Aller au contenu principal

"أمريكا الشمولية: الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم"

ميشيل بينيو موردانت، ترجمة. حامد فرزات، منشورات اتحاد الكتاب العرب

دمشق، 2001، 243 ص.

1- ولد ميشيل بينيو موردانت بالعام 1947. درس الأدب واللسانيات الإنكليزية والفرنسية، والفلسفة الصينية في جامعات نيوشاتل وفريبور وأكسفورد.

حصل على الإجازة، ثم الدكتوراه في الآداب. ويعمل حاليا أستاذا بجامعة فريبور بسويسرا.         

أما حامد فرزات، فقد ولد في العام 1953. درس في لبنان، وحصل على شهادة في الفلسفة وإجازة في الآداب من جامعة دمشق، ثم تابع دراسته في جامعة السوربون الجديدة في باريس، حيث حصل على شهادة دراسات معمقة حول الكاتب إميل زولا، ثم على شهادة الدكتوراه. ويعمل حاليا أستاذا مساعدا في جامعة دمشق، كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية.

2- بمقدمة مترجم هذا الكتاب، نقرأ ما يلي: "لقد عملت الولايات المتحدة منذ تأسيسها، على فرض سيطرتها وإرادتها على دول العالم، في كل  المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسة والدبلوماسية والثقافية والفنية، غير أبهة بالآخرين، وبالصديق قبل العدو".

ويتابع: "لقد فهمت الإدارات المتعاقبة على السلطة في الولايات المتحدة، بأن التحكم بالعالم لا يكفيه فقط امتلاك القوة العسكرية الضاربة، والهيمنة على أسواقه وحكامه، بل هو بحاجة لوسائل أخرى، تصل إلى إخضاع جميع أفراده، حتى تنتهي عملية الاستلاب على وجهها الأكمل. فلم تكتف بإخضاع النفوس، بل أرادت إخضاع الرؤوس أيضا، وذلك عن طريق محو وإبادة ذاكرة الشعوب، فطالت هيمنتها عالم الاتصالات والسينما والتلفاز واللباس والجنس والطعام والشراب واللغة" وما سواها، متمترسة خلف إيديولوجية ليبرالية متطرفة، اتخذتها كعقيدة تجارية واقتصادية.

فخلال صعود الليبرالية الجنوني، يقول المترجم، "أدركت الولايات المتحدة أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي، في العادات والتقاليد والمعتقدات والقوانين والثقافات، يشكل حواجز وروادع إنسانية وأخلاقية أمام انتشارها، فكان لابد من وضع خطط تفرض الرأي الواحد وتمحو هوية الآخرين".

3- أما المؤلف، فيبدأ في تمهيده، بالإشارة إلى أن "موقف الولايات المتحدة غير مفهوم لدى كل من ليس له معرفة بشؤون العالم، وحتى لدى المراقب الفطن الذي لم يدخل في متاهات التاريخ الأمريكي. هو غير مفهوم أيضا لدى بعض الرجال السياسيين المجربين، الذين لم يتوصلوا بعد كباقي أغلب المواطنين، للشك بأن ديمقراطية ما وراء الأطلسي أصيبت بهوس استبدادي حاد".

ويعتقد أن "واشنطن تفرض وتأمر وتقرر وتستولي على الدول، أو على الشخصيات الاعتبارية، مهددة هذه الدولة بالعقوبات، والأخرى بالخنق بواسطة الحظر، وغيرها بالحرب الاقتصادية المدمرة، دون اعتبار لأي كان".

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول كبرى، حاول المؤلف من خلالها توضيح المقصود بأمريكا الشمولية:

+ بالفصل الأول ("نحو قيام الأمة المشمولة بالعناية الإلهية: من أين اتت أمريكا؟") يبدأ المؤلف بحقيقة مفادها أن استعمار أمريكا قام، منذ البداية، في إطار أيديولوجي ثنائي الهدف. كان البحث عن الثروة هو بالطبع الهدف الأساسي، ولكن أيضا كان هناك الهدف الآخر، وهو العمل على تمجيد خلق الله. أضاف إذن المستوطنون إرادة روحانية لشعب يدعي بأنه شعب مختار، لإقامة مجتمع جديد مميز، قادر على إعطاء الدروس لباقي العالم، وجاءت هذه الإرادة لتضاف إلى جوعهم للأراضي، وإلى هشاشة أوضاعهم"، لدرجة يقول المؤلف، على لسان المؤرخ الأمريكي دنيال بورستن:"لم يكن هناك شعب في التاريخ واثق من أنه على الصراط المستقيم مثل الشعب الأمريكي".

أما مرجعهم المطلق، يؤكد الكاتب، فكان التوراة، ومنه كانوا يستمدون رؤية الواقع بشكل مشوه، "فكان كل عضو منهم يرى بأن الشعب الجديد هو شعب الله، وكل خصم كائن من كان، يختلف معهم حول هذا النموذج اعتبر عدوا لله، وتتم معاملته على هذا الأساس. وكل ما يحدث كان سببه الله أو الشيطان، فراح الكتاب ورجال الكنيسة والمثقفون والأساقفة وعلماء الأخلاق، يتنافسون بالمديح".

من هنا، شعر الشعب الأمريكي بأنه مخول بأن يفرض وجهة نظره على العالم أجمع. وتكونت لديه القناعة التي لا تزال مترسخة بذهنه، "بأن الدولة الجديدة قد اختارتها الإرادة السماوية، ومن هذا الخيار نتج فيما بعد، الشعور بواجب القيام بهذه المهمة الكونية بجدارة".

وإذا كان الهنود يشكلون حضارة، تمتلك ثقافات متنوعة، وتعرف الطب، ولديها رؤية حقيقية سياسية، ورؤية كونية، وديانة، وأدب شفهي يحتوي على أساطير، فقد جردوا تقريبا من كل شيء، وإن حصلوا على المواطنة الأمريكية في العام 1924، فقد كان عليهم التخلي عن كل ما يمت بصلة إلى هنديتهم. "واليوم لا يحسدون على وضعهم، فثلثهم يعيش تحت عتبة الفقر، وحذرهم من البيض بقي على حاله"، يقول الكاتب.

 وهو الحال نفسه مع السود، إذ "لم يؤمن جفرسون أنه من الممكن إدماج كائنات إنسانية، لم تتلق شيئا من الإرث الأنكلوسكسوني في الديمقراطية الأمريكية. وكان جون توكر مقتنعا بأن متعة الحرية كما هي موجودة في الولايات المتحدة، لا يمكن أن يستوعبها السود المحررون"... ومن هنا قام مفهوم اعتبار الأبطال المؤسسين كأولياء. "فواشنطن وجفرسون وفرانكلين والآخرين، اعتبروا أفرادا فوق البشر، وغير قابلين للفناء. وقد تغذت هذه الفكرة الأساس من التوراة، ومن معتقدات المتشددين، وربما أيضا من الفلاسفة".

بالتالي، يعتقد المؤلف، فإن أمريكا اليوم هي أقرب ما تكون لأمريكا الأمس..."إنها أمريكا الاستبعاد، أمريكا العنصرية التي تحلم بعالمية في المستقبل، معنوية وغير مجسدة عنها. وهي قانونية صرفة. إنها تلك التي تريد أن تزود العالم بمؤسسات ذات وجه واحد، قادرة في كل مكان على فرض حضارة قائمة على نموذج واحد، ترى أنه النموذج الشرعي، وهذا النموذج هو نموذجها"، نموذج التصوف والتدين والتعلق الهذياني بفكرة الأمور السماوية والعالم الآخر.

ولما كانت الليبرالية هي العصب الأساس، فقد "أصبحت القارة بأكملها، أشخاصا وحيوانات وأرضا وأفكارا دون تمييز، عبارة عن سلعٍ، تعرض للبيع بالمفرق"، وبلا حدود. بهذه النقطة، يوضح المؤلف أن "الحدود هي خط متحرك بشكل دائم، ويتغير دون توقف، وهي رمز للتملك المتطور واللامحدود في آن واحد. فالأرض الوطنية ليست أولا جغرافية، بل إنها قبل كل شيء ذهنية".

ويلاحظ الكاتب، بخاتمة هذا الفصل، أن الديانة والاقتصاد والسياسة والأعمال العسكرية اختلطت بشكل مبهم ومعقد، "بحيث لا يمكن الفصل بينها في أيديولوجية واحدة غير محددة الأطر، ولكن أهدافها كانت راسخة".

+ بالفصل الثاني ("خضوع الدائرة الثالثة")، يوضح المؤلف أن دائرتين أصبحتا مبكرا تحت هيمنة الولايات المتحدة: حدود أراضيها الشرعية (الدائرة الأولى) لم تكن موضع نقاش، وسيطرتها على أمريكا  اللاتينية (الدائرة الثانية) باتت أقوى من السابق، "وفيما عدا الشريحة المعدمة من عامة الشعب، لم يكن هناك أحد على المستوى الدولي يعترض على هذا الواقع اعتراضاً جديا".

كانت أوروبا، بأعقاب الحرب العالمية الأولى، تحرق وتنزف وتدمر، وكان المنتصر الحقيقي في ذات الحرب هي الولايات المتحدة. "وبشكل بسيط وبريء، ولكن أيضا بفضل مهارتهم الخالدة، استطاع الأمريكيون أن يعطوا عن أنفسهم الصورة الإيجابية، فاعتقدت أوروبا بأن الأمريكيين اجتازوا المحيط من أجلها"، في حين أن العكس هو الذي كان قائما.

وكانت البنية الضمنية لإنشاء المنظمة الدولية المستقبيلة (عصبة الأمم) في ذهن الولايات المتحدة، وفية للمشروع الذي غرست بذوره في الحلم الأمريكي، قبل أكثر من قرنين. "فعلى عصبة الأمم أن تكون مطابقة لنظام عالمي مثالي، قائم على المبادئ الليبرالية. والحرب باتت ممنوعة، وأصبحت من الآن فصاعدا جريمة، وسيكون الحق لكل المدافعين عن النظام العالمي، بأن يشهروا السلاح بوجه كل دولة معتدية".

إن الولايات المتحدة استخدمت هنا خطابا من وجهين. ففي المعاهدات كلها كانت بالطرق الدبلوماسية وبالدعاية، تضعف الآخرين  وخاصة الأوروبيين، وكانت تستخدم السلاح الاقتصادي كمتمم للسلاح الدبلوماسي والأيديولوجي لبلوغ ذلك.

وقد دل انهيار عام 1929 إلى أي درجة كان يشكل النظام الاقتصادي العالمي سلاحا مرعبا، وقد استخدمته الولايات المتحدة كأداة لغزو الكرة الأرضية.

وجهد الرئيس روزفلت لإقناع مواطنيه، "بأنه لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة ترسانة الديمقراطية، بل يجب عليها المشاركة بفاعلية في الحرب الصليبية ضد إمبراطورية السوء (اليابان وألمانيا)".

بالتالي، فقد أتاحت المجابهة مع اليابان للولايات المتحدة، أن تهيء وتنجز السيطرة السياسية ومن ثم الاقتصادية على آسيا، تماما كما فعلت واشنطن في أمريكا اللاتينية.

من هنا، وحتى قبل نهاية الحرب، ضمنت الولايات المتحدة هيمنتها النهائية على النظام الاقتصادي العالمي.

+ بالفصل الثالث ("الشبكة الكونية الأمريكية") يعتقد الكاتب أن سيطرة الولايات المتحدة على النظام الاقتصادي، لم تمثل إلا مرحلة من التقدم الأمريكي نحو التفوق العالمي. "لقد فرغت أوروبا بعد عام 1945، عمليا من مقوماتها، فرأت الولايات المتحدة أن الوقت قد حان أخيرا، من أجل إقامة هيمنتها السياسية والعسكرية والثقافية في آن واحد". وكانت منظمة الأمم المتحدة بمثابة وضع الحجر الأساسي للمنظمة الدولية المستقبلية الضرورية لتحقيق التفوق السياسي الأمريكي، والذي كان بشكل مؤقت تفوقا أمريكيا سوفيتيا.

من هنا، فما لم يستطيع الرئيس ويلسون الحصول عليه في عصبة الأمم، استطاع روزفلت فعله أخيرا.

لقد كان تحت تصرف الولايات المتحدة أول شبكتين من نسيجها الشامل: الأولى اقتصادية وهي تتمثل بالنظام النقدي الدولي، والثانية سياسية ودبلوماسية تتمثل في منظمة الأمم المتحدة. وعن طريق استخدام التهديد السوفيتي والشيوعي كحجة مرعبة، "وافقت الدول الأوروبية (ما عدا فرنسا الديغولية) على كل مخططات الحكومة الأمريكية، وعلى توقيع كل الاتفاقات التي عرضت عليهم، والتي حاكت بيت العنكبوت السياسي والاقتصادي والنقدي والاستراتيجي والدبلوماسي شيئا فشيئا، فأوقعت واشنطن وبشكل هادئ العالم الحر الأوروبي بشركها".

وقد بنت لذلك المؤسسات المختصة من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والأمم المتحدة، والغات، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، والحلف الأطلسي، والجميع تحت سيطرة واشنطن. وقد كان المدى البعيد الهدف، هو "توحيد العالم، وتخليصه من كل أثار للثقافة الأصلية المستندة على التاريخ، وكذلك العمل على توحيد الأذواق والتقاليد واللباس والمواقف الفكرية، وإبدالها بالتصرفات ذات الشكل الأمريكي".

وقد اعتمدت الولايات المتحدة في ذلك، شبكة من الإجراءات غير المشروعة لقطع الطريق على منافسيها: اللجوء إلى العقود العامة، وإلى الحواجز الصحية، وإلى نسبة الحصص، وإلى توزيع الحصص، وإلى الرسوم الجمركية المناسبة، وإلى اتفاقات الحد الطوعي…إلخ، وكلها سمحت للولايات المتحدة بأن تبسط هيمنتها الاقتصادية على العالم.

كما اعتمدت على تفوقها في المجال العسكري، فأرست صرحها في هذا المجال عبر حلف شمال الأطلسي، "وشكلت اللوبي الذي سيكون تأثيره حاسما في الصراعات المستقبلية"، ووجدت هيئات الأركان والجيوش الأوروبية سجينة شبكة من هيئات أركان دولية رؤوسها الأساسية كلها أمريكيون.

كما دفعت التغييرات الأساسية، التي حدثت منذ انهيار المعسكر الشيوعي، الأمريكيين إلى متابعة تفوقهم، فتشكلت لديهم أولويتان: "العمل على إقامة الانسجام بين الجهد الدفاعي والواقع القائم، والمحافظة على تفوقهم السياسي والعسكري في العالم"، بغرض بسط هيمنتهم على كامل الكرة الأرضية بواسطة كل الوسائل العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية الضرورية، والدفاع عن مصالحهم: في 7 يناير من العام 1991، أوضح الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في جريدة نيويورك تايمز، بأنه "نحن لا نذهب إلى هناك للدفاع عن الديمقراطية، لأن الكويت ليست بلدا ديمقراطيا، ولا يوجد بلد ديمقراطي في المنطقة… ونحن لا نذهب إلى هناك للدفاع عن الشرعية الدولية، نحن ذاهبون إلى هناك وعلينا أن نفعل ذلك، لأننا لا نسمح لأحد أن يمس مصالحنا الحيوية".

وفي الوقت الذي كانت أغلب دول المنطقة قد قبلت بهيمنة واشنطن، ارتكب العراق غلطة امتلاك وسائل استقلاله وخاصة الاقتصادي والسياسي، الشيء الذي اعتبر غير مقبول، فبعث من جديد "النظام الاستعماري القديم، واستبدلت الأمم المستعمرة القديمة بالولايات المتحدة، وضعفت سلطة العرب، بينما حصلت دول الخليج ذات الأنظمة غير الديمقراطية على ديمومة امتيازاتها، مقابل صلاحيات أمريكية على النفط، وضمان عدم اتحاد العالم العربي إلى الأبد".

+ بالفصل الرابع ("إخضاع العقول") يوضح المؤلف أن الإمساك بثلاثة احتكارات هو أمر أساسي بالنسبة للولايات المتحدة: القوة العسكرية، وقد حصلت عليها بواسطة منظمة الحلف الأطلسي، وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء وبيع الأسلحة، والسلاح النووي على مستوى العالم الغربي، ثم احتكار الاقتصاد، وكان قد أصبح فعليا بشكل جزئي منذ اتفاقيات بريتون وودز عام 1944، حيث أصبح معيار النقد الدولي العملة الوطنية الأمريكية، ولا يزال هذا المعيار قائما حتى الآن، ثم احتكار وسائل الاتصالات، بغرض إقحام المعتقدات والعادات بالرؤوس، من أجل أن تجعلها متناسبة مع الطاعة والولاء.

من هنا نفهم، يقول الكاتب، السيطرة منذ البدء على الدعاية، واحتكار وكالات الأنباء الدولية الكبرى، وغيرها.

فقد أدركت الولايات المتحدة أنه عن طريق الصحافة والسينما والتلفاز والراديو، يتم تكييف الثقافة والتقاليد والإعلام والسياسة واستخدام القوة، وحتى كتابة ولفظ الإنكليزية بالطريقة الأمريكية، وإدخال هذه الطريقة في العقول.

صحيح، يلاحظ المؤلف، أن الأمريكان لم يخترعوا الدعاية، إلا أنهم بالمقابل هم الذين جعلوا منها سلاحا فعالا، للتحكم بالجماهير، وللغزو السياسي والاقتصادي والثقافي، عبر إبدال مخيلة بأخرى أي المخيلة المتعددة التمثل الخاصة بالثقافة الأخرى بمخيلة أحادية البعد، تجارية نابعة من الاختزال الاقتصادي الملازم لليبرالية.

ثم هناك مجال اللغة، إذ يلاحظ المؤلف أن اللغة الأم لكل شعب مهددة بالعدوى الأنكلو/ أمريكية: الولايات المتحدة تحاول أن تتعامل مع باقي اللغات بنفس الأسلوب الذي تتبعه  بالسياسة والاقتصاد وبالثقافة، أي أسلوب الإبادة التدريجية. بالتالي، فإن أمركة العالم بواسطة اللغة، تشكل سلاحا خطيرا، يستعمله الأمريكيون بحذاقة بواسطة الجذب تارة، والقوة تارة أخرى.

+ بالفصل الخامس ("هل نستطيع أن نتخلص من الأمبريالية الأمريكية؟") يؤكد المؤلف أن الولايات المتحدة تمسك بيدها اليوم الأوراق الأساسية في اللعبة الكونية . فلا يمكن اتخاذ أي قرار جوهري ولا إقرار حل حاسم دون موافقتها.

في المحيط الهادي مثلا (بإزاء طموحات الصين أو كوريا الشمالية)، لا أحد يقاسمها العظمة. وبأوروبا تتأكد ذات العظمة، حيث تبلغ نفقات الولايات المتحدة العسكرية مجموع ما تنفقه فرنسا والمانيا واليابان وروسيا والصين.

ثم إن القضية اليوغسلافية أتاحت لواشنطن امتحان الأمم المتحدة، التي باتت تعترف بالحلف الأطلسي كونه ذراعها المسلح، وبأن الحلف قد أصبح جاهزا لخدمة المصالح الأمريكية عسكريا، في كل مكان ترى الولايات المتحدة أن ذلك بات ضروريا.

إن الولايات المتحدة، يقول الكاتب، "بواسطة اللعب بذكاء بالتخويف، وبالجذب، وبسياسة الأمر الواقع، وبالابتزاز، وبحبال المودة، وبكل الوسائل الأخرى"، توصلت تدريجيا إلى بلورة المشهد الجيوستراتيجي حول أقطاب ذات ميل كبير للاحتكار الأحادي ولاحتكار الأقلية لسوق العرض. وفي المجالات التي يعول عليها كان الأمريكيون يملون قانونهم على مجمل الأمم.

إنها تمتلك الأداة لتفرض بالقوة متطلبات سياستها التوسعية، كيف ومتى ما أرادت، وهي تقتسم بذكاء المسؤولية، ودفع تكاليف العمليات مع حلفائها الغربيين، مستوظفة في ذلك منظمة الأمم المتحدة، ذلك "البناء" الروزفيلتي، الذي أضحى أداة لتمرير عمليات أمريكا العسكرية والمحافظة على النظام بمظهره البراق الشرعي.

إن ميزة الولايات المتحدة الأساس تكمن، يتصور الكاتب، في امتلاكها إرادة متابعة مشروعها القائم على أسس أيديولوجية وسياسية. "إنه إيمان مميز، ورثت مبادئه من أجدادها، فيه شجاعة في الفعل، وعناد في مواجهة مخاطر التاريخ، وتجاوز الحواجز، ومواجهة العداوة والأحقاد، مما أتاح لهذه الأمة رغم كل شيء، أن تصل أو تكاد تصل، إلى إنجاز رسالتها التي أمنت بها بمصداقية على أنها مكلفة بها حسب الإرادة الإلهية. لقد أنجزت فعلا حرية التجارة وإلغاء (لدى الآخرين) الحواجز التجارية والثقافية والسياسية، ورفض الأحلاف المرغمة عليها".

وأبهر نجاحاتها دون مناقشة، متعلق بالجانب الأيديولوجي: "ألم يقوموا بإقناع كل الكون بأنه لا يوجد إلا فكر واحد صحيح، ولا توجد إلا رؤية واحدة للعالم، ومفهوم سياسي واقتصادي واحد؟".

وعلى هذا الأساس، فإن الكاتب يجزم بالمحصلة النهائية، بأن "استبدال كل عقائد العالم التي غالبا ما تنافست فيما بينها بالعقيدة الليبرالية، وإن إلغاء الثقافات والنظم السياسية، لصالح الثقافة الأمريكية والنظام الأمريكي، يشكل التحدي الأقوى الذي لم تعهده الكرة الأرضية أبدا"، ويشكل بالآن ذاته الخطر الأكبر على ذات الكرة.

بالتالي، يقول الكاتب، فإن "المعاهدات، والاتفاقيات، والمؤسسات الداعمة للعولمة الليبرالية (بريتون وودز، الحلف الأطلسي، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية) يجب إعادة دراستها، وإعادة ترتيبها وإصلاحها. إنه من غير المحتمل أن يبقى الدولار العملة المقياس للعالم، وهو عملة إحدى الأمم".

إن إخضاع السياسة للاقتصاد بدلا من العكس، يؤدي بنظر الكاتب، إلى بعثرة الاجتماعي والصناعي والسياسي والثقافي تحت الاندفاع الانتحاري للمالي. إنه مسبب أساس في فك الارتباط العام للبنية الاجتماعية، وفي الحؤول دون استنبات ما يسميه الكاتب ب"المجتمع ذو المسؤولية المعممة"، أي المرتبط بإعادة البناء السياسي، وهو "الشيء الذي يرفضه ماكموند (مكدونالد للمعدة وماكنتوش للدماغ)".

* "أمريكا الشمولية"، نافذة "قرأت لكم"، 16 غشت 2007.

Vous pouvez partager ce contenu