتحاد الاشتراكي بالمغرب"

news-details

بأعقاب انتخابات السابع من شتنبر الماضي بالمغرب، كنت ضمن المراهنين الكثر على انسحاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تدبير الشأن العام، وانتقاله التلقائي إلى جبهة المعارضة، إعمالا بمبدأ الأغلبية والأقلية الواضح الشروط والآليات:

+ فالحزب خسر الانتخابات البرلمانية العامة، ليس فقط بمقياس رتبة المؤخرة التي آلت إليه ضمن الأحزاب "الكبرى"، أو بعدد المقاعد المحصل عليها بالنتائج النهائية، ولكن أيضا بتهاوي العديد من رموزه الكبار، وبمناطق نفوذهم التقليدية في بعض منهم، أمام مرشحي أحزاب ثانوية ووجوه نكرة، ناهيك عن تخوف العديد من قياداته خوض غمار الانتخابات مخافة سقوط مؤكد ومهين، أو رجم بالحجارة من لدن المواطنين سئموهم لدرجة التقزز.

+ والحزب لم يقرأ التدني الصارخ لنسبة المشاركة (حوالي 83 بالمائة من الكتلة الناخبة قاطعت، أو صوتت بأوراق بيضاء) في كونها مقاطعة وعقابا شديدا له، هو الذي ثوى خلف تدبير الشأن العام لأكثر من عقد من الزمن، بل كابر وتمنع وأول، واعتبر ذات النسبة من تقصير التواصل السياسي، ومن تعقد النظام الانتخابي، ومن عزوف المواطنين عن ممارسة السياسة، في بلد تضرب فيه الأمية الأطناب، بين الكبار والصغار على السواء.

+ والحزب كابر وتمنع، وأمعن في الدفاع بالإيجاب على ما زعمه منجزات له بالحكومات المتتالية، لم تلمسها البلاد إلا بالسليب السالب، ولم يذق منها العباد إلا مزيدا من الإرهاق والإكراه، والتضييق على ذات البين من بين يديه ومن خلفه. لا، بل إن الحزب برر لفشله وسوغ، بكونه كان الوحيد الذي تجرأ فدافع عن ذات المنجزات بحملته الانتخابية، فيما أدار لها الظهر شركاء له بالحكومات إياها، لربما كانوا يدركون جيدا أن ركوب كذا طروحات غير مضمون العواقب، فانصرفوا عنه لفائدة توزيع الوعود، ودغدغة قلوب الجماهير بالكلام المضبب.

+ والحزب، بمحصلة كل ذلك ولربما بسبب منه، قبل بالاستمرار في الحكومة الحالية، على خلفية من الادعاء بأن حليفه في الحكم (حزب الاستقلال، المصنف الأول بالمقاعد) أضحى على رأس الوزارة، وأنهما متعاهدان وملتزمان بالشروع في تنفيذ "الجيل الثاني من الإصلاحات"، وأنه من الغبن كل الغبن، يقول ذات الحزب، ألا يذهب بعيدا فيما باشره من "إصلاحات" لحين قطف ثمارها تنمية للبلد، وإشعاعا رمزيا يحسب بتاريخ الحزب ضمن ميزان إنجازاته.

لم يفاوض الحزب (كاتبه الأول أقصد)، لم يفاوض كثيرا للظفر بمناصب وزارية معتبرة (كيف له ذلك وهو بموقف تفاوضي ضعيف للغاية؟)، بل قبل مكرها بوزارات ثانوية،  لا يعتد بها ولا ثقل سياسي لها يذكر، فيما قبل ذات الكاتب الأول باستوزار مهين، منحه وزارة بدون حقيبة، لم يرضها له المتعاطفون مع الحزب، ولا المتابعون لمسيرته على مدى أربعين عاما، فما بالك بالحاملين لبطاقته (بطاقة الحزب)، المنضوون تحت لوائه فكرا وتنظيما.

وعلى الرغم من انفراط هذا الفصل من يوميات الحزب،  وطي صفحته بسرعة وتجاوز كبيرين، وتحول الناس إلى تدبير معاشهم القاهر، بعد صيف كان مشحونا بأكثر من جانب، فإن الغصة داخل الحزب والإهانة التي طاولته، بقيت ملازمة لجماهيره، وأيضا لمستويات قيادية بداخله، لم ترض على أداء الحزب بالانتخابات، ولا بمشاورات على الوزارات فوضت أمرها لكاتب أول، فإذا به لم يفلح إلا بفتات الوزارات، وبمقعد نكرة له، وبوزارة للعدل كانت من نصيب صديق "تاريخي" له (ونائبه بالكتابة الأولى)، أدمن المناصب والسلطة، فباتت تسري بذاته مسرى الدم بالعروق.

وعلى هذا الأساس، فإن دفع المكتب السياسي للحزب لمحمد اليازغي وعبد الواحد الراضي إلى "الاستقالة" من ذات المكتب (وهما عصبه التنظيمي، ورأس هرمه بامتياز) إنما أتى أو هكذا يبدو الأمر للعامة من ضمننا، ليضع حدا بات ضروريا لذلك (حتى وإن كان غير كاف بالنسبة للبعض) واستدراك ما يمكن استدراكه، من بريق حزب تآكلت مصداقيته بقوة، وتهاوت رمزية لطالما راهن عليها للتميز عما سواه من أحزاب وتكتلات، وبات بالانتكاس عنها حزبا إداريا خالصا، لا تمايز له يذكر عن أحزاب للسلطة، داومت على التماهي مع القصر لدرجة الاندغام المطلق.

إن قراءة أولية لعملية "إقالة" الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ونائبه من المكتب السياسي، إنما تحمل بصلبها دلالات سياسية كبرى، ستجعل حتما من تاريخ الإقالة إياه تاريخا مفصليا، بالاحتكام إليه يمكن استقراء مآل مرحلة لا تربو عن العقد من الزمن، لكنها كانت ولا تزال حبلى بالنكسات والعبر:

+ فهي تعبر بالقطع عن أن مرحلة التوافق والتراضي قد انتهت إلى غير رجعة، وأن الثابت القار هو تمركز المبادرة بين يدي القصر، يوجهها حيثما شاء، وقت ما شاء، أعني حيثما كانت مصلحته، أو حيثما أشير إليه بالمسبار، لا يعمد في ذلك إلى إعمال أخلاق السياسة، أو مستوى ودرجة ردة فعل الفاعلين.

لم يكن خطاب التراضي والتوافق، الذي باشره الحسن الثاني وعبد الرحمان اليوسفي، والقرآن بينهما شاهدا، لم يكن بالأصل أداة حكم أو منظومة تدبير، بقدر ما كان آلية مؤقتة بالارتكاز عليها ضمن الحسن الثاني، وهو مقبل على الرحيل، انتقال الحكم لابنه دونما منغصات أو مزايدات، أو شد وجذب...أما وقد تم ذلك، بعد وفاة الملك، دونما منغصات، فقد استنفذ الإجراء وظيفته، وآن لماكينة صنع القرار وتصريفه أن تعود إلى صورتها الأولى، صورة المركز المقرر، والهوامش الدائرة من حوله، المقتصر دورها على التنفيذ بالحرف.

+ وهي الفترة (فترة 1998-2007) التي تعبر بالصريح الواضح، على أن أدبيات "الانتقال الديموقراطي" إنما كانت للاستهلاك الجماهيري الواسع، مادام العنوان الدستوري غير مطروح، وصلاحيات القصر داغمة بصلبها لكل موازين تدبير أحوال الناس، في دنياهم المباشرة، كما في حال دينهم المتجذر.

لم يرتكن الاتحاد الاشتراكي إلى ذات الأدبيات فحسب، بل ركبها وتبناها وآمن بها، وجاهر بانتفاء ما سواها (ألم يقل اليازغي ذاته بأن المخزن قد انتهى؟)، بل وراهن عليها لضمان البلوغ إلى ديموقراطية، لطالما نادى بها، وترك على محرابها العديد من الشهداء من أبناء الشعب.

+ وهي تعبر، فوق كل هذا وذاك، وقد بات محمد السادس ملكا للبلاد، عن حالة من التنافي الموضوعي بين ملكية تنفيذية، حاضرة بقوة بكل المجالات (بما فيها مجالات الحكومة)، وتطلع دائم من لدن حزب كالاتحاد الاشتراكي لطالما أكدت أدبياته وأوراقه الداخلية على جوهرية فصل السلط، وشدد "قادته" على ضرورة تقوية مؤسسة الوزير الأول، ليكون مسؤولا مباشرا على تدبير الشأن العام، وتقديم الحساب للجماهير بالمحصلة.

وعلى هذا الأساس، فإن الذي يجري اليوم من بين ظهراني الاتحاد الاشتراكي (مدشن التناوب والتراضي، وقلب "مطية الانتقال الديموقراطي"، والدافع بعد ذلك بخطاب "المشروع الديموقراطي الحداثي") إنما يؤشر على سراب كل ذلك بالجملة والتفصيل، ويؤشر على أن ما أقدم عليه الحزب بالعام 1998 وإلى ما بعد انتخابات السابع من شتنبر، إنما كان نزوة في بعض من جوانبه، وطموحات شخصية لبلوغ الاستوزار بجوانب أخرى، ومطامع ذاتية لتدارك جزء من مغنمة الثروة والسلطة، كانت متعذرة المنال والحزب بالمعارضة قابع، متشدد التوجه، غير قابل للمهادنة، فوجب بالتالي، تطويعه وتذويبه، واستئصال ميزة الاحتجاج المميزة لأدائه، منذ سبعينات القرن الماضي.

وعلى الأساس نفسه، فإن "معاقبة" اليازغي والراضي (دونما سواهما من مكتب سياسي، بات به من النكرات نسبة كبيرة) إنما هي إيذان بانتهاء سراب لطالما راهن عليه الشخصان، وزجا بالحزب على خلفيته، حتى بلغوا به أتون الهاوية في أقصى صورها ومعانيها. وتؤشر، فضلا عن كل ذلك، على أن "العهد الجديد" إنما يرتب لمرحلة جديدة، يبدو أنه عقد العزم على تدشينها، بتطويع الطيع كما الخشن سواء بسواء... ليغدو الجميع ببوثقة واحدة، وفي فلك واحد يدورون، دونما حد أدنى من التمنع أو الممانعة.

إن الذي آل إليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب (بظروف داخلية موضوعية، كونه اتحادا بالبداية وبالمحصلة، أو بمؤامرة خارجية صرفة، أو بهما معا)، لا يشي فقط بانفراط مرحلة وتواريها النهائي أمام "متطلبات العهد الجديد"، بل ويشي أيضا بتآكل للحزب إياه (كالسرطان المتدرج)، أزعم أنه ابتدأ منذ العام 1998، تاريخ تعاهد الحسن الثاني واليوسفي على "أمر" لا ندري لحد الساعة كنهه أو مضمونه:

°- فالتآكل بدأ عندما سار اليوسفي بجهة إغراءات الاستوزار، مع فصيل له مساند (استوزره معه، وبتحصيل حاصل) دونما رضى قواعد الحزب. وكذلك فعل اليازغي بعد انتخابات شتنبر 2007، ولكأني بهما ينهلان من معين فكري أحادي واحد، جر على الأول مصداقيته، فاعتكف بمنزله، بعدما أهانه القصر وآثر تكنوقراطي صرف عليه، وجر على الثاني إبعادا من المكتب السياسي سيفضي حتما إلى إقصائه، ودفعه مكرها للاعتكاف بمنزله، لكنهما أسهما معا بنصيبها الأوفر في تفريخ الأحزاب، واستنساخ بعضها البعض إلى ما لانهاية.

°- والتآكل استمر عندما أقصيت شبيبة الحزب، وأغلق مقرها بالشمع الأحمر، وعندما طردت النقابة، رافد الحزب الجماهيري والعمالي بامتياز، وعندما ضيق على نخبه المتنورة المفرزة للأفكار والحاضنة لإيديولوجية الحزب، وعندما مورست الرقابة على صحيفته، فباتت بالسوق أكواما لا يتصفحها أحد، بعدما كانت نسخها تستنفذ قبل منتصف النهار. وقد كتبت لمدة طويلة بعمود بها أسبوعي، إلى حين تضايق مشرف على ملحق بها، يترزق من كذا منابر، فقاطعتها كتابة من حينه. عن أية ديموقراطية يدافع الحزب إذن، إذا كان يضيق داخليا بأهله وذويه، ينفرهم من الحزب، ولا يأسف على انسحابهم منه فرادى وجماعات؟

°- والتآكل تكرس وتجدر عندما انتهى الحزب إلى تسويغ سياسات الحكم والمشاركة بها، وتوافق معه (مع الحكم) على نظام للأحزاب والانتخاب مقصي، ومنظومة في تقطيع الدوائر ظالمة بكل المقاييس (فكان مقتله بجريرة آلياتها)، لا بل عمد إلى تزكية مرشحين لا علاقة لهم بالحزب (على حساب مناضلين بدوائر مولدهم)، لا شفاعة لهم إلا شفاعة ما اكتنزوا من مال حرام، أو ما احتكموا إليه من جاه وسلطة...لا، بل وراج بالإعلام أن مقر الحزب الجديد بإحدى أحياء العاصمة الراقية، إنما هو من تمويل مبيضي المال، المال الحرام بلغة القانون.

الحزب إذن طاوله التآكل بكل مناحيه وروافده، وإن تسنى للمكتب السياسي الحالي أن يبقى على رأس الحزب إياه، فلسوف يفضي به صوبا ولا محالة للتشظي:

°°- فكاتبه الأول لم تتوفر له القدرة على تدبير شؤون الحزب واختيار جهة تموقعه المناسب بعد فشله بالانتخابات ولربما قبل ذلك، إما بسبب من ضعف الكاريزما لديه (ونحن نزعم بضعفها حقا، على الأقل بالقياس إلى من سبقوه بنفس المنصب)، أو بسبب من تراجع حاد لحزب بدأت تتلامز وتتهامز عليه أحزاب حليفة له، فما بالك بأحزاب الإدارة التي باتت تتشفى في مآله سرا وفي العلن، ناهيك عن ثلة من أعضاء به، لم يعد استوزارها فثارت ثائرتها، وأزعم أنه لم يكن لها لتثور لو أعيد استوزارها مرة أخرى.

من تحصيل حاصل، والحالة هاته، أن يكون المكتب السياسي صورة طبق الأصل لكاتب أول تنعدم من بين ظهرانيه القوة على الجمع والتأطير، ولا يصدق أعضاء الحزب المؤتمن على سره، سيما عندما يدعي مثلا أن لا دخل للقصر بتعيينات الوزراء، فيكذبه وزيره الأول مباشرة، وبعض من نواب أحزاب السلطة فيما بعد.

°°- وكاتبه الأول تماهى مع القصر (واندغم بكرسي السلطة أيضا) لدرجة لم يعد بمستطاعه  الانسلاخ عن ذلك ليعود للتأطير الجماهيري الخشن، أو التنظيم الحزبي المستهلك للوقت والجهد والطاقة... والرجل بكل الأحوال تجاوز العقد السابع من عمره. ويبدو أنه، على الرغم من ذلك، غير عازم على التسليم بسهولة، وإن أرغم حقا على ذلك، فسيعمد حتما إلى إحراق الأخضر واليابس، نكاية في غرماء له، كانوا بفلكه يدورون... وقد يذهب بأحسن الأحوال، إلى تلغيم كل حقول الحزب، لينفجر مباشرة بوجه "زعماء الحزب الجدد"، فيتحسروا مجتمعين على عهده، و"مثالية تدبيره"، ويحنون إليه بالتالي.

°°- وكاتبه الأول بات مرتهنا بلوبيات مصالح ذاتية، وبوعود قطعها لأعضاء بالحزب لم يستوزروا أو لم يعمد إلى إعادة استوزارهم ، وتبين له أنه من العسر عليه حقا التفريط فيهم، أو التبرم عنهم، أو التجاوز على ما التزم به إزاءهم ونحوهم. لهذا السبب، لم يبق له من المؤيدين بالحزب إلا بعض من عناصر حزب لقيط (الحزب الاشتراكي الديموقراطي أقصد) التحق به أفراده بعدما فشلوا كحزب، وكانوا يراهنون عليه لتحصيل فتات بعض من المناصب والغنائم، فشدوا عليه بالنواجد ولا يزالوا، على الأقل لحين إدراك مبتغاهم كاملا، فيتبرموا عنه بالجملة والتفصيل، باعتباره بات الورقة الخاسرة بامتياز داخل الحزب وخارجه.

لطالما منيت النفس والخاطر بأن أرى أناسا من هذه الطينة (طينة اليازغي والراضي وغيرهما) ينصرفون للتفرغ لكتابة مذكراتهم مثلا، أو لقراءة ما لم يكن بمقدورهم قراءته أو مشاهدته بالسينما، أو الاستمتاع ببقية عمر بات قصيرا، من بين ظهراني أحفادهم وأحفاد أحفادهم، أو قضاء بقية العمر في التأمل في ملكوت الكون، والاقتراب من الخالق استعدادا للانتقال إلى جواره، ويتركوا بالتالي لنخب شابة مامورية إكمال المشوار. أما وأن الرجال من هذه الطينة بالمغرب قليلون للغاية، فإن ما وقع للكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، لربما سيدفعه للاستنفار من جديد، إلى حين تلقيه الضربة بالمقتل...سياسيا بالتحديد.

إن سياسيينا كما مثقفينا كما مفكرينا لا يتقنوا بمعظمهم فن الختم، فيسقطوا تلقائيا بالمحذور وهم بأرذل العمر، فلا يمشي بجنازتهم إلا نفر من الناس...ولا يتكفل بوضعهم داخل القبر إلا "حانوتي" بسيط، قد لا يعرف من الشخص المراد حشره إلا الجثة... الجثة الهامدة وهي مستسلمة لقدرها المحتوم.

* "التآكل المفضي للتشظي: حالة الاتحاد الاشتراكي بالمغرب"، شبكة الرافدين، 10 دجنبر 2007. التجديد العربي، 10 دجنبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 11 دجنبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 13 دجنبر 2007. جريدة سايس أخبار، العدد 126/127، يناير 2008.

Vous pouvez partager ce contenu