المنصف العياري (مشرف)، اتحاد إذاعات الدول العربية، تونس، 2006، 56 ص.
1- بتقديم الدراسة، نقرأ التالي: "يعد الخبر العمود الفقري، وحجر الزاوية في العمل الصحفي التلفزيوني. ويكاد ينحصر التنافس بين القنوات التلفزيونية، سواء كانت جامعة أو متخصصة، حكومية أو خاصة، في عصر المعلومات الذي نعيشه، في مجال تحقيق السبق الصحفي، وشد المشاهد بشتى الطرق، التي قد تجعل الإعلام يجانب الحقيقة".
الأخبار، برأي واضعي الدراسة، لا يجب أن ترتكن إلى نقل الواقع بصفة اعتباطية، بل "لا بد أن تتوفر مجموعة من الصفات في الخبر الصحفي"، لعل أبرزها الدقة والصدق والموضوعية، إذ يجب أن يكون الخبر "مجردا، يذكر الحقائق دون تشويه أو تحريف أو تلوين".
ولعله من شبه المستحيل، تقول الدراسة، "أن تتحقق مثل هذه الصفات بشكل مطلق. فلكل قناة تلفزيونية خطها السياسي، وجمهورها المستهدف، ومواقفها من القضايا المطروحة. ويؤثر كل ذلك على قرار بث الخبر من عدمه، وعلى طريقة تناوله، وعلى التفاصيل التي يجب التركيز عليها دون غيرها".
التلفزيون هنا، "من أهم وسائل الإعلام، التي تقوم بتصنيع الرأي العام، وتصنيع الإجماع الذي قد يتم عبر خنق حرية التعبير وحرية الإعلام، وعدم منح الآخر فرصة إبراز وجهة نظره". من هنا، تتأتى إشكالية استقلالية القنوات التلفزيونية، واستقلالية الخطاب الإخباري.
إن هذه الدراسة، يقول المشرف عليها، إنما تتغيأ الإجابة على السؤال المركزي التالي: "كيف تتم معالجة الخبر في القنوات التلفزيونية العربية، وهل أن هذه المعالجة تحترم المتطلبات المهنية وقواعد الممارسة الصحفية، وكيف يمكنها التوفيق بين هذه المتطلبات والتوجهات السياسية؟"، مع العلم بأنه لا وجود لخبر دون خلفية، والتي قد تختلف من قناة إلى أخرى، بحسب التوجه والخط السياسي، والجمهور المستهدف، وطبيعة انتماء القائمين على القناة.
2- تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول مركزية، خصص كل واحد منها لمعالجة جانب من جوانب الإشكالية المطروحة:
+ بالفصل الأول ("مساءلة المفاهيم") تتعرض الدراسة لبعض المفاتيح المفهومية، التي لا بد منها للتحليل والتقييم، وفي مقدمتها الخبر التلفزيوني باعتباره أساس العمل الصحفي. الخبر التلفزيوني برأي الدراسة، هو "المسجل أو المنقول حيا، في موقع الحدث، يتولى طاقم التغطية الإخبارية تغطيته من جميع جوانبه". ولهذا الخبر مقومات أساس، لعل أقواها الأهمية والإثارة والطرافة والتشويق والاهتمام الإنساني. وهو ما يتطلب تطابقا بين النص والصورة، لأنه بهذا التطابق يتحدد مضمون الخبر التلفزيوني.
وتتم عملية اختيار الأخبار (ضمن الأحجام الضخمة المتوفرة منها اليوم) وفق مجموعة مقاييس، ضمنها الأهمية التي يكتسيها بالنسبة للجمهور المستهدف، والآنية والفورية، والقرب الجغرافي والعاطفي من أخبار محلية ووطنية وإقليمية، والشهرة ("إذا قام مدير بنك باختلاس مائة دولار، فهذا خبر هام، أما إذا اختلس موظف بسيط مائة ألف، فهذا خبر عادي")، وأيضا السياسة الإعلامية، باعتبارها "العامل الأساسي والأكثر تأثيرا في عملية اختيار الأخبار"، ومبدأ الصدق الذي يحيل صوبا على مسألتي المصداقية والحقيقة، ثم الدقة والموضوعية، أي التجرد في الرأي والموقف.
هذه المقاييس في المعالجة الخبرية السليمة غالبا ما تخضع لضغوطات مهنية، وتكون في صراع دائم مع التوجهات السياسية والإيديولوجية، النابعة أساسا من هوية مالكي القناة التلفزيونية، أو من تعود إليهم بالنظر"، وذلك عبر تحديد الخطوط الحمر، و"فرض الترتيب البروتوكولي التشريفي لنشاط المسؤولين الوطنيين، بقطع النظر عن أهميته".
+ بالفصل الثاني ("توصيف المشهد الإخباري التلفزيوني العربي") توضح الدراسة بأنه "عندما نتحدث عن القنوات التلفزيونية العربية، فإننا نعني...القنوات الحكومية أو الخاصة، الجامعة والمتخصصة في مجال الإخبار".
وتلاحظ الدراسة أن التلفزيونات العربية "ومعظمها حكومي، أو ممول من قبل جهات رسمية أو شبه رسمية، هي في الغالب الكاسح صورة لأنظمة الحكم العربية، على المستوى الداخلي وعلى مستوى العلاقات العربية. وهذه القنوات صورة كذلك لمجتمعاتها إلى حد كبير". بالتالي، فنحن بإزاء قنوات متحررة، وأخرى محافظة، من حيث كيفية معالجة الملفات الإخبارية المحلية والإقليمية والدولية.
وتتابع الدراسة أنه "في الفضاء العربي، تختلط القنوات الأرضية بالفضائية، وتتداخل المفاهيم، حتى أننا نجد أحيانا قنوات فضائية ليس لها من إسم الفضائية سوى أنها تبث إلى الفضاء، وأخرى أرضية ليس لها من الأرض سوى الأخبار الرسمية".
من جانب آخر، هناك إشكالية العلاقة بين هذه القنوات والإعلام عموما، والسياسة، بين من يعتبر أن السلطة هي للإعلام، ومن يعتبر أن السلطة هي للسياسة.
وعن الخطاب الإخباري التلفزيوني العربي، ترصد الدراسة مجموعة نقط ضوء، حتى وإن كانت لا تزال "محتشمة"، ولعل أهمها أن القنوات التلفزيونية العربية "أدركت ولو بصفة نسبية، أهمية عامل السرعة في نقل الخبر، حتى تكون قادرة على المنافسة، وعلى شد انتباه المتلقي"، ويظهر ذلك عبر ما اعتمدته العديد من القنوات، من شبكات مراسلين منتشرين بأبرز عواصم العالم وأماكن الحدث...وهو ما جعل الإعلام الغربي "يأخذ من الإعلام العربي في بعض التغطيات، بعدما كان العكس هو القاعدة السائدة"...وباتت العديد من الفضائيات العربية منتجة للأخبار وموزعة لها، بعدما كانت من ذي قبل متلقية ومستهلكة فقط.
إلى جانب السرعة، هناك المصداقية والدقة، وتوظيف المستجدات التكنولوجية بغرض النهوض بالمعالجة الخبرية، "التي لا تقتصر على احترام معايير التحرير والقدرة على التأليف والتحليل وترتيب العناصر الخبرية وفق أهميتها، بل تتعداها إلى الإخراج الجيد، في غلاف يشد انتباه المشاهد، الذي يتابع المادة التلفزيونية بحاسة البصر بالأساس".
بالمقابل، ثمة نقط ضعف كثيرة في المعالجة الخبرية التلفزيونية العربية، لعل أبرزها على الإطلاق، ما تسميه الدراسة "التريتب البروتوكولي للأخبار"، فتقدم النشاط الحكومي بمقدمتها، سواء كانت هذه الأخيرة ذات أهمية أو أخبارا عادية (كما حال قناة النيل المصرية للأخبار). ثم هناك غياب محدد القرب، أي الموجه لقضايا المواطن اليومية، التي لها بنفس المشاهد قيمة كبيرة.
هذا الإطناب في التركيز على الأنشطة الرسمية (70 بالمائة من المدة الجملية لنشرات الفضائية الجزائرية)، يؤدي من جهة أخرى، إلى "تقليص الأخبار الدولية، التي عادة ما يتم تجميعها فيما تطلق عليه تسمية شريط المختصرات أو فقرة الأخبار السريعة".
ثم إن التركيز بهذه القنوات، الجامعة منها كما المتخصصة، الحكومية كما الخاصة، غالبا ما يتم لفائدة المواد السياسية، عوض الاجتماعية أو الثقافية أو ما سواها.
من ناحية أخرى، فمدد النشرة الإخبارية لا تزال لم تخضع لمعيار محدد. أي أن وقت النشرات الإخبارية "لا يتعرض لتحديد صارم، فتارة تستغرق عشر دقائق في غياب النشاط الرسمي، وتارة تزيد على الساعة في صورة كثافة المادة الإخبارية الوطنية".
أما على مستوى الصياغة الخبرية، فتلاحظ الدراسة طغيان النزعة السردية، التقريرية والوصفية، عند صياغة الخبر التلفزيوني، وسبب ذلك حيطتها وحذرها، باستعمال عبارات من قبيل "وأفاد مسؤولون..."، و"أشار مراقبون..." وغيرها. ثم إنه بغياب الصورة بالحدث التلفزيوني، نكون مع هذه القنوات بإزاء أخبار إذاعية متلفزة (تصل هذه الأخبار ما بين 21 و 32 بالمائة بالنشرات الخليجية).
أما بالنسبة للأسلوب اللغوي (وهو محدد من محددات طبيعة الخطاب الإخباري التلفزيوني)، تلاحظ الدراسة "أنه أقرب إلى الأسلوب الإنشائي منه إلى الأسلوب الصحفي"، سيما بالأحداث الرسمية والأحداث العالمية، التي لا تتدخل بها القناة "لا شرحا ولا إضافة إلى الخبر ولا تذكيرا بالخلفيات". ثم إن الجمل المعتمدة بالأخبار، غالبا ما تكون طويلة، "مما يجعل الفهم عسيرا على مشاهد يفتقد إلى نص بين يديه، يتابع من خلاله ما يستمع إليه".
من زاوية الأشكال الصحفية، تلاحظ الدراسة أن التقارير الميدانية المصورة ما زالت تحتل نسبا ضئيلة في بعض القنوات الحكومية، سيما عند تغطية الأخبار العالمية، إما بسبب قلة المراسلين أو تواضع الإمكانات المادية، فتبقى رهينة ما تبثه وكالات الأنباء العالمية ذات التغطية المتحيزة. وهو ما نجحت القنوات الخاصة، المتخصصة تدقيقا، في تجاوزه نسبيا، حيث تنقل الصورة مجسمة، تقوم باستجواب الفاعلين والشهود بعين المكان، وتستشف آراء الخبراء والمحللين، بفضل حجوزاتها على السواتل، وهكذا.
وعلى الرغم من وضوح مبدأ "الخبر مقدس والتعليق حر"، فإن العديد من القنوات لا زالت تخلط ما بين الخبر والتعليق والتحليل. ثم إن الأخبار التلفزيونية العربية غالبا ما لا توضع في سياقها العام الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وطابعها الدلالي، "مما يساعد المشاهد على اتخاذ موقف منها بوضوح تام، لقيام الوعي وتكوين المعرفة".
إن الإشكال المطروح هنا، تؤكد الدراسة، إنما هو الخلط بين دور الصحفي والمعلق والمحلل، وفي غياب الأخيرين، فإن الأول هو الذي يقوم بالأدوار مجتمعة.
على مستوى هيكلية إدارات الأخبار، تلاحظ الدراسة أن "التقسيم الهيكلي الحالي في إدارات الأخبار إداري وغير مهني ويعيق المعالجة الخبرية السليمة".
+ بالفصل الثالث ("البدائل والحلول للنهوض") تؤكد الدراسة على أن "أي خبر تلفزيوني لا يمكن أن يجد له مكانا ضمن أخبار النشرات التلفزيونية، ما لم يحترم أبرز مقومات الخبر التلفزيوني"، وفي مقدمتها الجدة والآنية والسرعة في بث الخبر، واحترام قاعدة القرب العاطفي والجغرافي.
إلا أن هذه القيم، تتابع الدراسة، تبقى نسبية من قناة إلى أخرى، وتتأثر أساسا بعوامل الفضاء الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي، والسياسة التحريرية، والعلاقة مع مالك القناة، و"الهوية الحضارية للجمهور المستهدف بالخطاب الإخباري، وطبيعة حاجاته المعرفية، ومدى التأثير فيه". من هنا ضرورة توخي الدقة والموضوعية، والتثبت من وقوع الحدث، وما سوى ذلك.
من جانب آخر، فإن للمراسل دورا مركزيا هنا، لأن "التلفزيون صورة حية من موقع الحدث". لذلك وجب إيلاء مزيد من الاهتمام بالصورة إلى جانب النص الشفوي، الذي ما زال طاغيا في عديد من القنوات التلفزيونية العربية.
بالتالي، تقول الدراسة، فإن "غياب المراسلين في موقع الحدث يجعل القنوات التلفزيونية تلجأ إلى التغطيات المتحيزة في معظمها، والتي تقوم بها وكالات الأنباء العالمية".
أما الركن الثالث في عملية النهوض بالمعالجة الخبرية التلفزيونية العربية، فيتعلق بضرورة النهوض بالكادر الصحفي والتقني، لتمكينه من التعامل مع لغة العصر بوسائل العصر".
من جهة أخرى، فإنه لا يمكن تطوير المعالجة الخبرية التلفزيونية دون توفير الإمكانيات، من تجهيزات تقنية حديثة، ودعم مالي، لدخول عالم المنافسة، سيما بالنسبة للقنوات الحكومية. كل ذلك يشترط مناخا من الحرية ("الحرية المسؤولة" تقول الدراسة)، والعمل على الاقتراب من الجمهور عبر اعتماد طرائق لسبر الآراء، "لتحديد انتظارات الجمهور المتلقي ولمعرفة درجة تفاعله مع المادة الإخبارية المقدمة". بالتالي، وجب الحد من مفعول الرقابة الرسمية، وتشجيع الإعلاميين ليتجاوزوا على رقابتهم الذاتية.
من جانب آخر، تلاحظ الدراسة أن القنوات الخاصة تتميز بمهنية عالية، وحرفيه مشهود لها بها، كونها "متحررة" من قيود السياسة والتوجهات السياسية. وتلاحظ أيضا أن الضغوطات ليست سياسية فحسب، بل "يمكن أن تكون إيديولوجية مذهبية، أو نابعة من إملاءات صاحب رأس المال".
إلا أن الملاحظ أكثر هو أن العديد من القنوات باتت قنوات رأي، مبتعدة بذلك عن وظيفة الإخبار، ف"تحطمت قيمتا الدقة والموضوعية في النشرات الإخبارية، التي باتت أقرب إلى افتتاحيات الرأي". بكل ذلك، تضيع الحقيقة بين قناة وأخرى، والمطلوب البحث عن أجزائها هنا وهناك، وتجميعها للحصول على المعنى.
بالخلاصة العامة، تؤكد الدراسة على أن مواجهة المنافسة بزمن عولمة الإعلام اليوم، تمر عبر الاهتمام بالمهنية، والعمل بظل ذلك، للموافقة بين التوجهات والضغوط المختلفة (سياسية، دينية، مالية...الخ) والمتطلبات المهنية...هذا هو الخيط الرفيع الذي يمشي عليه الصحفي العربي اليوم. إنها المساحة الرمادية التي يتغيأ منها ألا يزعج أحدا، أو يقلص عدد المنزعجين إلى أقصى حد ممكن.
* "المعالجة الخبرية التلفزيونية العربية"، نافذة "قرأت لكم"، 11 أبريل 2008.