Aller au contenu principal

"تلفزة الخيبة بالمغرب"

news-details

 من سنوات قليلة مضت أصدرت كتابا أفردت الجزء الأوفر منه للحديث في وعن "محنة التلفزة بالمغرب"، واعتبرت في حينه (ولا أزال) أن ذات المحنة إنما هي بنيوية بذات التلفزة منذ استقلال البلاد، وبنيوية أيضا في فضاء عام لم يتقوض المتقادم بداخله بعد ولم يتسن للجديد المتجدد أن يرى النور. هي محنة مركبة بكل المقاييس يتقاطع بصلبها المادي مع الرمزي، السياسي مع الثقافي والعام مع الخاص.

 هي تلفزة السلطة (تلفزة السلطان يقول البعض) ليس فقط كونها جهازا مرتبطا بجهاز السلطة إياها لدرجة الاندغام، بل وأيضا لأنها، على خلفية كل ذلك، تشتغل ولكأنها ليست وسيلة إعلامية لا تخضع لنفس المعايير والاعتبارات التي تحكم ما سواها من تلفزات العالم:

 + فهي لا تصيغ " شبكتها البرامجية" بالاحتكام إلى أذواق الناس أو تطلعاتهم لتلفزة قرب، بل وتذهب لحد تجاهلهم وعدم الاكتراث بهم لدرجة نزعم معها أنها تصاغ لطينة من البشر من غير طينة القائمين عليها أو من غير طينتنا.

 + وهي لا تصدقهم القول فيما تقول وتروج، بل تعمل على خلق محيط من حولهم (المباشر والقريب كما البعيد) ولكأن لا شيء به يستحق التغطية حقا أو الاهتمام حتى.

 + وهي لا تأبه في " تقييمها لخطها التحريري" بما هو قائم من منافسة وتسابق على حصص السوق وغيرها، بل وتشتغل على أساس من اعتقاد سائد مفاده أن وضعية الاحتكار وطبيعة الملكية يكفلان لها في حد ذاتهما الجودة والتميز و"السبق".

 ليس ثمة شك في أن التلفزة بالمغرب إنما هي مكمن للمحنة التي أسست لمختلف مراحلها منذ ستينات القرن الماضي وإلى حدود الوقت الحالي...لا نعتقد بوجود قطيعة من نوع ما في هذه الحقبة أو تلك عكس ما قد يدفع بذلك البعض: نحن كنا، بالتلفزة، ولما يناهز خمسة عقود من الزمن، بإزاء استمرارية لا مجال للتحايل على "تقطيعها" أو وضع الاستثناء فيما هو قاعدة. هي أداة لإعادة إنتاج نفسها إنتاجا مطابقا للأصل وإعادة إنتاج صور الجهاز القائم عليها في ذاتيته كما في رمزيته سواء بسواء.

 لكل هذه الأسباب، ولغيرها بالتأكيد، فإن التلفزة بالمغرب لم يكن لها، وطيلة نصف قرن من الممارسة، إلا أن تكون مصدر خيبة وانكسار ومكمن نكسة بامتياز... على الأقل قياسا إلى الذي كان من المفروض أن تقوم به طيلة هذه الفترة.

 قد لا يكون من الأهمية القصوى في هذا المقام الوقوف من جديد عند مكامن هذه الخيبة أو استجلاء بعض من أسبابها أو خلفياتها أو دواعيها الكبرى، لكنه من الواجب مساءلة أداء التلفزة بالمغرب (وعلى خلفية المحنة هاته) خلال عدوان التحالف الأنجلو/أمريكي على العراق، كما طيلة مراحله وتموجاته ومساءلة طبيعة "التغطية" التي عمدتها القناتان معا( الأولى والثانية) واعتمدتهما لما يناهز الثلاثة أسابيع وأكثر.

 والواقع أن القناتان، بهذه الحالة تحديدا، لم تتميزا فقط بضعف في الأداء وتدني في المستوى وتهلهل في الخطاب، بل وأيضا " بتغطية للحدث" لا يمكن بكل الأحوال، إلا أن يثير التقزز، يفرز الاشمئزاز ويفضي إلى الإحباط:

 + فالقناتان معا لم تبقيا فقط على التشكيلة القائمة من لدنهما للشبكة البرامجية ولم تكتفيا بقرصنة ما تسنى لهما قرصنته من وكالات الأنباء والفضائيات العالمية وغيرها، بل ولم تتوانيا في اعتبار الواقعة (العدوان أعني) حدثا عاديا (ولربما عرضيا أيضا) لا يستحق أن تستنفر بموجبه "الطواقم" أو يعاد النظر جراءه في البرمجة أو يتم الاستنكاف عن المواد المزمع أصلا تمريرها.

 وعلى هذا الأساس، فلم ير المشاهد بالمغرب من قناتيه إلا جزءا غير ذي قيمة مما تناقلته فضائيات العالم وتلفزاته بالمباشر الحي، طيلة ساعات اليوم، بالصوت والصورة كما بالتعاليق الصحفية والمنابر الحوارية وما سواها.

 ليس منبع العتاب هنا آتيا من هذا فحسب، بل ومتأتيا أيضا من كون القناتين لم تتعاملا مع العدوان إلا في كونه حدثا ضمن أحداث أخرى (بإفريقيا كما بآسيا كما بأمريكا اللاتينية كما بغيرها) لم يكن من المفروض التضحية " بخاصية " الرتابة القائمة لفائدته أو استرخاص الرداءة القائمة لصالحه. بالتالي، فلم تكن الخيبة منحصرة في هذا الاعتبار فحسب، بل تعدته لتطال النظرة للحدث في حد ذاته ...فتتم "تغطيته" كما تسنى لتلفزة أفقر وأضعف وأبعد دولة في العالم أن تغطيه ولربما أحسن وأشمل.

 + والقناتان معا لم تدرءا بأنفسهما عن إرسال مبعوثين بعين المكان (على غرار العشرات من قنوات العالم الأخرى )، بل واستسهلت نقل ما تروجه وسائل الإعلام بالصوت والصورة دونما تدقيق في الخطاب المروج ولا تحديد لمصدر الصورة ولا تساؤل من لدنهما في صدقية ما تبثه هذه الجهة أو تلك: فهي تنقل ما يروج (حتى دون ذكر المصدر) ولا تتعفف من تمرير هذا التصريح أو ذاك حتى وإن كان طعنا في العراق أو تشنيعا بشعبه.

 لم تكتف القناتان بذلك فحسب، بل همس إليهما باستدعاء هذا "المحلل السياسي" أو ذاك، هذا "الباحث الاستراتيجي" أو ذاك لتأثيث جزء من فراغ البرمجة أو الإيهام بأن القناتين "مواكبتين" للأحداث...قادرتين على " قراءة ما وراء الأحداث".

 قد لا يكون من المهم الإشارة بالأصبع لتحديد هذه البرامج (وإن في طبيعتها الاختزالية وتواضع كفاءة الصحفيين القائمين عليها)، لكن المثير للخيبة حقا إنما مستوى وخلفية هؤلاء "الباحثين أو المحللين السياسيين والاستراتيجيين".

 فهم لم يكونوا موضع شفقة فقط كونهم محدودو المعرفة والاطلاع (محصورو اختصاص لم يعد كافيا إلا لضمان لقمة العيش لهم)، بل وتعساء بكل المقاييس كونهم إما أخفقوا في السياسة أوفي الثقافة والفكر أو غضب عليهم السلطان فاتخذوا ذات "المهنة" ملاذا بعدما بلغ بهم العوز الرمزي عتيا.

 الأنكى من ذلك أن أبهاهم في المطلق لا يضع الأمور في سياقها الحقيقي بل يلتقط الأخبار من هذه القناة الفضائية أو تلك، من هذا المنبر الصحفي أو ذاك، ويتخذ "موقفا" له من ذلك  قد لا يشعر بمناقضته بعد حين.

 + لا تهتم القناتان بما يقوله هذا "المحلل" أو ذاك "الاستراتيجي" (إذ الغاية لديهما إنما  توظيفهم)، بقدر ما يهمهما التباهي والادعاء بأنهما خصصتا " للقضية" ملفا أو تم إفراد ندوة أو " منبرا حواريا" بشأنها تماما كما تسنى لغيرها من القنوات ذلك.

 هو قول حق أريد به باطل وبكل المقاييس، إذ القناتان معا لم يكن تقصيرهما في تغطية العدوان على العراق قاتلا فحسب، بل عمدتا عن قصد (تحت مسوغات عدة متباينة) إلى اعتباره حدثا عابرا، عرضيا، لا مجال لتبنيه إلا في الحد الأدنى اعتبارا لهذا القرار أو ذاك، لهذه المصلحة أو تلك ...وهما معا لم يكونا بكل الأحوال تعبيرا عن شعور المغاربة ولا تعبيرا عن موقفهم مما جرى منذ العشرين من مارس ولا يزال.

 إنهما قناتا خيبة بامتياز لأنهما لم يشوشا فقط على موقف المغاربة صوتا وصورة، ولم يحولا دون مستوى الموقف الشعبي الذي انفجر بالبوادي قبل المدن، بل شوشا على حقيقة عدوان لن يكون بعده من قيمة كبرى للكلمة أو للصورة أو للتعليق حتى.

 بإزاء العدوان على العراق إذن (كما بإزاء غيره)  لا يمكن للمرء أن يعتقد أن القناتين بالمغرب كانتا  مقصرتين فحسب ، ولا كانتا غائبتين لدرجة تدعو للاستحياء، بل كانتا طرفا في العدوان الذي مارسته القنوات الأنجلو/أمريكية على العالم ومارسته القناتين بالمغرب على مشاهديهما بطريقتهما الخاصة:

 + فهما لم تكتفيا بتجاهل حدث العدوان، بل دفعت بإحداهما الجرأة يوم إسقاط تمثال الرئيس العراقي بساحة الفردوس (حيث بث كل قنوات العالم بالمباشر) لحد تجاهل ذلك ونقل مبارات في التنس أحد  أبطالها من المغرب لا  قيمة اعتبارية له أو مصداقية جماهيرية أو شخصية رمزية يرتكن إليها: لو كان لذات "البطل" يومها من انتصار يذكر، فقد كان له أن يقطع "متعة" أطوار المبارزة  كون جزء من أبناء طينته بالعراق يدكون بالقنابل العنقودية وأحياء عديدة من  بغداد تضرب بالنووي المنضب...

 + وهما لم تقفا عند مستوى برمجة أفلام أمريكية تبرز بالواضح الجلي أن لا سبيل لاعتراض قوة الأمريكان أو الوقوف في وجه قدرتهم على القهر والبطش بالبشر كما بالحجر، بل وذهب بهما الخبث لدرجة الإبقاء على وصلات للإشهار تعرفان جيدا أن مداخيلها تصب حتما في رصيد القائمين على العدوان أو تمول مخططاتهم القادمة لشن العدوان على العرب وعلى المسلمين. 

 إن محنة ما حل بالعراق من عدوان (ومن خيانة ذوي القربى) هي من محنة العدوان نفسه  (والذي لن يكون من الممكن مواراته أو لم الجراحات التي فجرها)، لكنها أيضا من الحسرة العميقة على الزمن العربي المتردي الذي ترك العراق لحاله ومآله.

 لكن المحنة الأشد والأكبر ( والتي تحيل صوبا على الخيبة والإحباط) إنما تتراءى لنا كامنة في تمرير ذلك ...وتبريره أيضا من لدن قنوات تلفزية قد لا ينفع النووي المنضب في تدمير منظومتها ...فما بالك النقد.

* "تلفزة الخيبة بالمغرب"، جريدة القدس العربي، 7 يوليوز 2003. جريدة النهار، أسبوعية، الرباط، 15 غشت 2003. 

Vous pouvez partager ce contenu