Aller au contenu principal

"تلفزة النكسة بالمغرب"

news-details

ليس المقصود بتلفزة النكسة بالمغرب في هذا المقام ارتدادها عن واقع حال أمثل كان سائدا ولا تحول التلفزة عن سلوك من الرضا والاستحسان كان قائما.

المقصود بالعبارة إنما أمران أساسيان إثنان:

+ الأول ويكمن في المراهنة على الخروج من طقوس القارية والسكون التي طبعت المشهد التلفزي إلى غاية قيام ما اصطلح على تسميته ب "العهد الجديد"..فحلت الانتكاسة من بين ظهرانينا بعدما تأكد أن استمرار ذات الطقوس جملة وتفصيلا إنما هو القاعدة-الأساس في حين أن القطيعة معها (مع ذات الطقوس أعني) هي الاستثناء ليس إلا.

+ أما الأمر الثاني فيتمثل في طبيعة "الإصلاح" الذي استنبتته عقود من المطالبة والتراكم والذي لم يفرز من بين ثناياه إلا قوانين ومؤسسات تبدو "جديدة"، لكنها حقيقة الأمر أقرب إلى تشديد الرقابة والضبط منها إلى الانفتاح والاستقلالية.

وعلى هذا الأساس، فالنكسة المعنية هنا إنما سقناها احتكاما إلى خاصية الارتداد عن تصور منشود لا بناء على صيرورة تاريخية أو رؤية قائمة لدى صاحب القرار أصابنا التذمر من النكسة التي طاولتها في الشكل والمضمون.

هناك، فيما نعتقد ونتصور، ثلاثة نماذج كبرى تبين بجلاء نكسة ما وقع بالسمعي-البصري احتكاما إلى مطالب وتطلعات و"مشاريع" لطالما تم رفعها من هذه الجهة أو تلك، بهذه الصيغة أو تلك:

+ الأول ويتمثل في قانون الصحافة "الجديد" الذي انتفت بصلبه العديد من الحقوق والضمانات أمام بنود زجرية، سالبة للحريات وممارسة لشتى أصناف التضييق والإكراه.

لم يطل القانون إياه، لحد الساعة، صحفيين بالإذاعة أو بالتلفزة (مقارنة بأحكام السجن التي طاولت الصحافة المكتوبة)، لكنه من غير المستبعد أن تطالهم عندما تتحرر السوق السمعية-البصرية ويتجرأ بعض الفاعلين بها على تجاوز الخطوط الحمراء أو المساس بهذه الطينة من البشر أو تلك. هو قانون/انتكاسة بامتياز قياسا إلى الطموح الذي سبقه وصاحب النقاش المحدود الذي دار حوله، وأيضا بالقياس إلى خطاب "الانتقال الديموقراطي" الذي لم يكن قانون الصحافة إياه إلا صورة من صور المآل الذي بلغه ذات الانتقال قلبا وقالبا.

+ أما النموذج الثاني فيتمثل في الصيغة القانونية والتشكيلة "التحكيمية" التي جاء بها وفي إطارها المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري. لم تأت الانتكاسة فقط، بهذه النقطة تحديدا، من خلفية إنشاء المجلس، ولا من نوعية أعضاء المجلس الذين تم تعيينهم "كحكماء"، بل وأيضا من خلفية الرقابة والضبط التي تحكمت في مفاصل النص كما في مسلكية اختيار أعضائه.

إننا (كما غيرنا) كنا ننشد ونتطلع إلى مجلس أعلى واسع الصلاحيات، مستقلا عن كل الأجهزة، يستمد مصادر تمويله من إتاوات التراخيص، يقرر دونما لجوء لاستشارة أو طلب قرار...ويكون قائما عليه أعضاء مشهود لهم بالكفاءة في الميدان ويتوفرون على رؤية في ذلك مؤطرة.

بالتالي فإننا بهذا المجلس إنما أضحينا بإزاء نكسة حقيقية ليس فقط قياسا إلى ما كان يتراءى للعديد ضمننا، بل وأيضا احتكاما إلى ما توفر من تجارب كان من المستحسن اعتمادها "دليلا ومرجعا".

+ النموذج الثالث ويرتبط بمسودة قانون التحرير السمعي-البصري الذي لم يتسن له بعد الخروج إلى حيز الوجود، لكن معالمه الكبرى واضحة، جلية: فهو سيبقى محكوما بمنطق الأمن والضبط والتغريم والحبس تماما كما يتبين من بعض سطوره. وهو لن يخرج عن السياق العام الذي جاء قانون الصحافة والمجلس الأعلى في سياقه. إنه مكمن انتكاسة كبرى قياسا إلى ما تطلعنا إليه في الشكل كما في الجوهر.

إننا حقا بإزاء ثلاث حالات نموذجية تبين بقوة أن الذي راهنا عليه لم يكن بأي شكل من الأشكال مثار اهتمام ولا مراهنة من لدن صاحب القرار:

+ فنحن راهنا على قانون للصحافة مرن وتطوري لا تستحضر بصلبه جوانب الزجر والعقاب والحبس إلا في الحالات الواضحة القصوى والتي يبث فيها القضاء دونما تمييز...راهنا على ذلك في حين أن رهان السلطة استحضر ذات الجوانب أولا وترك ما سواها إلى المراتب الدنيا.

+ ونحن راهنا على مجلس أعلى في السمعي-البصري مستقل، صاحب قرار لا إكراهات من هذه الجهة أو تلك عليه...في حين أن السلطة راهنت على ألا يخرج نصه المنشأ ولا تشكيلة أعضائه عن فلكها في الاستشارة كما في الرأي.

+ ونحن راهنا (ولا نزال) على قانون في التحرير يفسح في المجال لصاحب الكفاءة، المتوفر على قدرة الإبداع، القادر على المنافسة الشريفة، في حين أن السلطة راهنت على الذي لديه القابلية على الانضباط، المستعد للمساومة، المحتكم لتمثله لموازين القوى وهكذا.

ما السر إذن في تباين الرهانات والممانعة في التصورات؟

إنه يتراءى لنا حصرا في ثلاث حقائق لطالما ركزنا عليها واعتبرناها المحك الذي على أساسه يتحدد حاضر التلفزة بالمغرب ومستقبلها:

+ الحقيقة الأولى ومفادها أن التلفزة إنما هي بامتياز أداة لإنتاج وإعادة إنتاج الرمز بخلفياته المختلفة وطقوسه وتراتبياته وما سوى ذلك. ولما كانت كذلك وأكثر فإنه من المستبعد (لدرجة الاستحالة ربما) "تحريرها" أو تحرير الفضاء الناظم لها...لأن من شأن ذلك السماح لتمظهر خلفيات وطقوس وتراتبيات مضادة من المؤكد أنها ستناوئ الأولى (السلطة أعني) احتكارها للرمز وحصر فضائه في فضائها نسبيا وفي المطلق.

بالتالي، فعندما نطالب بتلفزة مواطنة فلأننا نريد تلفزة لا تنطق باسم هذه الجهة أو تلك بقدر ما نريدها بانية لشبكتها البرامجية على أساس ما يتسنى لها استقراؤه من أذواق المشاهدين ومن تطلعاتهم.

+ الحقيقة الثانية وتكمن في قابلية التلفزة بالمغرب (عند التحرير) على تمرير إيديولوجيا الأفراد والجماعات في الوقت الذي لا يسمح به إلا بإيديولوجيا التوحيد التي تتغيؤها السلطة ولا تستلطف ما دونها من إيديولوجيا مناقضة أو مناهضة أو مناوئة أو ما سوى ذلك.

بالتالي، فالتحرير المزمع خلقه وتقنينه لا ينفي مركزية الإيديولوجيا القائمة، بل هو مطالب بالدوران في فلكها سواء سمح بالبث باللهجات أم تم توسيع فضاء البث إياه خارج هذه الجهة أو تلك.

إن الإيديولوجيا الواحدة بالمغرب لا تنفي فقط ما سواها من إيديولوجيات، بل لا ترتضي لهذه الأخيرة من دور إلا إذا كان بالمحصلة دائرا في فلكها كلمة وصوتا وصورة...وهكذا.

+ أما الحقيقة الثالثة فتتراءى لنا كامنة في ضغط لوبيات المصالح الكبرى التي لم تفتأ ضمنيا تطالب بخلق منبر لها بالصوت والصورة يؤكد إذا لم يكن " قوتها" فعلى الأقل صورتها ويموسط لذات الصورة بهذه الجهة أو تلك.

ومعنى هذا أن هناك بالمغرب مجموعات كبرى ("خاصة" بالأساس) لم ترض يوما عن واقع تغييبها بمربع التلفزة ولا عن تهميش " نشاطاتها" ولا عن الصورة الإيجابية التي تريد أن تدفع بها على المستوى العام كما على مستوى المناطق والجهات.

وبقدر ما لا يمكن للمرء أن يزايد على هذه الجهة أو تلك حقها في خلق منبر لها بالصوت والصورة يموسط لها ويمرر لخطابها، فإنه لا يستطيع بتحصيل حاصل، إلا أن يلاحظ أن ذات الجهات إنما هي محكومة ضمنيا بمنظومة لن تستطيع الإفلات منها...وإلا فدونها ودون ذلك الحصار والإكراه.

ليس ثمة من شك إذن، فيما نعتقد، بأننا حقا إنما بإزاء حالة من الانتكاس لم يتسن للتلفزة بعد التخلص من إرهاصاتها ولا الإفلات من إكراهاتها. إذ الواقع السائد أن الذي راهن عليه المرء بقدوم "العهد الجديد" إنما تبخر في منطق الاستمرارية والقارية وإبقاء سير الأمور على وتيرتها. ومعنى هذا أن لا قطيعة إطلاقا بين ما كان سائدا لأربعة عقود من الزمن وبين الذي ساد منذ أربع سنوات ولا يزال:

+ فالشبكة البرامجية للتلفزة (بقناتيها) بقيت على حالها جملة وتفصيلا، بل تطورت سلبيا عبر أشكال المنع والتضييق والإكراه التي طالت صحفيين بالقناة الثانية مثلا كانت تعتبر إلى حين عهد قريب "واحة الحرية والجرأة" بالمغرب. لربما كانت القناة إياها كذلك في فترة من الفترات، لكن هامش الفعل والحركة كان ممنوحا ومرخص به ولم يكن الارتداد عنه غير وارد بالمرة.

إذا لم يكن الأمر كذلك فما السر في سحب وإلغاء برامج كانت إلى حين ليس ببعيد جدا منارة القناة الأولى والثانية فأزعجت أولي الأمر من بين ظهرانينا (علينا أقصد) فألغوها جملة وتفصيلا بمبرر أحيانا ودونما حاجة من لدنهم لتبرير ذلك في أحيان كثيرة؟

وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الآية من ترك طبيعة الأخبار على وصفتها دونما تغيير وتثبيت أناس بمواقع ليست لديهم الكفاءة اللازمة لتسييرها أو ضمان الحياد بداخلها؟

+ والخطاب الموجه (التبريري منه كما التجنيدي الفج) لم يزدد منذ انبعاث "العهد الجديد" وإلى يومنا هذا، إلا تكريسا وقوة وشيوعا...إننا تلفزيا وبكل المقاييس بإزاء عهد ما قبل "العهد الجديد" خطابا وتبريرا وتأويلا بل وقلبا للحقائق، تمويها لها.

إذا لم يكن ذات الاعتقاد ذي مصداقية تذكر، فما يا ترى تفسير وتبرير ارتهان التلفزة (وارتهاننا قسرا معها) في طقوس من الاحتفال الباهر، بالمباشر الحي،  لأيام وليال طوال، بعين المكان كما بالأستوديوهات المليئة بالضيوف... بفريق " لنا" في كرة القدم منهزما فما بالك لو كان له أن ينتصر أو يحصد الكأس؟

 كيف تفسير وتبرير تلك البهرجة العارمة من علية القوم إلى أبأس مواطن بالبادية والجبل...في حين لم نر من فاجعة الريف شيئا يذكر اللهم إلا (في اليومين الأولين على الأقل) ما بثته المحطات الأجنبية في وقت "تعذر على قناتينا" الوصول إلى عين المكان "لوعورة المنطقة" أو "لغياب الإمكانات".

ما تفسير وتبرير غياب الدولة بإعلامها وتلفزتها وأعينها الساهرة في حالة بلاد الريف...وسهر ذات الدولة (وتلفزتها أيضا) وأعين مسؤوليها في استنفار المغاربة (حتى البؤساء منهم) كي يصدقوا أنهم حقا هم الفائزون بتونس؟

إنها  بكل المقاييس حالة متجددة من حالات النكسة العامة التي تستنبت من بين ظهرانينا شكلا كما في المضمون...ولا نملك من صفة أخرى بالإمكان اعتمادها في هذا المقام.

* "تلفزة النكسة بالمغرب"، جريدة العلم، 23 مارس 2004

Vous pouvez partager ce contenu