ظهرت للوجود، منذ مدة قصيرة خلت، على شاشات بعض من الفضائيات العربية، "برامج" من نوع خاص تعارفت الأدبيات الرائجة على نعتها ب"برامج تلفزيون الواقع" عهدناها من زمن بعيد بالعديد من تلفزيونات الغرب بأشكال وتلوينات مختلفة.
والواقع أن فكرة ذات البرامج إنما تنبني، في الغالب الأعم منها، على "استضافة" بعض من الشباب العرب (ذكورا وإناثا عموما) بقاعة كبرى (ب"أكاديمية مغلقة" يقول البعض) مزودة بعشرات كاميرات التصوير ترصد بشكل مستمر حركاتهم وسكناتهم (حتى الحميمي منها) وتبثها على الهواء متخللة باتصالات ورسائل من المشاهدين يصوتون من خلالها على " نجمهم المفضل" الذي قد يكون من نصيبه الجوائز الكبرى بعدما يكون التميز والشهرة قد أضحيا من نصيبه مسبقا.
هي إذن بعض من "البرامج الترفيهية" ("بنات الهوا سوا"، "سطار أكاديمي"،"الأخ الأكبر"، "الرئيس" ولربما غيرها) تمت محاكاة فكرتها من الفضائيات الأجنبية، يقوم على تمويلها (مقابل إشهار سلعهم ومنتجاتهم) متعهدون ورعاة رسميون وغيرهم...تستفيد القنوات معهم في التمويل إياه كما تستفيد أيضا بنسبة مما تحصله هيئات الاتصالات بفضل المكالمات الهاتفية الخاصة والرسائل الألكترونية وما سواها.
لو كان للمرء أن يضع سياقا ما لانفجار هذه البرامج في هذا الظرف بالذات لاستوقفه حتما سياقان إثنان:
+ الأول ويتمثل في طفرة البث الفضائي الذي مكنته الثورة التكنولوجية في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال عبر ما حملته التقنيات الرقمية وما وفرته تقنيات إدماج الصوت والصورة والمعطى فاسحة بذلك في المجال لسبل مضاعفة عدد القنوات واشتداد المنافسة بينها وجنوح العديد منها للبحث عن التميز وعما من شأنه أن يدفع الإثارة والتشويق وما سواهما إلى أبعد مدى. ولربما على أساس هذه الخلفية تبارت العديد من الفضائيات العربية (بالشرق عموما وبالخليج على وجه التحديد) لمماهاة الفضائيات الغربية بعدما تعذر عليها الإبداع والابتكار وتقلصت السوق الإعلامية جراء ذلك في وجهها.
+ أما الثاني فيكمن في الوتيرة المتسارعة التي أضحت تعرفها ثقافة الوهم بهذه الجهة من المنطقة العربية أو تلك جراء ما أفرزه واقع الحال من يأس وتذمر وفقدان الثقة وضيق الأفق وما سواها.
لا يروم التلميح هنا فقط إلى واقع الفقر الاقتصادي والإكراه السياسي الذي أضحى سمة المنطقة إياها بامتياز، بل وأيضا إلى ما تقدمه معظم الفضائيات من برامج هي إلى التنغيص على المواطن العربي (يقول البعض) أقرب منها إلى "التفريج عنه" أو إعمال مبدأ " تنفيس الغمة" بغرض إخراجه من واقع اليأس المزمن الذي طاوله لعقود طويلة مضت.
بالتالي، فلم تأت ذات البرامج فيما يبدو من ملل ونفور المواطن العربي من السياسة والشأن العام فحسب، بل وأيضا من ملله ونفوره من فضائيات عامة، موغلة، بالصوت والصورة وعلى مدى ساعات النهار وأطراف طويلة من الليل، في التباكي والنصح الأبوي اللامتناهي.
إننا حتما بالحالة الأولى (طفرة البث الفضائي) كما بالثانية (بيع الوهم للجماهير) إنما بإزاء "حالة ثقافية" عميقة وجوهرية لا يمكن التحايل عليها أو الالتفاف على الخلفيات الكامنة خلفها في الشكل كما في الجوهر. ولما كان الأمر كذلك (وأكثر ربما)، فإن مقاربته تتطلب بعضا من الموضوعية دونما إمعان كبير في ردود الفعل أو اللجوء إلى كثير من أحكام القيمة.
والحقيقة أن بروز وانتشار برامج تلفزيون الواقع بالعديد من الفضائيات العربية إنما قد يشفع له مسوغان لطالما رددهما القائمون على ذات البرامج:
+ المسوغ الأول ويكمن في الحاجة إلى التغيير والرغبة في التخلص من حالة رتابة الفضائيات وتشابه برامجها وتخندقها خلف هذا النظام أو ذاك تهلل بمنجزاته ولا تمل من تمرير صورته وحركاته دونما اعتبار لأذواق الجماهير أو تطلعاتها إلى تلفزيون قرب شكلا كما في المضمون.
بالتالي، فلئن نجحت هذه "البرامج الجديدة" في استقطاب ملايين المشاهدين ("انتخاب" نجم السوبيرسطار تأتى مثلا مما يناهز ثمانين مليون اتصال ورسالة خليوية) فلأنها تأكدت من حاجات هؤلاء ومن تهافتهم على مضمون وطريقة التقديم. هي من هنا تعبير عن حاجة موضوعية ثبت بنسبة الاتصال والمتابعة أنها حقيقة قائمة.
+ أما المسوغ الثاني فيتمثل في القول بأن ما يقدم بهذه البرامج إنما هو "ترجمة لواقع حال" يعيشه الشباب بصلب المجتمع... وما دامت ذات السلوكات تتمظهر بين ذات الشباب في الجهر كما أثناء اختلاء بعضهم ببعض، فما المانع من موسطتها تلفزيا مادامت قد أضحت "ظاهرة" اجتماعية بامتياز؟
معنى هذا (وفق هذا التصور) أن البرامج إياها لا تختلق ذات الواقع ولا هي من صنع الخيال الخالص، با هي معطى اجتماعيا معاشا بهذه الصورة أو تلك، بهذه الدولة العربية أو تلك، المحافظ منها كما المتفتح سواء بسواء.
وهما مسوغان قائمان وصحيحان إلى حد ما، إذ مادام ما تقدمه هذه البرامج هو من محض الواقع السائد (علانية ببعض الدول وبالتحايل في دول أخرى)، فإن ترجمة ذلك وتمريره بالصوت والصورة لا يخرج إطلاقا عن نطاق ما هو كائن، بل هو عمل "جريء (يقول البعض) يتجاوز الطابوهات ويقدم المجتمع (أو جزءا منه) كما هو لا كما يراد له أن يكون من لدن القائمين على الشأن الإعلامي ببلداننا.
ثم أن ذات البرامج "تسهم في إنتاج الثروة" (يقول بعض آخر) عبر الأحجام الهائلة التي تستقطبها هيئات الاتصالات ونواتج الإشهارات التي يجنيها المتعهدون والرعاة الرسميون ناهيك عن الطواقم التقنية وإداريي القنوات الذين يترزقون من ذات البرامج...وهكذا.
إلا أنه على الرغم من كل ذلك، فإن تلفزيون الواقع قد جوبه بانتقادات كبيرة وهجومات عنيفة انطلقت، في البدء، بردود فعل فردية على منابر الصحف كما بالفضائيات كما بمقالات على شبكة الإنترنيت، لكنها انتهت في الأقوى منها (بالبحرين) عندما خرجت مظاهرات شعبية احتجاجا على تصوير ذات البرامج، مرورا بمساءلة بعض من وزراء الإعلام ونشر عرائض التنديد والاستنكار وما سواها.
لم تتأت ردود الفعل تلك على خلفية من الاعتبارات السياسية الصرفة أو الاجتماعية الخالصة، ولا تحت مسوغ ضعف "أداء الممثلين"، بل وبالأساس من منطلق أنها "انتهكت القيم الدينية وتجاوزت الخطوط الحمر الأخلاقية ولم تعير قليل اعتبار لمشاعر الأفراد والجماعات وحقهم في الحميمية والحياة الخاصة..." وما سوى ذلك.
لم ينحصر الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى قول البعض بكون ذات البرامج إنما تستهدف النشء ومن شأنها أن تقوض المبادئ القيمية الكبرى التي تعارفت عليها الجماعة ورضيت بالعيش في ظلها شكلا ومضمونا.
والحقيقة أن الذي يقدمه تلفزيون الواقع بهذه الفضائية العربية أو تلك، إنما يثير بعضا من الملاحظات الكبرى تتعدى في جوهرها الموقف الذاتي من ذات البرامج:
+ الملاحظة الأولى وتتمثل في أن جل هذه البرامج مستنسخة عن برامج شبيهة تبثها العديد من القنوات الغربية حيث تسنى لمواطن هذه الأخيرة (أفرادا ومجتمعات) أن يتخلص من عقد المادة والجنس ولم يعد له من موقف سلبي يذكر بإزاء مسألة الإباحية أو الشذوذ أو ما سواهما.
بالتالي، فلم تكن ردود الفعل من بين ظهرانينا مرتكزة على الرفض من أجل الرفض ولكن على أساس أن درجات الوعي لدينا متدنية ومستويات الحرية منخفضة والمكبوتات والمحذورات كثيرة...وإطلاق العنان لكذا برامج من شأنه أن يخلق الفتنة ولربما الاحتراب بناء على هذا المبرر أو ذاك.
إنها مسألة أنتروبولوجية بامتياز تجعل من نظرية "العلاج بالصدمة" على المحك والعلاقة مع قيم الآخر تحت المجهر.
+ الملاحظة الثانية وتكمن في مبدأي "الحق في صيانة الحياة الخاصة" و"العمل على تجنب التشهير" بحميميات هي من صلب ذات الحياة جملة وبالتفصيل. بالتالي فمن الغبن حقا أن يخترق المرء على بني طينته منظومة قيم تعارفوا عليها وأضحت الإسمنت الذي يصهر تصوراتهم وتمثلاتهم في المكان كما في الزمن.
قد لا يستطيع المرء تقييم حجم الضرر الذي قد يترتب عن هذه البرامج، لكنه لا يستطيع تجاهل عامل الاستفزاز الذي طاول منظومات قيم قائمة استقر عليها الناس، قبلوا بها وتوافقوا على أنها مثلهم الأعلى.
+ أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بأطروحة المؤامرة التي تبين للبعض أنها خلف توقيت إذاعة هذه البرامج سيما على ضوء ما بدأت الإدارة الأمريكية تروج له من ضرورة مراجعة وتغيير البرامج التربوية والتعليمية بالمنطقة العربية والتي اعتبرتها مفرخة للإرهاب، "غير متفتحة" و"لا تساير العصر".
يبدو أنه من الصعوبة بمكان استبعاد قوة ذات الأطروحة ولا تغافل وتيرتها بذات المنطقة منذ مدة، لكنها غير كافية لوحدها لتفسير (أو تبرير) ما تعرفه المنطقة من تحولات جوهرية طالت (وتطال) السلوكات والتصرفات وطرق التعبير والتفكير...وتطال فوق كل هذا وذاك، علاقات الأجيال داخل المجتمعات العربية، وفيما بينها وبين ما سواها من أجيال ومجتمعات غربية...
إن الذي يعبر عنه تلفزيون الواقع إنما هو نذير شؤم على منظومات القيم القائمة، لكنه كذلك وأكثر بالنسبة لمنظومات القيم المروجة أو المطالب بترويجها بالمنطقة العربية أضحى للكل بشأنها قول وقول مضاد...
* "تلفزيون الوهم"، جريدة العلم، 20 أبريل 2004.