Aller au contenu principal

"القنوات الفضائية وإشكالية الديموقراطية في الوطن العربي"

news-details

1- لم يتسن لمعظم أقطار الوطن العربي (وإن في تخلفها الشامل) أن تتخلف عن الطفرة التكنولوجية التي طالت وسائل الإعلام والاتصال نهاية ثمانينات القرن الماضي. ولم يكن لها، فضلا عن ذلك، أن تتجاهل تزايد وتيرة التيارات المعلوماتية التي مكنتها الطفرة إياها في الأدوات كما في المضامين

 والواقع أن ما حملته هذه الطفرة من أقمار صناعية وتقنيات رقمية وإمكانات هائلة للبث ولضغط الصوت والمعطى والصورة (بتزاوج وما جاءت به في خضمها الثورة المعلوماتية) كان " من الإغراء" ما جعل معظم الحكومات العربية (والمؤسسات الخاصة أيضا) إن لم تتسابق فعلى الأقل تتلاحق في إنشاء قنوات فضائية تنطق باسمها أو تعبر عن تمثلها للعمل الإعلامي أو تحت مسوغات أخرى.

 ولئن كان عدد الأقنية الفضائية العربية يتجاوز راهنا السبعين قناة (متعديا بذلك وبكثير عدد دول الجامعة العربية)، فلأن للعديد من هذه الدول أكثر من قناة (منها العام ومنها المتخصص) ولأن مؤسسات تجارية وصناعية عربية (داخل الوطن العربي أو في "المهجر") خلقت لنفسها قنوات فضائية "مستقلة" أو تدور في فلك جهة من الجهات.

 ليس من الادعاء في شيء القول بأن ما يتواجد اليوم من قنوات فضائية عربية (تغطي معظمها مختلف مناطق العالم) قد خلق طفرة كبرى في الإعلام العربي، ليس فقط بالكم الموجود أو بالمضامين المبثوثة، ولا بجهة تحريك السكونية والرتابة التي طالت، ولسنين طويلة، المشهد الإعلامي العربي وطبعته بسماتها، ولكن أيضا على اعتبار إسهامها في إعادة طرح المسألة الديموقراطية باعتبارها الإشكالية المركزية في الوطن العربي حالا واستقبالا.

2- هناك، فيما نتصور، مستويان أساسيان إثنان لا نرى بدا من سياقهما هنا لتجلية العلاقة بين طفرة القنوات الفضائية وإشكالية الديموقراطية بالوطن العربي:

 - المستوى الأول، مستوى موضوعي، ويرتبط أساسا بحقيقة أن هذه القنوات لم تنبعث في سياق ديموقراطي عام ولا أفرزها محيط سياسي اعتملت بداخله القيم الديموقراطية كانت القنوات إياها نتاجه أو جزءا من حركيته.

 إذ الحاصل أن معظم هذه القنوات لم تر النور إلا بقرار سياسي، حكومي ورسمي وفي إطار قوانين وتشريعات (و" دفتر للتحملات") يجعل من القناة( أو القنوات) القائمة مؤسسة عمومية مرتبطة، في تجهيزاتها ومواردها وكوادرها و"استراتيجيتها"، بما تحدده لها وزارات الإعلام أو وزارات الداخلية أو الوزارات الأولى حتى.

 وعلى هذا الأساس، فالقنوات إياها لا تختلف، في الشكل كما في الجوهر، عن تلك المبثوثة أرضيا بل قل إن معظمها بث مكرور لهذه الأخيرة صورة ومضامينا.

 هي إذن وبكل المقاييس مؤسسات رسمية (لا مقاولات إعلامية) أنشأتها الأنظمة السياسية العربية إما لتعميم البث (في المناطق الداخلية التي يتعذر بالتقنيات التقليدية بلوغها) أو لتلميع صورتها بالداخل كما بالخارج.

بالتالي فهي لا تخرج عن النسقية الإعلامية المتوارثة والمنبنية على التعتيم وتسطيح القضايا الكبرى وغض الطرف عن الإشكالات الأساسية، وإن "خرجت" عن النسقية إياها (جرأة أو إيهاما) فغالبا ما يتم ذلك في ظل ما يسمح به صاحب القرار السياسي ولجن الرقابة المتواجدة.

 من هنا فبقدر ما هي إفراز طبيعي لأنظمة حكم لاديموقراطية (وهي سمة مشتركة بين كل الأنظمة السياسية العربية) بقدر ما الممارسة الإعلامية بداخل هذه القنوات أبعد ما تكون عن الحرية والاستقلالية والمهنية والمصداقية.

 - المستوى الثاني، مستوى ذاتي لحد الموضوعية، ويكمن في تعامل هذه القنوات مع الإشكالية الديموقراطية داخل القطر الواحد أو في الوطن العربي إجمالا. لن يكون من المنتظر من قنوات تعتبر مرآة النظام القائم والناطق الرسمي باسمه أن تنفتح على الإشكالية الديموقراطية إلا بمقاس النمو السياسي للنظام إياه أو قابليته في ذلك.

 بالتالي، فما دامت معظم الأقطار العربية متحفظة على الديموقراطية، وما دام الانتقال الديموقراطي بداخلها عصي على الاستنبات، وما دامت النظم بهذه الأقطار محتكرة للسلطة السياسية، ممركزة لها بين يدي العائلة الحاكمة (ملكيات وجمهوريات سواء بسواء) فإن التعرض للإشكالية الديموقراطية (بجهة التعددية الحزبية أو تداول السلطة أو مراقبة ومحاسبة الحاكم أو بغيرها)، فإن هذا التعرض هو إلى المحذور أقرب منه إلى المباح أو المتاح.

 ثم مادام الحاكم، في البلدان العربية، هو الدولة، استمرارها من استمراره وعجزها من عجزه وسبل خلاصها هي من إلهامه وزعامته، ما دام كل ذلك قائما، فلن يكون للقنوات الفضائية سوى التهليل له والتخصص في مدحه والترويج لمنجزاته واختزال "الديموقراطية" في شخصه. لهذا السبب (ولغيره) لا ترى القنوات الفضائية (كل فيما يخص نظام بلدها السياسي) من ديموقراطية خارج " ديموقراطية" النظام الحاكم ولا طفرة سياسية خارج " طفرة" النظام القائم.

 لا تختلف معظم القنوات الفضائية العربية (ومعظمها حكومي) في التمثل إياه، بقدر ما تختلف في التبريرات التي تبني له وتؤسس. والواقع أن هذه القنوات ، وإن اجتمعت في اعتبار كل واحدة منها لنظامها السياسي كالنظام "الأكثر ديموقراطية"، فهي تختلف في المبررات المقدمة والتأويلات المطروحة:

  فالقنوات "الملكية" لا ترى من ديموقراطية خارج الملك والنظام الملكي حتى وإن غابت عن مسرحه السياسي الأحزاب والجمعيات واقتصر المسرح إياه على الرجال دون النساء واستهدفت في ظله الحريات والحقوق وما إلى ذلك.

 والقنوات "الجماهيرية" لا تعترف (شأنها في ذلك شأن نظامها السياسي) بالديموقراطية "الملكية" أو ما سواها من "أشكال الديموقراطية"، بقدر ما تدفع ب "ديموقراطية المؤتمرات الشعبية" التي تغيب الأحزاب وتستهجن الاختلاف وتستبعد التداول على قمة السلطة وهكذا.

 ثم القنوات "الجمهورية" التي وإن انفتحت نسبيا (كما نظامها السياسي) على مكونات الاختلاف الموجودة بالمجتمع، فهي غالبا ما تبرزها كأقليات لا مجال لمقارنة شعبيتها ب "شعبية القائد".

 وهناك من القنوات من نأت  (جملة وتفصيلا) بذاتها عن كل هذا وذاك، " فتخصصت" بعضها في الموسيقى والغناء وبعضها في "الثقافة والترفيه" وبعضها الآخر في الرياضة والموضة وما إلى ذلك.

 3- هي إذن، بالمحصلة النهائية، قنوات الحاكم بامتياز، تبجله وتمدحه وتختزل "التجربة الديموقراطية" في شخصه، وهي لا تدعي لنفسها الاستقلالية أو المصداقية (أو المهنية على الأقل) ولا تعير الرأي العام كبير قيمة ولا تستسيغ النقد أو النصيحة.

 وهي لا تطرح الشأن العام في الفضاء العام ولا تعكس حركية المجتمع والناس ولا تهتم بتطلعاتها في تشكيل شبكتها للبرامج. هي قنوات مضرة، على هذا الأساس، وإلى حد بعيد. فهي تساهم في إعاقة "الانتقال إلى الديموقراطية" وتساهم في تكريس الاستبداد وتجدير التسلط وتدفع (بالتبرير لدرجة الشرعنة الإضافية) بديكتاتورية الحاكم إلى مستويات التقديس حتى وإن ظهر على شاشاتها في صورة إنسان.

 لسائل يتساءل: أو ليست الديموقراطية الإعلامية، المطالب بها في هذا المقام، هي من صلب العملية الديموقراطية ذاتها لا تستقيم الأولى بموجب ذلك إلا باستقامة الثانية، أعني تكريسها على أرض الواقع؟ أو ليس من اللاموضوعية تصور أداء إعلامي للقنوات إياها على مستوى عال في حين تبقى الممارسة السياسية (على أرض الواقع) في أدنى مستوياتها؟

وهو تساؤل معقول، إذ الديموقراطية، بداية المطاف ونهايته، حركية شاملة لا تعتبر الممارسة السياسية إلا تجليا من تجلياتها، وهي لا تتجزأ فضلا عن ذلك.

لكن المفارقة في معظم القنوات الفضائية العربية إنما تكمن (من بين ما تكمن فيه) في الموسطة الكبيرة لأنظمة حكم تشي لها صورتها بذات القنوات ولكأنها حقا ديموقراطية، فلا تتساءل بالتالي أو لا تتوفر لديها القابلية على اعتبار سلوكها لاديموقراطيا أو يحيل مباشرة على مختلف أشكال العنف والترهيب.

 ومعنى هذا أنه حتى لو تم التسليم بأن الإعلام (من خلال هذه القنوات على الأقل) هو عنصر من عناصر العملية الديموقراطية وليس عنصرها الحاسم، فإننا، بناء على ذلك، لا يمكن إلا أن نسلم أيضا بأن الإعلام هو بالمثل معطى (ضمن معطيات أخرى) لقياس درجة "دمقرطة" نظام ما أو لمستوى الانتقال إلى أشكال سياسية أكثر ديموقراطية بداخله.

 ومعناه أيضا أن تلمس الدمقرطة تلك والانتقال ذاك يمكن أن يتم من خلال مستوى استقلالية الإعلامي عن السياسي إلى حدود طرح قضايا الشأن العام دون مواربة والحديث بالسلب في ذات "القائد" دونما خوف أو ريبة...وهو ما لم يحصل إطلاقا وإن حصل فبالتلميح البعيد.

 4- ولئن كنا مقتنعين أشد ما يكون الاقتناع بأن هذه القنوات (الحكومية كما الشبه حكومية كما التجارية) لم تفرز الطفرة المرجوة (قياسا إلى عددها المتواجد) بحكم إكراهات الانتماء والتمويل وغيرها، فإن هناك بالمقابل من التجارب ما يمكن اعتبارها وإلى حد بعيد طفرة في الإعلام العربي الملتقط فضائيا.

 قد يستطيع المرء تجاوز تجربة مركز تلفزيون الشرق الأوسط ( في تبعيته للتمويل السعودي) أو تجربة قناة أبو ظبي (بكوادرها المكونة وبمراسليها المنتشرين عبر معظم جهات العالم) أو قناة المنار وقناة فلسطين (وإن في تفرد تجربتهما وتركيزهما الأساسي على مواجهة الاحتلال الصهيوني)، لئن استطاع المرء تجاوز كل هذه التجارب، فإنه لن يستطيع، بأي حال من الأحوال، تجاوز تجربة قناة الجزيرة.

 إذ لا تعتبر قناة الجزيرة طفرة في الإعلام السمعي/البصري العربي كونها فقط استقطبت وجوها إعلامية (ذات تجارب طويلة في الميدان) وكفاءات متميزة، ولا كونها تضم في هيئتها مراسلين جديين بمختلف نقط العالم الحساسة ولا (حتى) كونها حققت سبقا صحفيا عالميا بعد ما تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية يوم الحادي عشر من شتنبر، ولكن أيضا وبالأساس لأنها تعرضت، ببرامجها الإخبارية كما بسلسلاتها الحوارية، لقضايا عربية كانت إلى حين عهد جد قريب، شبه محرمة أو محذورة أو من غير الوارد موسطتها تلفزيا.

 لم تتوفق قناة الجزيرة في تبيان هشاشة القنوات الفضائية (الحكومية والتجارية سواء بسواء) الدائرة في فلك الأنظمة السياسية المنشئة لها والقائمة عليها فحسب، بل تعدت ذلك إلى إيضاح خطأ المفارقة التي تدفع بها هذه القنوات: إذ هي، شأنها شأن القنوات إياها، خليقة دولة قطر، تمولها وتأوي مقرها العام ولا تتدخل بالتالي (أو هكذا يبدو) في خطها التحريري أو في سياستها الإعلامية، ولا تبدو كثيرة الانشغال بالاحتجاجات التي تتعرض لها أو مقاضاة البعض (أفرادا ودولا وحكومات) لها.

 وعلى هذا الأساس، فلم تلق القناة من حرج في طرح القضية الديموقراطية بالوطن العربي وبالعديد من دوله، تماما كما لم تتوان في طرح (بموازاة القضية إياها) قضايا حقوق الإنسان وتداول السلطة ودور الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية وإشكالية الأقليات وقضية الدين والدولة وغيرها.

 ولئن جهلنا  طبيعة الخطوط الحمراء التي وضعت لذات القناة في تناولها لأنظمة الحكم بدول الخليج العربي (اللهم إلا ما تعرض له عبد الله النفيسي والقليلون مثله)، فإننا متيقنون من كونها وضعت ممارسات الأنظمة هاته في المحك، ليس فقط في تضييقها على شعوبها واستكثار الحرية عليهم، بل وأيضا في تحالفاتها الخارجية وارتهان قراراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية من لدن دول أجنبية.

ليس من أحكام القيمة إذن القول بأن قناة الجزيرة ساهمت، وإلى حد كبير، في الرفع من الوعي السياسي للمواطن العربي لا من خلال تغطية ما يجري بالأقطار العربية ولكن أيضا عبر بثها للبرامج الحوارية (المباشرة) ذات الطبيعة السياسية التي جعلت المواطن  يستهجن قنواته لصالحها وينفر إعلامه، في جملته وتفصيله، لفائدتها.

 5- لو كان لنا، نهاية المطاف، أن نحصر حصيلة أداء القنوات الفضائية العربية ومدى مساهمتها في "تفعيل" الإشكالية الديموقراطية بالوطن العربي، لوقفنا إجمالا عند ثلاث نقط كبرى:

 + النقطة الأولى وتتمثل في الهوة الفاصلة بين التحولات التكنولوجية التي أفرزت القنوات الفضائية ووتيرة التحولات السياسية التي كان من المفروض أن تكون القنوات هاته إن لم نقل عنصرها الحاسم، فعلى الأقل مكونها المركزي. إذ الحاصل أن معظم القنوات الفضائية العربية لم تساهم في الدفع بعمليات التحول السياسي ضمن هذه الدول، بقدر ما ساهمت في تكريس واقع الحال وتجدير الإحساس بتعذر المآل.

 + النقطة الثانية وتكمن في عدم استساغة أنظمة الحكم القائمة بأن القنوات الفضائية هي سلاح ذو حدين: فإذا لم توظفها ضمن باقي الأدوات الأخرى لتحقيق انتقال ديموقراطي، فإنها ستكون عامل تشويش دائم عليها... لدى مواطنيها ولدى الخارج سيما إذا استطاعت التنظيمات المطالبة بالديموقراطية إقامة قنوات لها للتعبير.

 + النقطة الثالثة وتتمثل في القول بأن إحدى مقاييس الديموقراطية والدمقرطة، المعتمدة راهنا، لم تعد كامنة فيما تمرره أنظمة الحكم من "خطابات ديموقراطية"  عبر هذه القنوات، بل وبالأساس في درجة استقلالية تلك القنوات عن ذات الأنظمة وإمكانية طرحها قضايا الشأن العام (بما فيها " قدسية الحاكم") للنقاش والمحاسبة ...بصرف النظر عن طبيعة النظام القائم أو المتحكم في التمويل أو الآوي للمقر.

* "القنوات الفضائية وإشكالية الديموقراطية في الوطن العربي"، جريدة العلم، 5 مارس 2002.

Vous pouvez partager ce contenu