لم يتسرب الشيء الكثير عن تفاصيل "الاتفاقية" المزمع عقدها بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، اللهم إلا أسماء بعض المفاوضين المباشرين، كالسفير الأمريكي بالعراق عن جانب بلاده، وبرهم صالح عن جانب حكومة العراق، حكومة الاحتلال بالمنطقة الخضراء أقصد بالتحديد والتدقيق.
وعلى الرغم من ندرة ذات التفاصيل، وشح المعلومات المتعلقة بمشروع الاتفاقية أو المعاهدة، فإن هذه الأخيرة قد أثارت حفيظة أكثر من جهة بداخل العراق وبخارجه، ضمن الوطنيين الشرفاء بداخل العراق (وضمنهم حتما فصائل المقاومة)، كما ضمن من أتوا على ظهور الدبابات "فاتحين"، كما ضمن بلدان الجوار المباشر والمحادي للعراق، أو ذي الارتباطات الجغرافية معه.
الكل متخوف من اتفاقية صاغها الأمريكان على مقاسهم، ومن مدة بعيدة، ودفعوا بها أمام مفاوضي حكومة الاحتلال، لتؤطر وتشرعن تواجدا أمريكيا، أريد له أن يكون طويل المدى، بعدما اقترب تاريخ ال 31 دجنبر من العام 2008، كآخر أجل لحسم ذات التواجد بالانسحاب، أو بالتجديد لعام آخر، أو بوضع ترتيبات "تحترم" الآجال، تحول دون تجديد مجلس الأمن لذات الآجال، أو تصنف التواجد الأمريكي هناك ببلاد الرافدين، ضمن "اللاقانوني واللاشرعي".
المفروض إذن، على الأقل بحسب "إعلان مبادئ التعاون والصداقة طويلة الأمد"، الذي وقعته حكومة الاحتلال والرئيس الأمريكي بنونبر من العام 2007، المفروض أقول، أن يتم الانتهاء من صياغة وتوقيع الاتفاقية بين الجانبين بمتم شهر يوليوز القادم، لتبدأ تلقائيا بعد ذلك، ترتيبات ما بعد الاحتلال المباشر، الذي عايشناه منذ التاسع من أبريل من العام 2003.
على ماذا ستحيل مسودة الاتفاقية، وفق ما راج وتسرب؟
+ إنها ستفسح في المجال واسعا، لتواجد عسكري أمريكي مباشر بالأرض، قوامه أكثر من 58 قاعدة عسكرية طويلة المدى (مع مواقع عسكرية للربط فيما بين بعضها البعض)، لن يكون للعراقيين عليها أدنى رقابة، أو مراقبة، أو مساءلة، أو محاسبة، أي أن القوات الأمريكية ستتمتع بحرية استخدام المجال البري والجوي العراقي من قبل طيرانها، دونما إذن أو استشارة، وستتمتع فوق كل ذلك بحصانة تامة، أي لن تخضع بالمرة للقانون العراقي الساري المفعول بالبلاد.
+ وستفسح المجال للقوات الأمريكية، لاستهداف أو اعتقال أو قتل، كل من اشتبهت فيه أو صنفته ضمن المهددين لأمنها، دونما إذن قضائي مسبق، ودونما مشورة أو محوز الحكومة المركزية، أو طلب رأيها أو استشارتها بالأمر.
+ وستمنح الحصانة الكاملة ليس فقط للشركات الأمنية الأمريكية العاملة في العراق، وفق عقود من وزارتي الدفاع والداخلية، بل وستمنحها لأي أمريكي تطأ قدماه العراق، لغرض من الأغراض. لن يساءل الأمريكي إلا بمنطوق قانون بلاده، ولن يكون للسلطة بالعراق، أدنى قدرة أو صلاحية التأشير لإلقاء القبض عليه، أو محاكمة تجاوزاته، أو اعتراض سبيله بالشارع العام حتى.
+ وستمنح القوات الأمريكية كل سبل وصلاحيات التحرك، "ولا يحق للحكومة العراقية تحديد الحركة لهذه القوات، ولا المساحة المشغولة للمعسكرات، ولا الطرق المستعملة"، مع إيلائها الحق في بناء مراكز الأمن، بما فيها السجون الخاصة، التابعة شرعا وقانونا لذات القوات.
+ وستمنح لها حرية الانطلاق من الأراضي العراقية، والإفادة من البر والبحر والمياه، لضرب أي دولة "تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي العام"، والعراق حكومة ودستورا، أو تستفز بالإرهاب أو بالميليشيات، البلد وجيرانه.
+ وستمنح لها، فضلا عن ذلك، السيطرة على وزارات الداخلية والدفاع والمخابرات العراقية لمدة عشر سنوات، "يتم خلال هذه المدة تأهيلها وتدريبها وإعدادها"...واختيار حجم ونوعية السلاح المستعمل بالتشاور معها.
+ وستمنح السلع والخدمات والبضائع الأمريكية، الداخلة للعراق أو الخارجة منه (نفطا وغازا تحديدا)، صكوك إعفاء من الرسوم الجمركية، وكذا حماية ضد مجمل القيود التجارية أو الأمنية، أو ما سواها، والسارية بداخل العراق، أو مع عملائه بالخارج، دولا أو مؤسسات.
أما ما سيفيده العراق من هذه الاتفاقية، فسيكون:
+ إخراجه من دائرة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي لا يزال يصنف العراق (ومنذ العام 1990) ضمن لائحة الدول "المهددة للأمن والسلم العالميين".
+ إسقاط ولاية مجلس الأمن عليه "واستعادته لاستقلاله"، وحقه في تقرير مستقبله، دونما إكراه دولي، أو حصار من لدن هذه الجهة أو تلك.
+ حمايته، وهو "المتداعي المجروح"، من استهداف "أعداء العملية السياسية بالداخل"، أو مخاطر التدخل الأجنبي، سيما من لدن بلدان الجوار، كإيران أو تركيا أو غيرها.
+ احتماءه خلف الأمريكان، للضغط بجهة حل أزمة ديونه المتراكمة، واستقطابه للاستثمارات الأجنبية، سيما الأمريكية منها، ناهيك عن فسح ذلك في المجال للعراق، لاستعادة أكثر من 50 مليار دولار، لا تزال محتجزة لدى البنك الفيدرالي الأمريكي.
هذا غيض من فيض ما قد تفيده هذه الجهة أو تلك، وهما معا محشورتين بزاوية الآجال، وضغط واقع حال (حال الاحتلال) مكلف للأمريكان، منهك معنويا للجيران، ومقلص لمدى ما تعتزم حكومة الاحتلال تنفيذه من "برامج ومشاريع".
وإذا كان ولا يزال من البديهي، أن الأمريكان لم يغزوا العراق، دونما حسابات في الربح قصيرة وطويلة المدى، بالنفط وبالموقع الجيوستراتيجي وبما سواهما، فإنه من البديهي أيضا أن يرتبوا لبقاء لهم طويل وبعيد المدى، هناك ببلاد الرافدين، يضمن لهم الغنيمة المباشرة، ويضعهم على حدود ومشارف أكثر من قارة ودولة، لهم بها مصالح آنية أو مستقبلية، أو دوافع ثأر أو خلفيات تصفية حسابات قديمة.
موهم حتى النخاع بالتالي، من كان أو لا يزال يتصور أن ما أقدم عليه الأمريكان منذ العشرين من مارس من العام 2003، سيكون دون مقابل معتبر، بالزمن الحاضر أو بالأزمان القادمة.
أما حكومة الاحتلال ونواب المنطقة الخضراء، فليس من بين أيديهم ولا من خلفهم ما يقدمون أو يؤخرون بالمفاوضات، هم حلقة السلسلة الأضعف إن كانوا صادقين، وهم المتماهون مع استراتيجية الاحتلال، ما دام هو الثاوي خلف تنصيبهم، والمؤتمن على حمايتهم، والضامن لبقائهم، والساهر على أمنهم ومصالحهم. من الطبيعي والحالة هاته، أن يعمدوا إلى مجاراته قلبا وقالبا، ويسوغوا ما هو مقدم عليه من ترتيبات حاليا، وبالقادم من أيام. إنه ولي نعمتهم جميعا، وهم أدواته الطيعة من خمس سنوات مضت، ولحد الشروع في تنفيذ بنود الاتفاقية عند توقيعها.
من تحصيل الحاصل هنا أن تكون الاتفاقية، وقد التف لإخراجها الأغراب والأقرباء (أقصد الحزبان الكرديان)، وبقلب واحد، أن تكون مجحفة لمستقبل العراق، ظالمة لأهله وذويه، كابسة على أنفاس عشائره وقبائله، مضيقة على آماله في الاستقلال والتحرر، راهنة لقراره، عابثة بأمنه...إنها استمرار للاحتلال بكل المقاييس، إنها تدشن لمرحلة سيكون العراق بظلها مستعمرة أمريكية أبدية بامتياز.
لم يبق من المعادلة القائمة إلا المقاومة: هي القادرة على تمزيق المعاهدة، وهي المراهن عليه لتحرير العراق واستعادة كرامة بلاد الرافدين.
* "عن الاتفاقية طويلة الأمد بين العراق وأمريكا"، شبكة الرافدين، 17 يونيو 2008. التجديد العربي، 18 يونيو 2008. التحالف الوطني العراقي، 18 يونيو 2008. الراصد، 18 يونيو 2008.