Aller au contenu principal

"التلفزة كفضاء ثقافي ومعرفي"

news-details

تثبت الدراسات المتوفرة بالغرب، كما ببعض دول العالم الثالث، أن التلفزيونات الجامعة قد نجحت وإلى حد بعيد في تهميش الثقافة والمعرفة، ثم في تسطيح وتبسيط ما تسنى لها تقديمه، في حين أن التلفزيونات المتخصصة، عامة كانت أم خاصة، قد استطاعت في حدها الأدنى، تخليص الثقافة من هوس السوق ونسب المشاهدة وحاجات المعلنين، حتى وإن تقاطعت معها في استقطاب الجماهير.

بهذه النقطة، تقول حانا أرندت: إنه لا يجب أن نعاتب مبدأ الثقافة الجماهيرية الذي تنشده التلفزة، بل أن نناهض "ونصرح بأعلى صوتنا"، عندما تتحول "سلع الثقافة، أو تعاد كتابتها، أو تختزل وتقلص إلى الحد الذي لا يضمن إلا إعادة الإنتاج، أو إعادة ترتيب الصورة".

بمعنى آخر، تقول أرندت، إنه لا يجب أن تتحول القصيدة الشعرية إلى مجرد وصلة إشهارية، أو النوطة الموسيقية إلى فضاء للتنافس والمسابقة، أو الكاتب العادي إلى مثقف حقيقي، فتتراجع الحقيقة أمام الرأي القائم وأمام الانطباع.

إن هذا التحول الذي طرأ على الثقافة، عندما ولجت عالم التلفزيون، هو الذي كرس مصطلح "الثقافة التلفزيونية" كتعبير عن هذه "الثقافة الجماهيرية"، التي تنشدها التلفزة الشاملة، الخاصة منها كما العامة.

وعلى هذا الأساس، فإن ذات التوجه لم يتبرم فقط عن مقاربة الثقافة بطريقة أصيلة، بل ذهب لحد تحويل وتقويض هوية الثقافة ذاتها، لدرجة استنبات ثقافة جديدة، خاصة بها، بديلة عن الثقافة المراد تقديمها باستقلالية عن الوعاء التلفزي.

يبدو هنا أن الأداة، أو الجهاز التلفزيوني المادي، قد بات يدعي امتلاكه لهوية ولخصوصية حكرا عليه. بالتالي، وبحكم ارتباطها بحاجات الجماهير (تشويق، تسلية، مسابقات...الخ)، باتت التلفزة تفرز قيما خاصة بها، تتطلع للتأثير من خلالها على الهياكل المجتمعية، على التمثلات القائمة وعلى الخيارات الفردية.

من هنا، "شرعنت" التلفزة لسلطتها وسلطانها، وبدأت تستحضر "القيم" الثقافية التي أفرزتها، لتصنيف الجمهور وتشطيره، لتسهل عليها نتيجة ذلك، عملية توجيهه واستشراف حاجاته، لا بل والعمل على خلق حاجات أخرى جديدة.

بالمحصلة، أصبحنا بصدد تلفزة باتت لها سلطة بنيوية، بدون شرعية فعلية تذكر، لكنها استصدرت لفائدتها الثقافة والحضارة والمعرفة.

وعلى الرغم من ذلك، أو كرد فعل عليه، لا تزال هناك تلفزيونات حقيقية، تواجه هذا المد المتزايد بجهة إرضاء المعلنين، وزيادة نسبة المشاهدة والتراجع عن المواقف، وركن الثقافة إلى الصف التالي.

إننا في الحالتين معا، إنما بإزاء نظرتين متوازيتين، تنظر من خلالهما التلفزة والثقافة لبعضهما البعض من زوايا مختلفة:

+ نظرة أدواتية، لا تنظر الثقافة من خلالها للتلفزة، إلا في كونها حاملا لبرامجها ولموادها ليس إلا. فهي برأيها "جهازا" مستقلا ومحايدا، لا دور له، بل ولا يجب أن يكون له من دور، في تحديد طبيعة الثقافة والمعرفة المراد بثهما من خلالها.

+ ونظرة سلبية (وإلى حد ما دونية) تبدو الثقافة للتلفزة من خلالها، كما لو أن مضامينها لا تتساوق مع فلسفة التلفزة، وآليات اشتغالها والغايات التي تطمح إليها.

هما نظرتان متباينتان لحد التنافر والممانعة. لكنهما تدللان على طبيعة العلاقة الشائكة والمعقدة التي تربط الثقافة والمعرفة بالتلفزة. على أن بعض المداخل، التي من شأنها تخفيف حدة ذات العلاقة المضطربة، إنما جعل التلفزة ذاتها حقلا ثقافيا مستقلا بامتياز.

هذا المدخل لن يكون من شأنه الاشتغال على كيفية برمجة مواد مرتبطة بمختلف الحقوق الثقافية والمعرفية، بل ستكون هذه الحقول هي المادة الوحيدة التي تؤثث الشبكة البرامجية، وتضمن للثقافة والمعرفة بعديهما النسقي العام، لا المجزأ أو المقنن، أو الخاضع لطقوس نسب المشاهدة التجارية والاقتصادية.

بمعنى أن البرامج الثقافية والمعرفية بالتلفزة لن تكون جزءا من الشبكة البرامجية، بل ستكون هي نفسها الشبكة في الشكل والمضمون. وهذا هو المعنى الأمثل لقناة تلفزيونية تشتغل على الثقافة والمعرفة.

* "التلفزة كفضاء ثقافي ومعرفي"، 5 دجنبر 2011.

Vous pouvez partager ce contenu