Aller au contenu principal

"تلفزة القرب" بالمغرب

news-details

من الثابت، تاريخيا على الأقل، أن التلفزة كانت بالأصل ومنذ نشأتها، تلفزة قرب إذا لم يكن بسبب انحسار مدى البث والإرسال الهرتزي ورهنه بالتالي بمجال جغرافي محدد، فبالتأكيد جراء الإكراهات الاقتصادية والحسابات السياسية التي حالت دون انتشار التلفزة واتساع فضاء بثها وإرسالها.

والواقع أن التلفزة، في بداياتها الأولى بداية خمسينات القرن الماضي، لم تكن أداة إعلام أو اتصال كما هو متعارف عليه اليوم، بل كانت وسيلة إخبار وصاحبة وظيفة سياسية لا تتفاعل مع المتلقين بقدر ما تسعى إلى الفعل في تمثلاتهم لذواتهم وللمحيط من حولهم.

بالتالي كانت التلفزة حكرا على جهة في البث والإرسال، محصورة في الوظيفة ومقتصرة (جراء ندرة التقنية كما تم التبرير لذلك) على فضاء معين دونما سواه من فضاءات.

ولئن كان المعيار الجغرافي (أو المجالي) هو الطاغي هنا في تحديد ماهية تلفزة القرب، فإنه يبقى غير كاف حتى وإن كان ضروريا حقا في ذات التحديد. إذ لا يكفي، بناء على ذلك، أن تكون تلفزة محلية أو جهوية ما كذلك لتكون تلفزة قرب كما تحددها الأدبيات أو كما أبانت عن ذلك التجربة والممارسة.

تلفزة القرب هي بالتأكيد منبر محلي وجهوي في التصور، لكنها أساسا تلفزة  تتغيأ "تمكين الناس من تملك جزء من التنشيط المحلي بغرض تنمية العلاقات الاجتماعية" بهذه الجهة كما بتلك.

هي تلفزة حرة، مستقلة عن الفضاء السياسي والاقتصادي، يقوم عليها متطوعون محليون لا يتغيأون من ورائها الربح ولا نسبة المشاهدة بقدر ما يراهنون على إثبات وجود الجهة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعكس ذلك بالصوت والصورة ومن عين المكان.

هي تلفزة/مرآة تستهدف عكس ما يعيشه السكان المحليون، عكس ذواتهم وخصوصياتهم عبر الأخبار كما عبر البرامج كما عبر الوصلات الوثائقية.

بالتالي، فهي ليست مهووسة بحجم الإنتاج ولا بتكاليفه (مادام السكان هم مادة ذات الإنتاج والعنصر المنشط له) ولا بوتيرة البث (مادام الحاضرون بالاستوديو هم ذواتهم الذين يتابعون ذلك أمام شاشاتهم) بقدر ما هي مهووسة بالتواصل عن قرب مع أفراد وجماعات نادرا ما تجد الشاشة العامة والبرمجة العمومية مكانا لهم بها.

وعلى هذا الأساس، فتلفزة القرب هي تلفزة ذات صبغة محلية تتطلع لإبراز التميز بداخل الجهة وليس فقط القرب بغرض القرب.

هي من هنا اختراق لمبدأ التلفزة الشديدة التمركز، الخاضعة لطقوس السياسة، لإكراهات المال والاقتصاد، لضغوطات نسبة المشاهدة التي يتحول بموجبها المواطن إلى مجرد مستهلك تحتكم ماكينة الإشهار إلى مدى إغرائه وإدماجه في دورة الاستهلاك.

ولما كانت نقطة انطلاقها ومصبها هي الجهة بالأساس، فإن القائمين عليها غالبا ما تكون الجماعات المحلية أو الجمعيات ذات النفع العام أو المنظمات الثقافية أو الفنية أو ما سوى ذلك...أي مستويات لا خلفية تجارية لديها (حتى وإن كانت غير محرمة عليها) ولا تطلعات اللهم إلا الدفع بقيم المرفق العام والمواطنة والتعبير الحر وفتح مجال النقاش على أكبر عدد ممكن.

هي تلفزة مواطنة إذن تشتغل على خلفية من الحق في التنوع والتعدد دونما غبن أو استصدار من هذا المستوى أو ذاك.

وبصرف النظر عن تباين النماذج التلفزية (تلفزات قطاع عام خاضعة لمبادئ المرفق العام، تلفزات مرفق عام عبر القطاع العام أو عبر الخواص بدفتر تحملات أو تلفزات تجارية)، بصرف النظر عن ذلك فإن الثابت حقا أن تلفزة القرب إنما جاءت، في سياقها العام، كرد فعل على احتكار الدولة أو المجموعات الكبرى للتلفزة، أو كنتاج للمطالبات بالحق في البلوغ الديموقراطي للإعلام والأخبار والحق في التعبير أو كمحصلة لتزايد قوة المجتمع المدني المطالب بحق التملك الجماعي لأدوات الإعلام ووسائل الاتصال.

ولما كان سياقها كذلك، فهي برزت إما كإفراز لسياسات في التنظيم الإداري وإعداد التراب الوطني فكانت، كما في ألمانيا وبلجيكا، تحصيل حاصل، أو أنها كما الحال بفرنسا، جاءت كخيار سياسي حتى بسيادة المركز... فترجمت اللامركزية الثقافية (وفي صلبها التلفزات المحلية) كامتداد لمبدأ اللامركزية الشامل الذي تم اعتماده وطاول صلاحيات المركز والجهات في شكلها، كما في صلاحياتها كما في الجوهر.

في الحالة الأولى (حالة ألمانيا وبلجيكا) نحن بإزاء واقع حال إداري وترابي قائم انصهرت مشاريع تلفزة القرب في مضماره، في حين أننا بفرنسا بإزاء تفويض (مع استمرار المركزية الشديدة) للجهات لا تعمل هذه الأخيرة (والتلفزة المحلية في صلبها) إلا وفق شروطه وبنود دفتر تحملاته.

لكن القائم في الحالتين أن تلفزة القرب إنما تخدم، في شكلها كما في مضمونها، مبدأ التنوع والتعدد والتميز في أفق إبراز والحفاظ على الخصوصيات المحلية التي يدفع بها الأفراد وتتمسك بها الجماعات بأرض الواقع كما عندما تتم لهم موسطة ذلك بالصوت والصورة.

بالجانب الآخر، نلاحظ أنه بقدر ما تدفع العولمة وانفتاح المجالات وتزايد تيارات الرموز على المستوى الكوني، بعملية تدويل الفاعلين في المجال السمعي-البصري فإنها تدفع بالقدر ذاته بانفجار أعداد تلفزات القرب بهذه الجهة من العالم كما بتلك.

والواقع أن العولمة إياها كما ذات الانفجار إنما يعبران عن واقع حال وظفته المجموعات التلفزية الكبرى إلى أبعد مدى، لكنه أفاد أيضا القائمين على تلفزات القرب:

+ فالتطور التكنولوجي الهائل (في ميدان تقنيات الإعلام والاتصال تحديدا) لم يفتح لتلفزة القرب المجال واسعا في البث والإرسال (عبر الكابل كما عبر الساتل) مفرجا عليها كدر الهرتزي التناظري، بل مكنها أيضا من توظيف التقنية الرقمية دونما الاستغناء عن الأجهزة المتواجدة أو تجاوز لدورها.

والواقع أن توفر إمكانية البث والإرسال عبر الهرتزي الرقمي لم يوفر لتلفزة القرب الدقة والجودة فحسب، بل وكذلك السرعة والآنية التي غيبتها التقنيات التناظرية لعقود خلت وطاولت كل التلفزات القائمة.

+ العنصر الثاني ويكمن في تزايد المطالب والنعرات ذات الخلفية الهوياتية والتي استوظفت تلفزة القرب التقنيات المتوفرة للتعبير عنها دونما إكراهات مالية كبرى.

والمقصود هنا إنما التقنيات الرقمية التي كسرت تكاليف إنتاج البرامج المحلية والجهوية لدرجة تغدو معها العملية هينة في التمويل دونما ضغط أو تعجيز.

+ أما العنصر الثالث فيتمثل في تعدد مجالات وأشكال التعبير المواطناتي الملازمة لتراجع ضغط الدولة المركزية على أساس هذا الاعتبار أو ذاك...إذ لم تعد الأعتدة التلفزية هي المحتكرة لنظم البث والإرسال بل أتت الشبكات الألكترونية (الإنترنيت تحديدا) لتوسع من مجال تلفزة القرب حتى في المحدودية التي لا تزال ميزتها بداية هذا القرن.

وعلى هذا الأساس، فإذا كانت تلفزة القرب تشكو تعذر التمويل (لدرجة تحول بعضها إلى الموسمية الخالصة)، فإن سياسات اللامركزية المتزايدة المد بكل جهات العالم، كما الأفق التكنولوجي المصاحب لذات السياسات إنما سيكون من شأنها الدفع بفلسفة ذات التلفزة فكرة وعلى مستوى المضمون.

لو تسنى للمرء أن يدقق في بعض تجارب تلفزة القرب "المتأخرة" لاستوقفته حتما تجربة فرنسا حيث سيادة المركز تاريخيا وتعثر سياسات اللامركزية وتحكم النخب البيروقراطية في دواليب السلطة والقرار.

فالتلفزة الفرنسية هي بامتياز، في تاريخها وهندستها، تلفزة قطاع عام متمحور حول قيم مرفق عام مصانة دستوريا ومدققة تشريعا ونادرا ما تتم المزايدة بشأن مكانتها.

ولما كانت كذلك، فإنها ستكون بالضرورة عامة، تحكمها اعتبارات عدة ويتداخل بصلبها السياسي بالاقتصادي بالسيادي وما إلى ذلك...تماما كالاتصالات أو النقل الجوي والسككي أو ما سواها.

هي حالة نموذجية بامتياز لم تخلخلها ربما إلا إكراهات البناء الأوروبي وتزايد المد اللبيرالي وانفتاح الأسواق واشتداد المنافسة والحضور القوي للعامل التكنولوجي.

بالتالي، فلم ينفتح المجال التلفزي بفرنسا، على محك كل هذا إلا ابتداء من بداية ثمانينات القرن الماضي حيث تمت خوصصة الشبكات التلفزية الكبرى وسمح بقنوات تجارية وتسنى للجماعات المحلية أن تنشأ قنوات لها ولم يتمكن "المجال الجمعوي" من بلوغ ذات المجال إلا بداية هذه الألفية مع " قانون طروطمان"...فبرز بالتالي قطاع تلفزي محلي وجهوي على خلفية تجارية (حملت لواءه الصحافة الجهوية) وقطاع عام وطني غير ممركز ( القناة الثالثة تحديدا) وقطاع عام بمبادرة محلية تكفلت به البلديات وقطاع جمعوي ثوت خلفه أطياف مختلفة من المجتمع المدني.

صحيح أن لكل قطاع تمثلا للعمل التلفزي المحلي، ولكل منه تصوره لمصادر التمويل، لكنهم يدفعون مجتمعين بمبدأ تلفزة القرب بجهة التعدد تأكيدا لكن أيضا بجهة التنوع والتميز.

لو كان لنا، بالبناء على ما سبق من عناصر، أن نقف عند ظروف وآفاق قيام تلفزة قرب بالمغرب لاعترضتنا إكراهات كبرى من العسر رفعها على المدى المنظور:

+ أولا، هناك قناتان عموميتان ترفعان شعار القرب في "أدبياتهما" كما تحت مسوغة "إنتاج" وتمرير وتغطية أنشطة بعض من جهات البلاد أو تبيان تميزها وتنوع مجالها.

بهذه النقطة، أعتقد أن تلفزة القرب كما قدمنا لها هنا لا تتساوق والطبيعة العامة لهذه القناة أو تلك.

تلفزة القرب لا تقتصر على التغطية الموسمية أو المناسباتية. هي عمل يستمد مشروعيته من تموقعه الجهوي، يقوم عليه السكان جملة وبالتفصيل ويتغيأ خلق جسور الارتباط والتواصل فيما بين مكوناتهم.

+ ثانيا، غالبية الجماعات (فما بالك بالجمعيات المحلية أو الجهوية) تشكو من ضيق الأفق ولا أدوات لديها ولا إمكانيات مادية (أو على مستوى الرغبة) يمكنوها من خوض غمار تجربة الإنتاج التلفزي المحلي حتى بتوفر الأطر.

هي أجهزة غير مستقلة عن سلطة القرار المركزي وهذه الأخيرة لا تنظر لوسائل الإعلام والاتصال إلا بعين الريبة والحذر...فكيف يا ترى سبيلها إلى ذلك؟

+ ثالثا، حتى لو سلمنا بقيام قنوات تلفزية جهوية على ضوء قانون تحرير القطاع السمعي-البصري، فإنها ستكون حتما وبالتأكيد من تمويل مجموعات خاصة تدور في فلك السلطة بهذا الشكل أو ذاك...بالتالي، فستكون القنوات إياها تعبيرا عن هذه المصالح لا عن واقع حال الجهة التي تبث انطلاقا منها. سنكون هنا أيضا أبعد ما نكون عن تلفزة القرب كما تتكرس بفضاءات قائمة أخرى.

+ رابعا، نجاح تلفزة القرب يفترض توفر ظروف موضوعية قبلية تشمل الحرية السياسية والثقافية والحق في التعبير والتفكير...وتشترط تكريس حقوق أساسية أولها الحق في الإعلام والاتصال والحق في المعرفة وتفترض فوق كل هذا وذاك تملك الفرد والجماعة لقراره دونما إكراه أو استصدار.

إنها تفترض جوا من الديموقراطية حقيقي...كيف الحديث عن تلفزة قرب تعبر عن ديموقراطية محلية في تغييب الديموقراطية على المستوى العام؟

* "تلفزة القرب بالمغرب"، جريدة اليسار الموحد، 28 يناير إلى 4 فبراير 2005

Vous pouvez partager ce contenu