Aller au contenu principal

"في الذكرى الثالثة لغزو بلاد الرافدين"

news-details

كلما حل تاريخ العشرين من مارس إلا واستعادت الذاكرة (بصورة تكاد تكون عفوية) ذكرى الغزوة الكبرى التي شنها التحالف الأنجلو/أمريكي في العام 2003 بهدف إزاحة الرئيس صدام حسين واستبداله بحكومة احتلال استقدم أعضاؤها من على ظهور المدافع والدبابات وتواطئوا جهرا وعلانية على دك حضارة العراق دكا في أفق استنبات نظام يكون الاحتلال مرجعه وناصيته وموجهه وحاميه.

والواقع أن الأدبيات التي اتخذت من الذكرى الأولى كما الثانية مادة لتحليلاتها لم تهتم كثيرا بمعاودة التذكير بسياق الغزوة وخلفياتها (والإيديولوجيا المحافظة التي ثوت خلفها) بقدر ما عمدت إلى تقييم الحصيلة إيجابا أو سلبا كل حسب رؤياه وزاوية نظره وفي العديد من الأحوال وفق أهوائه.

والحقيقة أن الأدبيات إياها (عربية وغربية على السواء) لم يكن لها أن تجهد في عملية التقييم تلك وتحصي الخسائر والتداعيات (ولربما أيضا الأرباح المترتبة عن ذلك) لو أنها استحضرت السياق العام والخلفيات الكبرى التي على أساسها (وعلى أساسها فقط) شنت الحرب وأزيح الرئيس صدام حسين ودكت حضارة العراق. إذ خلفيات الغزوة كما مسوغاتها كما الأهداف المضمرة من حينه (من قبل العشرين من مارس أعني) كانت ولا تزال كافية لفهم الذي جرى والذي ما يزال يجري بالعراق كما من حوله:

+ فالولايات المتحدة ادعت أن العراق لم يمتثل لقرارات "الشرعية الدولية" بتمكين فرق تفتيش الأمم المتحدة من ولوج أي " موقع مشبوه" في الوقت الذي كانت فيه ذات الفرق تقلب في قصور الرئيس وتلج غرف نومه وقاعات اجتماعاته مع كبار مساعديه.

لو وجد المرء مبررا للشك بهذه النقطة، فما مبرر وضع الإدارة الأمريكية مهلة نهائية لبدء العمليات العسكرية وفرق التفتيش لا تزال تمارس مهامها بأرض العراق وتعمد في الآن ذاته إلى تدمير صواريخ قيل إن مداها "محرم على العراق" ووافق الرئيس العراقي على تدميرها تلافيا للمبررات وتجنبا لاحتمالات المواجهة؟

+ والولايات المتحدة ادعت في حينها أن العراق يمتلك أسلحة يتلكأ في تزويد فرق التفتيش بالمعلومات حول ما يمتلكه منها (أو يعتزم امتلاكه) وادعى وزير خارجيتها بجمع لمجلس الأمن أن صور المخابرات تبين امتلاك العراق لها لكنه يعمد إلى تحريكها بغرض الإخفاء والتمويه... في حين تؤكد فرق التفتيش أن لا أثر من هذا وذاك وفق ما يتم بأرض الواقع (وتبين بعد ذلك بالواضح الملموس أن لا أثر للأسلحة إياها).

+ والولايات المتحدة ادعت بوجود روابط وعلاقات بين نظام الرئيس صدام حسين وتنظيم القاعدة مقايسة إلى معاداتهما المشتركة لأمريكا واحتكاما إلى " معلومات منشقين" و"معارضين" أبرزهم الذائع الصيت والمراهن عليه في حينه أحمد الجلبي... في حين كانت الإدارة الأمريكية (ولا تزال تدرك) أن العلاقة بين الشخصين غير ممكنة حتى وإن تقاطعت بالصدف أهدافهما ومراميهما.

+ والولايات المتحدة ادعت أن سبل إحلال الأمن والاستقرار بالمنطقة وبالعالم إنما تتمثل في إزاحة "النظم الاستبدادية" وإشاعة مبادئ الحرية واستئصال سبل الإرهاب التي قد يذكي نارها هذا النظام أو تلك المجموعة، في حين كانت تدرك جيدا أن السبب الرئيس في ذلك إنما هي سياساتها الخارجية وعمدها إلى استنبات الأعداء لهذه الغاية كما لتلك.

كلها كانت مسوغات شكلية (ودفوعات جوهرية بمجلس الأمن في حينه) استدعت استنفار التحالف الأنجلو/أمريكي للقوة بغرض إسقاط النظام بالعراق ومحاكمة رأس السلطة به وإقامة نظام جديد لا يرفع العصيان في وجه أمريكا أو يناصب مصالحها العداء.

وعلى الرغم من التوافق الواسع (بالأمم المتحدة تحديدا) حول "ضرورة امتثال الرئيس العراقي لقرارات الشرعية الدولية وإلا لتعرض لعواقب وخيمة". وعلى الرغم أيضا من اعتراض العديد من الدول على الغزو بما فيها الأمم المتحدة التي لم تشرع قراراتها جهارة اللجوء إلى القوة (صرح أمينها العام فيما بعد أن الحرب على العراق "مخالفة لدستور الأمم المتحدة"). على الرغم من كل ذلك شن التحالف حربا ضروسا كانت الخلفية المضمرة لها تتغيأ إسقاط النظام واحتلال البلاد والتموقع الاستراتيجي بجهة من العالم تكتنز أحجاما ضخمة من البترول والغاز.

ولما كان الأمر كذلك، فإن الثابت اليوم وفق ما صدر من تقارير ووثائق وما نشر من مذكرات حول خلفيات ودواعي الحرب إنما أربعة أمور لا يمكن إعمال مبدأ المزايدة في مناقشتها:

+ الأول ويتمثل في استهتار الولايات المتحدة بما يسميه البعض "الشرعية الدولية" ولا تعتبره الولايات المتحدة إلا شرعنة لسياساتها واستراتيجياتها بالعالم. والدليل في ذلك أن الولايات المتحدة لا تلجأ للأمم المتحدة إلا للتغطية على ذات السياسات والاستراتيجيات وإضفاء بعض من "الأخلاق" عليها في حين لا تعيرها قليل اهتمام عندما يتعلق الأمر بقضايا الكون الكبرى (كالمجاعة أو البيئة أو الأمراض الفتاكة أو غيرها).

+ الأمر الثاني ويكمن في النية المبيتة التي كانت لدى الولايات المتحدة لغزو العراق واحتلاله سواء امتثل أم لم يمتثل. بالتالي فلم تكن مناشدة بوش الإبن للرئيس العراقي ونجليه بمغادرة العراق إلا منطلق الحرب النفسية التي استتبعتها قوة النار والحديد في أقل من ساعة من ذلك. وهو ما اعترف به بوش نفسه إذ قال في غشت من العام 2004: " حتى لو كنت أعرف قبل الحرب ما أعرفه الآن من عدم وجود أسلحة محظورة في العراق، فإني كنت سأقوم بدخول العراق".

+ أما الأمر الثالث فيكمن في التواطؤ الضمني الذي لجأت إليه العديد من الدول العربية إما بصمتها وإما بفتح أراضيها جهارة للجيش الأمريكي (كما بقطر والإمارات والكويت) أو بفتح القواعد (قاعدة عرعر بالسعودية) والممرات للطائرات الأمريكية (حالة مصر"عبد الناصر") حتى وإن ادعت الحكومات في حينه أنها لا توافق على الضربة العسكرية الموجهة للعراق.

ولئن كنا مقتنعين اليوم بأن ما سوغت على أساسه الغزوة كان كذبا وبهتانا (إذ أمريكا كانت تدرك أن لا أثر لأسلحة الدمار الشامل بالعراق ولا علاقة لحكومته بتنظيم القاعدة) ، فإنه لا يساورنا الشك أيضا في أن ضغينة المحافظين الجدد وارتهانهم للوبيات الكبرى (وفي مقدمتها اللوبي اليهودي) هي التي أعمتها وأصمت آذانها ودفعت بها إلى تدمير حضارة من آلاف السنين... وهل يعرف الجنود الأمريكان ورؤسائهم معنى الحضارة حتى يكون بمقدورهم معرفة سبل وطرائق التعامل معها؟

* "في الذكرى الثالثة لغزو بلاد الرافدين"، التجديد العربي، 20 مارس 2006، أعيد نشره من لدن جريدة التجديد، الرباط، 22 مارس 2006.

Vous pouvez partager ce contenu