Aller au contenu principal

اليحياوي: الجلسات ليست حدثا إعلاميا بل توظيفا للحدث والصورة والدعاية الإعلامية

انطلقت الأسبوع الماضي حلقات جلسات الاستماع العمومية التي تتبناها هيأة الإنصاف والمصالحة وتبثها مباشرة القناة الأولى المغربية حيث تم بث حلقتين يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين وسيتوالى بث الحلقات المقبلة خلال هذا الأسبوع لتمتد على مدى أربعين جلسة استماع. وتم الاستماع خلال هاتين الحلقتين إلى مجموعة من الشهادات الشفوية لضحايا ما كان يعرف بسنوات الجمر والرصاص وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 1956 وسنة 1999.

واعتبر العديد من المراقبين الوطنيين أن هذه الجلسات العمومية إحدى وسائل العمل غير القضائية التي تهدف إلى جبر الأضرار وتحقيق المصالحة بين أطراف القضايا المعروضة أمام هيأة الإنصاف والمصالحة والتي كان مجرد الحديث عنها أو طرحها في الماضي القريب أسبه بالمستحيل. لكن الملاحظة التي تثير الانتباه هي أن هذه الجلسات العمومية وعلى الرغم من أهميتها التاريخية (خاصة أنها سابقة في الإعلام المغربي) لم تحظ بالدعاية الكافية سواء في الصحافة المكتوبة أو السمعية أو البصرية ولم تخصص لها حلقات مسبقة للتعريف بها ولإطلاع المواطن المغربي على الكيفية التي ستمر بها ولتهيئء المشاهد المغربي وتحفيزه على متابعتها خاصة أنها تبث مباشرة.

 لتوضيح الصورة أكثر اتصلت "الصحراء المغربية" بالأستاذ يحيى اليحياوي وهو باحث في المجال الإعلامي وأجرت معه الحوار التالي لنقرب القراء من هذا الحدث التاريخي إعلاميا.

الصحراء المغربية: في البداية كيف تقيمون جلسات الاستماع العمومية التي انطلقت أولى حلقاتها الأسبوع الماضي؟

يحيى اليحياوي: إن إعطاء تقييم أولي لهذه الجلسات العمومية لا يمكن أن نحدده اليوم. فالجلسات عددها أربعين حلقة أو أكثر ولم يبث منها سوى إثنتين وسنكون مجحفين لو وضعنا لها تقييما وهي في بدايتها.

من الناحية العلمية هذا التقييم مسألة  غير سليمة سواء بالنسبة للقناة التي تبث هذه الجلسات أو للقائمين على هذه العملية وحتى بالنسبة لنا كباحثين إعلاميين.

لكنه يمكن القول إن تمرير هذه الجلسات عبر التلفزة والإذاعة هي مسألة صحية كونها تمكن المواطنين الذين لم يعاصروا هذه المرحلة من معرفة بعض الحقائق الغائبة ولو أننا كمهتمين وإعلاميين نعرف ذلك بحكم المذكرات التي صدرت وبحكم الكتب والشهادات التي سبق الإدلاء بها بالنسبة لما وقع في حقبة دامت أكثر من ثلاثين سنة. لكن بالنسبة للجماهير الشعبية هذا شيء مهم خاصة الساكنة المتواجدة بالمناطق النائية والبوادي ليعرف المغاربة إلى حد ما ما وقع لهذه الفئة التي تشمل من كانوا معارضين للنظام.

من الناحية العملية والمبدئية هي مسألة صحية وخلفت نوعا من التواصل بين الأشخاص الذين واكبوا هذه المرحلة ومروا منها وبين الناس الذين لم يعاصروها وكلهم فضول لمعرفة ذلك ولمعرفة ما جرى.

بالنسبة للتوقيت التي تبث خلاله جلسات الاستماع أعتقد أنه توقيت غير سليم. السادسة أو السادسة والنصف مساء ليس بالتوقيت المناسب لعرض هذه الشهادات. نعرف أن هذا التوقيت يوازي التوقيت الذي ينتهي فيه المغاربة من عملهم اليومي حيث لا يصلون إلى منازلهم إلا في غاية الساعة السابعة أو السابعة والنصف وربما أكثر. بالتالي فهم لن يتمكنوا من متابعة الجلسات خاصة وأنها مباشرة.

 بالنسبة لي (من ناحية أخرى) لم أعرف ما هي المقاييس التي تم بها اختيار الأشخاص الذين مروا أو الذين سيمرون عبر هذه الجلسات سيما وأن العديد من الأشخاص عبروا عن احتجاجهم لاستدعاء بعض الضحايا الذين قدموا مداخلات  تعبر عن توجهات سياسية لا علاقة لها بموضوع الجلسات والعديد من المنابر الإعلامية كتبت عن ذلك.

الصحراء المغربية: السؤال الأساسي الذي يجب أن يطرح اليوم هو لماذا التلفزيون بالأساس؟ هل هي عملية يمكن من خلالها التصالح مع الماضي وبالتالي سيكون التصالح مع التلفزيون؟

يحيى اليحياوي: ما يمكن أن يقال إن هناك توظيفا للأداة الإعلامية وهي التلفزيون الذي يركز على الصورة ربما لتمرير خطاب رسمي أو تمرير مجموعة من الرسائل للجماهير الواسعة منها ما هو مشفر ومنها ما هو مباشر.

 الصحراء المغربية: وهل تشكل هذه الجلسات بالفعل عهدا جديدا لتصالح التلفزيون مع المشاهد؟

يحيى اليحياوي: لا أظن أن هذه العملية هي التي ستخلق تصالحا لأن أزمة التلفزة أزمة بنيوية وما سيلاحظ بعض عرض 40 أو 50 حلقة أو أكثر أن التلفزة ستعود إلى ما كانت عليه ولن يحدث تغيير. ستعود كما يقول المثل "ريما لعادتها القديمة" ولن يتغير شيء وستبقى شبكة البرامج كما هي لأن المسألة من وجهة نظري بنيوية.

الصحراء المغربية: وهل تعتقدون أن جلسات الاستماع العمومية تشكل حدثا إعلاميا بامتياز؟

يحيى اليحياوي: لا أعتبر أن هذه الجلسات حدثا إعلاميا بل هو توظيف هيئة الإنصاف والمصالحة للتلفزة لتظهر أن هناك مجالا للشفافية من خلال كشف الحقائق بل هناك توظيفا للصورة لتجفيف منابع الغضب الذي تشعر به الجماهير وذلك بتمكينها من الاستماع لكل ما كان يجري خلال تلك السنوات الأليمة علانية وأمام منابر إعلامية وطنية وأجنبية ونحن نعرف مدى تأثير الصورة على الجمهور ولا نلاحظ البثة أن هناك تواصلا بين التلفزة والجمهور.

لا يمكن القول إن هناك حدثا إعلاميا بل توظيفا للحدث والصورة للتأثير من أجل تفجير طاقة من الغضب والاحتقان التي يشعر بها العديد من المعتقلين السابقين والجمهور عامة والمستقرة في ذاكرتهم لأكثر من عقدين من الزمن. الصورة هي أداة من الأدوات التي تمكن من تفجير منابع الغصب هذه. ولهذا لا أعتبره حدثا إعلاميا كبيرا لعدم وجود مقاييس يمكن أن نوظفها لاعتباره كذلك.

الصحراء المغربية: يلاحظ أن هذه التجربة المهمة لم تواكبها دعاية إعلامية كافية كما أنه لم يتم تسويقها بشكل جيد إلى القنوات الجماهيرية. كيف تعلقون على ذلك؟

يحيى اليحياوي: أعتقد أن لا أحد يعرف أو ليست لدينا المعلومات الكافية لمعرفة كيف اتفقت الهيئة على بث هذه الحلقات مع الإعلام وخاصة مع القناة الأولى ومباشرة. يمكن القول إن هذه العملية لم يخصص لها برنامج محدد يمكننا الاطلاع عليه. كماأن الهيئة لم توضح إذا ما كنا سنستمع أولا للمعتقلين والضحايا وبعدها نستمع إلى الجلادين ومن قاموا بهذه الأفعال الشنيعة وماذا سيكون بعدها. وهذا ما يؤكد ربما أن الهيئة لم تضع برنامجا محددا. كما أنه يمكن القول إن لهذه المبادرة بعد سياسي يتجلى في أن الهيئة نفسها لم تكن متأكدة من أنها ستبث هذه الحلقات العلنية مباشرة أو لم تكن تتوفر على الموافقة الأكيدة التي ستسمح لها باستخدام الإعلام.

من جهة أخرى نحن، لحد اليوم، لم نعرف الهدف الرئيسي وراء بث هذه الجلسات العمومية وما هي الغاية الأساسية من ذلك. ربما، كما يقال، هي محاولة لطي صفحة الماضي وفضح التجاوزات وطي الملفات العالقة وهذا ما نتمناه...لكن البعد الأساسي المركزي لهذه التغطية الإعلامية لم يظهر بشكل واضح لحد اليوم.

من ناحية أخرى لماذا لم يتم إحضار بعض الضحايا الذين أصيبوا بعاهات مستديمة أو الذين فقدوا عقولهم ومنهم من أصيبوا بشلل كلي أو أمراض مزمنة؟ ليس المهم أن يتكلموا بل يكفي أن نشاهدهم ونتعرف على حالتهم.

الصحراء المغربية: ولماذا تم تقديم الضحايا ممن هم مثقفون أو يملكون إمكانيات للحضور؟

يحيى اليحياوي: في الواقع هناك مجموعة من الضحايا الذين تعرضوا لأبشع الانتهاكات ولكن ربما بسبب تواجدهم في أماكن نائية أو في المدن الجنوبية لم يتمكنوا من الحضور ولا تساعدهم ظروفهم المادية.

المفروض إن كنا نريد شفافية أوسع أن يحضر هؤلاء ويحضر الجلادون لنعرف الهدف من وراء كشف هذه الانتهاكات وليتبين لنا من سنحاكم بالضبط... هل الأفراد أم المرحلة التاريخية. وهذه أسئلة ضمن أسئلة أخرى ستبقى معلقة وجلسات الاستماع المقبلة هي الكفيلة بالإجابة عنها.

* "اليحياوي عن جلسات الاستماع العمومية: الجلسات ليست حدثا إعلاميا بل توظيف للحدث والصورة والدعاية الإعلامية"،استجواب لجريدة "الصحراء المغربية"، 27 دجنبر 2004.

Vous pouvez partager ce contenu