Aller au contenu principal

عندما تتفاوض أمريكا وإيران على مستقبل العراق

news-details

عندما رفعت لجنة بيكر/هاملتون تقريرها حول "ثمن" بقاء الأمريكان بالعراق، وسبل "الخروج التدريجي" منه، أوصت بإلحاح شديد بضرورة مفاوضة السوريين والإيرانيين، واعتبارهم جزءا من الحل، ماداموا قد باتوا حقا وحقيقة جزءا عضويا من المشكل.

في حينه كابر الرئيس الأمريكي وتمنع، واعتبر أن مجرد مفاتحة إيران وسوريا، والجلوس إليهما للخوض في حال ومآل الشأن العراقي، هو إعلان واضح من لدنه على فشل المشروع الأمريكي، وإيذان بأن الحل العسكري الذي استهواه منذ البدء، وراهن عليه بالجملة والتفصيل، لم يعد ذو جدوى كبرى، وأن خياراته السياسية ورهاناته على القوة، قد تهاوت إلى غير رجعة.

وعلى الرغم من مكابرة جورج بوش الإبن لدرجة العناد والتعنت، في قبول توصيات لجنة بيكر/هاملتون، بل والذهاب لحد معاكسة بعضها، سيما عندما عمد إلى زيادة الوجود العسكري الأمريكي بالعراق بأكثر من عشرين ألف جندي، على الرغم من ذلك أقول، فإنه انتهى تدريجيا وإن على مضض، إلى اعتماد بعض مقترحات اللجنة إياها، وتحديدا فيما يتعلق بالحوار مع إيران.

والواقع أن رضوخ جورج بوش للحوار مع إيران، عبر السفراء كما عبر الوزراء، بلقاءات مباشرة ببغداد، أو على هامش المؤتمرات الإقليمية المنعقدة لذات الغرض ببلدان الجوار، إنما تأتى تحت ثلاثة إكراهات كبرى، ضيقت الخناق بقوة على "الرئيس"، وأجبرته على التنازل:

+ الأول، ويكمن في سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس بغرفتيه، ولم يكن ليتمكنوا من ذلك لولا تبني غالبية الشعب الأمريكي لهم، بجهة الضغط "لإخراج البلاد من المستنقع العراقي"، ومطالبتهم "بعودة الأبناء للوطن سالمين، وبأسرع وقت ممكن".

وعلى هذا الأساس، فإن سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس إنما وضعت الرئيس الأمريكي بمحك حقيقي من خياراته، لم يفلح في تجاوزه إلا بإشهار الفيتو الرئاسي، للحؤول دون جدولة الانسحاب، وتجاوز مشاريع النواب والشيوخ بخفض اعتمادات الحرب بالعراق كما بأفغانستان، وربط استمرار ذات الاعتمادات بجدولة زمنية للانسحاب.

+ الإكراه الثاني، ويتمثل في اشتداد المقاومة العراقية، وتكبيدها الجيش الأمريكي خسائر بالبشر والعتاد كبيرة، غدت بأعين القادة العسكريين بالميدان حرب استنزاف بامتياز، تماما كما كان الحال من حوالي أربعة عقود، بفيتنام.

وعلى الرغم من ادعاء الإدارة الأمريكية بأنها باتت بإزاء حرب على القاعدة، وبتحصيل حاصل على الإرهاب، فإن بيانات المقاومة الوطنية والإسلامية، تدلل بالقطع بأن ما يقوم به تنظيم القاعدة من عمليات، إنما هو محدود الأثر ومحصور المجال الجغرافي، بالقياس إلى مدى ما تقوم به هي، وبكل ربوع العراق.

+ أما الإكراه الثالث، فيتراءى لنا كامنا في فشل العملية السياسية التي راهن عليها الأمريكان منذ مجلس الحكم، ولم تفرز بمحصلتها إلا أطيافا سياسية طائفية المنحى، مذهبية التوجه، ضيقة الأفق، خائرة القوى بكل المقاييس.

لم ينزعج الرئيس الأمريكي كثيرا من المحاصصة الطائفية الناظمة للعملية السياسية بالعراق، هو الذي بنى لها الأسس ودعمها بكل قواه، بقدر انزعاجه (سيما مع حكومة المالكي الحالية) من هيمنة الأحزاب الموالية لإيران على مفاصلها، وتوجيهها (الحكومة العميلة أقصد) بما يرضى عنها أولياؤها، ويرتضوه.

هي ثلاثة إكراهات موضوعية كبرى، لم تدفع فقط بزاوية تليين موقف الرئيس الأمريكي بجهة البحث عن مخرج سياسي للمستنقع العراقي، بل دفعته دفعا للقبول بمبدأ مجالسة إيران وجها لوجه بعد كبير مكابرة وشديد تمنع، فكانت اللقاءات بالمباشر بين السفراء (ببغداد أو ببعض دول الجوار) وبين وزراء خارجية بلدين، صنف بعضهما الآخر ب"الشيطان الأكبر"، وصنفه الطرف الآخر ضمن "محور الشر".

وإذا كانت الإدارة الأمريكية تراهن على هذا الحوار بغاية تخفيف الضغط "الميداني" عليها بالعراق، سيما وأن ذات الإدارة تتهم إيران بدعم ميليشيا الأحزاب الدائرة بفلكها (وبعض عناصر المقاومة الشيعية أيضا)، وتشير إليها بالأصبع مباشرة، كلما كانت ثمة أزمة سياسية بحكومة الاحتلال، فإن إيران بدورها تستوظف ذات الأوراق بدهاء كبير، لإدراك مبتغيين اثنين:

°°- فهي تستوظفها لبلوغ مكاسب لها مباشرة، فيما يتعلق بملف نووي بات لديها بمرتبة السيادة القومية العليا، في وقت ترتفع المزايدة عليها من كل صوب وحدب، بجهة دفعها لغض الطرف عنه بمقابل، أو رفع التهديد العسكري بوجهها لثنيها عن الاستمرار فيه.

هي عملية ابتزاز متبادلة بامتياز، اعتمدتها الإدارة الأمريكية على مضض وتحت الإكراه، ودخلتها إيران بتأن ودراسة شديدين، هي العارفة بخلفيات المنطقة وتشابك خيوطها، حتى بادعائها أن لا يد لها تذكر فيما يجري بالعراق، وتكرارها القول بأن المشكل، كل المشكل، متأت من القوات الأجنبية، لا من سواها.

°°- وهي تستوظفها أيضا بغرض إثبات أنها حقا قوة إقليمية، لا يمكن التجاوز عليها باستراتيجيات خارجية لا تأخذ بالاعتبار موقعها الجغرافي، أو قوتها الاقتصادية، أو دورها الإقليمي، أو (قبل كل هذا وذاك) إسهامها المباشر في مساعدة الأمريكان لطرد طالبان من السلطة بأفغانستان، ونصيبها في الإجهاز على نظام الرئيس/الشهيد صدام حسين.

هي بالقطع تريد مقابلا معتبرا لكل ذلك، إذا لم يكن بالإقليم أو بالعراق مباشرة، فعلى الأقل فيما يتعلق بمشروعها النووي، الذي تجهر الإدارة الأمريكية بمعاداتها له، ولا تتوانى في دفع إيران للتراجع عنه طواعية، وتلمح باستخدام القوة الخشنة لضربه إذا استدعى الأمر ذلك... وتوفرت له الأرضية والظروف.

إن إيران، بجلوسها وجها لوجه مع الأمريكان، لا تعترف فقط بأن تواجدها بالعراق أضحى أمرا مؤكدا لا يقبل التشكيك، بل ولتؤكد للأمريكان ولغيرهم بالمنطقة، بأن لها بالعراق أتباعا أقوياء، متمرسين بالسلاح وطيعين بالسياسة، لن يكون لأية هندسة جديدة من مستقبل يذكر، إذا لم تراع مصالحها وأهدافها، ويتم الإنصات بجدية لمطالبها القومية.

لست مضجرا بالمطلق لأن تلتقي دولتان بينهما مشاكل وتشجنات، لتصفيتها بالتحاور المباشر، أو عبر أطراف. ولست مضجرا أيضا، لأن تستوظف كل منهما ما أتيح لها من أوراق رابحة، بغرض الضغط أو الابتزاز أو المساومة.

لست مضجرا من ذلك بالقطع. لكن الذي يثير الضجر في النفس حقا، والغبن بنفس العراقيين كما بأنفسنا، إنما ثلاثة أمور قد تبدو شكلية بالمظهر، لكنها حمالة مدلولات كبيرة على مستوى الجوهر:

+ الأول: أن يجلس طرفان محتلان (الأول بقوة التواجد العسكري على الأرض وبقرار من مجلس الأمن، والثاني بنفوذ مادي ورمزي مضمر ضخم) للتداول في مصالحهما على حساب بلد محتل، إنما هو أمر معيب، ليس فقط من زاوية النظر الأخلاقية الخالصة، بل وأيضا من الناحية السياسية الصرفة.

ليس القصد هنا القول بعدم جواز ذات التداول فحسب، بل وكذلك القول ببطلان ما قد يترتب عن ذات التداول بالنسبة لبلد تحت الاحتلال...لن يتوانى (عندما يزول الاحتلال إياه) في إلغاء نتائجه، أو المطالبة بإلغاء ما قد يترتب عنه جملة وبالتفصيل.

+ الثاني: أن تعمد حكومة الاحتلال بالعراق إلى ترتيب ذات الحوار، وتشرف عليه مظهرا ومن أمام كاميرا الإعلام، ثم تترك طرفي الاحتلال بخلوة حرام، لا يدعو فقط للتساؤل عن طبيعة ذات الحكومة، بل ويدعو بالقطع للاستفهام حول جهة الولاء التي ترتكز عليها، وتعطيها إذا لم يكن المشروعية، فعلى الأقل بعضا من المسؤولية والمصداقية في الممارسة والسلوك.

إن حكومة الاحتلال، بهذا التصرف، لا تعترف ضمنيا بكونها مجرد حكومة تأثيث وللمظهر فحسب، بل وتشهر علانية بأن تذبذب مصيرها (ومصير العراق) إنما هو من تذبذب مصير المفاوضات بين دولتين محتلتين...لم يستقر أمرهما على شيء يذكر لحد الساعة.

+ أما الثالث، فيرتبط بالتوافق الضمني بين إيران وأمريكا، ليس فقط حول نصيب كل منهما من "عراق الطوائف والملل والمذاهب"، بل وأيضا من الهندسة الجغرافية لمنطقة الخليج برمتها، لأمريكا بها كما لإيران مصالح مادية ورمزية، تتجاوز بكثير ما يتم تداوله من حسابات، أو يتم تسريبه للصحافة والإعلام.

وعلى هذا الأساس، فإن الذي يجري بين أمريكا وإيران من مفاوضات حول العراق، لا يبدو لنا أنه مقتصر على العراق. إنه يطاول قضايا قومية واستراتيجيات إقليمية، ستعصف بمستقبل العراق حتما، إن تم التوافق حولها بين الدولتين. أما دول الجوار، فلا تعلم بما يجري من حولها، إلا عبر ما يقال لها من هذه الجهة أو تلك، فتطمئن تارة وتستكين، وتهرع لاقتناء خردة السلاح عندما يشتد التوتر، وتتعثر المفاوضات، ويزداد منسوب الخوف من بين ظهرانيها.

* "عندما تتفاوض أمريكا وإيران على مستقبل العراق"، التجديد العربي، 14 غشت 2007. التحالف الوطني العراقي، 15 غشت 2007. جريدة التجديد، الرباط، 17 غشت 2007. موقع انتخاب كوم، 18 غشت 2007. القدس العربي، 21 غشت 2007. موقع العراق للجميع، 21 غشت 2007. موقع أنا المسلم، 21 غشت 2007. موقع المواطنة العراقية، 21 غشت 2007.

Vous pouvez partager ce contenu