توفيق المديني، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003، 527 ص.
بمقدمة البحث، يتساءل الكاتب: "هل يجوز نعت الليبيرالية الجديدة أو الليبيرالية العولمية أو الليبيرالية المتوحشة، أو ديكتاتورية السوق أو ديكتاتوريات تقنيات الإعلام الجماهيري، بالتوتاليتارية".
يحيل الكاتب، للإجابة على هذا التساؤل على التجربة التاريخية للشيوعية حيث أهم خصائص التوتاليتارية: "الحزب الشمولي الواحد، الدور المركزي للإيديولوجيا، إلغاء الحدود الفاصلة بين الدولة والمجتمع، تقديم دولة السلطة على سلطة الدولة، تضخم أجهزة القمع والإرهاب وافتراسها للمجتمع، نفي مشروعية الصراعات الداخلية، وتقديس مبدأ الانصهارية".
من هذه الزاوية، لا يتراءى للكاتب من تمايز كبير بين إيديولوجيا الشيوعية وإيديولوجيا الليبيرالية الجديدة في زمن العولمة، حيث "الدعوة المتطرفة إلى الحرية الاقتصادية وإنكار دور الدولة في ضبط آليات وحركة النظام الرأسمالي والتخفيف من شروره الاجتماعية...هيمنتها على المنظمات المالية الدولية...وتعاملها مع البلدان النامية من منطلق التكيف وضرورته مع السوق الرأسمالي العالمي وإبعاد الدولة أو إضعافها وترك آليات السوق لكي تعمل طليقة".
إن الأفكار الليبرالية، يقول الكاتب، هي المكون الأساس لمنظومة الإيديولوجية
الليبرالية، "التي عبرت عن مرحلة تاريخية محددة، هي مرحلة الرأسمالية الوليدة
والصاعدة، وعن اتساق متطلبات تقدم البشرية مع متطلبات صعود الطبقة البورجوازية". ويتايع: "لم يكن من الممكن انتشار الأفكار الليبرالية في مختلف دول
القارة الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لو لم تكن متفقة إلى أبعد الحدود مع
حرية الفرد التي قادته إلى محاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وإلى العقلانية على
الصعيد المعرفي، وإلى العلمانية، وتحرير المرأة، والديمقراطية التي تشكل التخطي
الديالكتيكي لهذه الليبرالية".
أما الليبرالية الجديدة، فقد جاءت بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في زمن العولمة:
+ إذ "تتسم العولمة الرأسمالية المتوحشة الحالية، باستقطاب الرساميل والتدفقات
الاستثمارية، وبالتالي بتركيز الثروة والرأسمال في البلدان الرأسمالية الصناعية
المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة.
+ يزداد إفقار العالم الثالث وتهميشه، وتتخذ عمليات نهبه السافرة والمقنعة طابعا همجيا.
+ تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورا رئيسيا في صياغة هياكل القوة الاقتصادية
من خلال قوتها السياسية و العسكرية. ومنذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها
المطلقة على النظام الدولي الجديد في ظل القطبية الأحادية، حاولت أن تصيغ العالم
على شاكلتها و مثالها، ونشر سلطتها في العالم الفوضوي الذي وصفه هوبس".
إن مفهوم التوتاليتارية، يقول المؤلف، "هو مفهوم مطابق لطبيعة الليبرالية الجديدة التي
يتبناها اليمين الأمريكي المتطرف بزعامة الرئيس جورج بوش، الذي يمارس فاشية
و"أبلسة" للنظام الدولي الجديد، وللأسواق، ولوسائل الإعلام.
ينقسم الكتاب إلى ستة عشر فصلا أفردها الكاتب للعديد من القضايا التي تبرز له
مؤسسة لطبيعة الليبيرالية زمن العولمة والحرب على الإرهاب:
+ بالفصل الأول ("الليبرالية الجديدة و حقائق العولمة) يرجع المؤلف "أصل مفهوم
العولمة بوصفها مشروعا لمركزة العالم في حضارة واحدة، إلى الأدب السياسي
المتخصص للشركات العملاقة المتعددة الجنسية، التي فرضت هيمنتها المتزايدة على
المقدرات والفاعليات المالية والإنتاجية عبر العالم. ومفهوم العولمة لم يتبلور بعد، لكنه
يشير إلى ظاهرة محددة، عولمة الطلب، و لكنه اغتني خلال الزمن إلى درجة أنه
أصبح يعرف اليوم، بمرحلة جديدة من الإقتصاد الرأسمالي العالمي".
ويربط الكثيرون هذه الظاهرة "بمفاهيم الليبرالية الجديدة، والأسواق المفتوحة، وهيمنة
الشركات متعددة الجنسية وعمالة الأطفال، والتفاوت الطبقي، والخطر الذي يهدد
الرعاية الاجتماعية، وتخريب البيئة وتلوثها، والهيمنة الثقافية الأميركية وتحديات
أخرى تخيم على بداية القرن الحادي و العشرين".
وفي الواقع، يقر المؤلف، فقد "ارتبط مفهوم العولمة بالتحولات الخارقة التي تعيشها
الرأسمالية المعاصرة، خاصة على صعيد التدويل الهائل للأسواق المالية التي تعمل
اليوم على قاعدة الشبكات التي تتجاوز الحدود القومية. فالصفقات المالية التي كانت
منظمة بقوة على قاعدة قومية حتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي، عرفت عدم
انتظام و تدويل سريعين. وقد أسهم تكاثر الابتكارات المالية، وعدوى إجراءات
الليبرالية، والانفتاح، والحركية المتزايدة التي تسمح بها التقنيات الحديثة للاتصال،
ومعالجة المعلومات، في تحويل شروط عمل الأسواق المالية، وأيضا سندات الدولة
والعمولات".
وقد أصبح انتقال الرساميل يتم بسرعة الضوء عبر الأجهزة الإلكترونية، مما "يحتم
على الدول أن تسمح لمصارفها ببيع العملات الأجنبية لأي شخص و بلا حدود،
والسماح بنقلها لأي مكان، و هذا ما شجع المضاربات على العملة المحلية. فحركة الرساميل قصيرة الأجل للاستثمارات المالية و النقدية هدفها المضاربات، بعكس الإستثمارات طويلة الأجل التي قد تتجه للإنتاج السلعي أو الخدمي".
في ظل هذا الاقتصاد الكوني المعولم، لا تزال الكرة الأرضية تشهد الملايين من
الجائعين والعراة واللاجئين وساكني الشوارع والكهوف والخيام إضافة للأمراض
المستجدة والمستعصية، علاوة على مواضيع حساسة فيما يخص البيئة والأمن الغذائي و غسيل الأموال والشفافية المالية.
ويتفق المناهضون للعولمة، يلاحظ الكاتب، "أن هذه الأخيرة تشكل نظاما اقتصاديا
وسياسيا، واجتماعيا يعمل باتجاه تفكيك الأشياء و البشر، كي يتسنى له تحريك العالم
إلى سوق كبير وضخم تتم فيه وتحت قانون العرض والطلب، كل أنواع المعاملات
التجارية والمالية بداية بتجارة الإبر و وصولا إلى تجارة الرقيق (تجارة الرياضيين
وتجارة الدعارة )، بهدف التمكين لهوية سوقية سلعية كونية هي هوية السلعة
الأمريكية، والعمل على تسويقها و تصميمها في إطار نظام السوق أفقيا وعموديا، عبر
تحرير الأسواق الدولية، و فتح الحدود الجمركية و خلق مناطق التبادل الحر والمساهمة من جهة في تقويض وحصار القلاع الرافضة للانخراط في النظام الرأسمالي العالمي عبر التركيع الإمبريالي الأمريكي بواسطة القوة المسلحة".
بالتالي، فمناهضو العولمة إنما يطالبون بصياغة عولمة أخرى ترتكز على أهمية إعطاء
الأولوية للسياسي على الاقتصادي، للمصلحة الجماعية على المصلحة الفردية، وعلى
تجديد العقود الاجتماعية الضامنة لكرامة الإنسان، وعلى مناهضة النمط الواحد في
الاستهلاك، وعلى مكافحة هدر الطاقة وإصلاح النظم القضائية.
+ بالفصل الثاني ("العولمة السيئة وراديكالية المناهضين لها") يؤكد الكاتب أنه منذ
فشل مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في العام 1999 ، لم تعد الأمور
تسير كما كان في السابق. فقد فاجأت الحركات المناهضة للعولمة الجميع بقوة
اندفاعها، وبراديكالية شعاراتها، وتركت آثارا عميقة.
و"يصر مناهضو العولمة على أن لا تفعل الشركات متعددة الجنسية ما تريد، عندما
تريد وكما تريد، بل يجب أن تخضع لقوانين البلدان التي توجد فيها، كما تخضع لعاداتها
وتقاليدها فيما يخص النشاطات الخاصة، والعمل، وحقوق الإنسان. ويعتقدون أنه يتعين
عليها مراعاة تلك القوانين".
ويصروا من الناحية العملية، على أربع أولويات جوهرية: مواصلة المعركة من اجل
إلغاء ديون العالم الثالث، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد الدولي،
والحصول على إيقاف مخططات الإصلاح الهيكلي، وإلغاء الفراديس الضرائبية التي
تستقبل الأموال المبيضة والمنهوبة، ووضع قواعد جديدة لحركة التجارة العالمية.
ولعل نجاح حركة مناهضة العولمة الليبرالية الجديدة يكمن في هدفها الأول: "ألا وهو
المعارضة، والتظاهر ضد الطابع الصنمي لعالم السلعة الذي قاد إلى ازدهار
الاتجاهات الوضعوية، والبراغماتية، وبرزت مظاهر اللاعقلانية في الفكر والسياسة،
ممثلة بالمذهب العرقي، والنازية و الفاشية والعدوانية الأميركية، في المجتمعات
الرأسمالية المتقدمة".
ويتصور المؤلف أن هذا الصراع الجديد هو صراع بين الشمال و الجنوب أيضا،
وبين الغرب والآخرين. هو صراع مستمر يتمظهر على جميع الصعد الإقتصادية،
والاجتماعية، والتاريخية، والاستراتيجية، والثقافية. و في ظل الإسقاطات المدمرة
لصدام الشمال و الجنوب، وتعمق هو ة عدم التكافؤ في مستوى التطور، وازدياد تنامي
الشعور بالظلم والغبن، فإن الشعوب المضطهدة في عالم الجنوب يمكن أن تسمع
خطاب الأصوليين، الحامل للحقائق النهائية. ومن أجل فهم ما يجري اليوم في عالمنا
المعاصر، من المهم التركيز في التفكير على مسألة عدم التكافؤ في التطور، ومسألة
الإفقار المطلق المنتشر في عالم الجنوب".
لكن الجديد في هذا التيار الجديد هو القول بأن الرأسمالية سوف تبقى نظاما "يمكن أن
نناضل من داخله. ويظل الهدف تجاوز الرأسمالية، لكن الوسيلة لم تعد الثورة. وسوف
يكون التغيير من الداخل، بواسطة الإصلاح، عن طريق التأمينات الصناعية، من قبل
الحركة التعاونية. وكانت هذه الحركة للتغيير الاجتماعي هي أساس فكرة الإشتراكية
الديمقراطية. إنها تعني بوضوح مشروعا سياسيا بديلا لنظرة ماركسيي ذلك الزمان
الكارثية، الذين يطرحون الإطاحة الثورية بالنظام الرأسمالي".
و يعتبر المؤلف أن " تنظيم الطبقة العاملة كفاعل مركزي مزود بسلطة التفاوض
وباقتراحات معاكسة عن طريق العمل النقابي، اكتشافا اشتراكيا ديمقراطيا أكثر منه
شيوعيا.انه يعني للإشتراكيين الديمقراطيين، بواسطة العقد المشترك، عقد تسوية طبقية
متفاوض عليها وقابلة للمراجعة، بين قوى العمل و قوى رأس المال. لكن الإشتراكية
الديمقراطية، و على نقيض الليبرالية، قابلت اقتصاد السوق بشرعية المطالب
الاجتماعية، وفضلت دور الدولة".
والاشتراكية الديمقراطية الأوروبية ظلت متمسكة بمبادئ وأسس الثورة الديمقراطية البرجوازية، حيث عملت الأحزاب العمالية على جعل الحريات الفردية التي تنادي بها الليبرالية البرجوازية ناجعة بالنسبة للجميع، وحتى بالنسبة للطبقة الكادحة من الشعب، على عكس الأحزاب الشيوعية التي أولت الحقوق الاجتماعية اهتماما أكبر، في كثير من الأحيان على حساب الحقوق الفردية .
الطريق الثالث لا تمثل في النهاية، بنظر المؤلف، "سوى محاولة توفيقية بين الإشتراكية
الديمقراطية والعولمة الرأسمالية الجديدة أو النظام العالمي النيوليبرالي الذي قاده كل
من ريغان وبوش وكلينتون، أي يمكن اعتبارها خطوة إضافية بالمقارنة مع سياسات
الحكومات الإشتراكية الفرنسية والأسبانية في عقد الثمانينات".
ويتصور الكاتب أن أحداث 11 شتنبر لم تكن مجرد عملية ارهابية عادية، بل انها
شكلت نقلة نوعية بالغة الاهمية في أشكال وآليات الصراع الدولي، و تسببت في اعادة
تشكيل السياسات الخارجية للدول الكبرى، بما يتضمنه ذلك من اعادة تعريف دور
أدوات هذه السياسات، ولاسيما الاداة العسكرية، وبالذات الولايات المتحدة.
و قد اضطر الرئيس الاميركي، في ظل هذه الأحداث، الى إعلان الحرب قبل أن يعرف
ضد من يعلنها، فهذه المرة، وبعكس الخصوم في القرن المنصرم، لايمكن تحديد العدو
إلا على أنه ليس ب"دولة". فالعدو الجديد متنقل و عابر الحدود أو ما دون الوطني.
السياسة الأميركية، من تاريخه، باتت إذن تمارس العنف. ولم تعد تحتكم إلا للقوة
خصوصا القوة العسكرية المباشرة، دونما اعتبار من لدنها للحلول السياسية التي
تستوجبها تحديات العالم الراهن، ولا تمتلك أي مشروع سياسي و اقتصادي تقدمه للعالم
الثالث، "سوى البربرية والفاشية والإفقار المطلق كإحدى إفرازات العولمة الرأسمالية
المتوحشة".
+ بالفصل السادس(" الحرب الأمريكية الجديدة في آسيا الوسطى") يؤكد الكاتب أن
مصالح شركات البترول الأمريكية قد شكلت ضغطا متزايدا على الإدارة الأمريكية
للقيام بدور قيادي أكثر فعالية في دول جنوبي القوقاز وآسيا الوسطى، سيما بمنطقة بح
ر قزوين.
وقد مثلت أفغانستان عقدة استراتيجية مهمة بالنسبة لوسط آسيا، خصوصا وأن
أفغانستان على "تماس حدودي" مع ست دول (الصين، إيران، باكستان، تركمانستان،
أوزباكستان، طاجيكستان) ومن ثمة، ليس من المصادفة أن التماس"الجغرافي
السياسي" يجعل هذا البلد (أفغانستان) على تخوم اثنين من الإهتمامات الأمريكية
الاستراتيجية: الأول فتح طريق إلى آسيا الوسطى يكون بعيدا عن السيطرة الروسية...
والثاني، التحكم بالتوازنات الإقليمية- في آسيا- لجهة مراقبة نمو القوة في ثلاث دول،
صنفتها الدراسات المستقبلية الأمريكية ب"الدول الخصم"، وهي:الصين، وروسيا،
والهند.
بالمقابل، فإن روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة مثل أوزبكستان، وطاجيكستان،
وتركمنستان، لها مصلحة إستراتيجية في الدخول في نادي التحالف الدولي الذي تقوده
الولايات المتحدة الأميركية، لأن هذه البلدان جميعا تريد استثمار هذه الحرب من أجل
تصفية حساباتها مع الحركات الإسلامية الراديكالية المتواجدة على أراضيها
يركز المؤلف في هذا الفصل على باكستان ويعتبر أنه منذ أحداث 11 أيلول، أصبحت
باكستان حليفا أساسيا للولايات المتحدة، ونجحت في الاستفادة من وضعها
الجيوبوليتيكي في آسيا الوسطى. ففي غضون ثلاثة أشهر، "تم ضخ بعض 6 مليارات
من الدولارات إلى خزينة الحكومة الباكستانية، في شكل مساعدات مباشرة، و برامج
دعم اقتصادي طويلة الأجل، أو تسهيلات تجارية. و تشكل المفاوضات حول الديون
الثنائية حجر الزاوية المالي المعد من قبل المجتمع الدولي من أجل دعم النظام القائم في
باكستان، الذي يتعرض إلى ضغوط حقيقية، و تدفق كبير للاجئين الأفغان، و تعزيز
الأمن على حدوده، و تعويض التباطؤ في الاقتصاد. و تقدر الزيادة بنحو 2،5 مليار
دولار حسب الحكومة الباكستانية" .
لكن الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، تستخدم الوسائل غير الديمقراطية،
وتغلق أعينها تماما على ممارسات الأنظمة الديكتاتورية في العالم، "ذلك أن فكرة
مساندة أنظمة ما وتقديم المساعدة لها بحجة أنها تنادي بالقضاء على الإرهاب، فكرة
غير ناضجة وغير مقبولة".
ويرى المثقفون الأميركيون الأحرار أن حجم الدمار المادي المقبل هائل ولا حصر له،
وهو يهدد الإنسانية بكارثة، لا في جانب عدد الضحايا البشرية فقط، و إنما أيضا
كصدمة أخلاقية للأزمنة المقبلة. "إذ سوف يظل الملايين من البشر يتفرجون، و هم
عاجزون، في حين تظل الولايات المتحدة تدمر هذا الكون، معتقدة أن سلطتها الأخلاقية
منيعة وغير قابلة للطعن أيضا، مثلها في ذلك مثل سلطتها العسكرية".
إن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة عرضت بالأحرى القيم التي يدافع عنها
الشعب الأمريكي للخطر، أكثر من الدفاع عنها أو نشرها على صعيد كوني.
+ بالفصل التاسع ("أمريكا و الكيان الصهيوني و الإرهاب") عندما وقعت أحداث
11 أيلول /سبتمبر2001 ، كانت الانتفاضة في فلسطين المحتلة مشتعلة، كما كانت
هناك عمليات استشهادية من قبل الحركات الإسلامية الجهادية، جاءت في جوهرها
رداعلى ارهاب دولة الاحتلال الصهيوني بزعامة آرييل شارون، الذي ألهب المنطقة
بالنيران، بعد أن تلاشى ماتبقى من الأراضي الفلسطينية. ويدعي شارون أنه حقق
واحدا من انتصاراته، وأنه يقدم نفسه كمدافع عن "العالم الحر".
كما حاولت الحكومة الصهيونية ومعها أجهزة الاعلام التي يسيطر عليها الصهاينة في
الغرب، "استغلال أجواء الصدمة و التعبئة في الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة وبن
لادن، للقيام بحملة دعائية معادية وحاقدة على العرب والمسلمين ، ملقية المسؤولية
على عدد من الدول العربية بدعوى دعمها للارهاب الدولي، أو وجود قواعد للارهابيين على أراضيها".
إن الكيان الصهيوني يعتمد بشكل رئيس على الأموال والمعونات الاقتصادية الخارجية،
والمساعدات الأميركية في الدرجة الأولى، التي تهدف من إلى تقوية أمن أميركا
القومي، وتأكيد مكانتها كقوة عظمى قائدة للعالم خصوصاً في ظل ما يسمى " النظام
الدولي الجديد "
ويتفق الطرفان الأمريكي و الصهيوني على تقسيم وظيفي عادل برأي الكاتب: الولايات
المتحدة تواصل تدجين السلطة (الفاسدة ) سياسيا، و الدول العربية المعنية تشرف على
قمع روح التمرد او الاعتراض، أو المقاومة الفلسطينية ، وإلا حوسبت كشريكة في "
الإرهاب " أو كمحرضة عليه، و بذلك سيغدو الأمن الصهيوني مسؤولية عربية
بإشراف أمريكي مباشر .. أما السلطة فإن الكيان الصهيوني يريدها أن تكون " أنطوان
لحد " فلسطيني، بل إن شارون يذهب إلى أبعد من ذلك، أنه يريد أكثر من " انطوان
لحد " عربي لحماية الكيان الصهيوني، حتى يستطيع العرب درء النقمة الأمريكية عنهم
بأنهم "إرهابيون" و في "محور الشر ".
ويجمع المفكرون العرب أن الصراع العربي- الصهيوني من طبيعة فريدة ومعقدة
للغاية، باعتباره صراعاً حضاريا، بين حضارتين متعارضتين جدليا وتاريخيا،
الحضارة الغربية متجسدة في الإمبريالية الأمريكية، ومبنية بواسطتها، والحضارة
العربية التي تجمع كل العرب في أمة واحدة.
+ بالفصل الثالث عشر(" القضية الفلسطينية في مواجهة خطر التصفية") يقر الكاتب
بأن القضية الفلسطينية هي حركة التحرر الوطنية التي يخوضها الشعب الفلسطيني
ضد الإحتلال الإستيطاني الصهيوني عبر خيار إستراتيجية المقاومة. لكن العابث بالقضية الفلسطينية هي الولايات المتحدة الأمريكية حكومة و برلمانا، من خلال دعمها
المادي و والمعنوي اللامحدود لإسرائيل. الولايات المتحدة ليست العابث الوحيد بهذه
القضية الإنسانية العربية، ولكنها أسوأ و أخطر العابثين بها".
ويتساءل الكاتب: إلى أين تقودنا مشاريع التسوية الإستسلامية المطروحة؟ وهل من
الممكن أن تكون هناك تسوية مع العدو الصهيوني؟ و هل يوجد حل وسط في الصراع
و الحرب بين الأسطورة الصهيونية المطلقة ومنطق التاريخ، و بالتحديد تاريخ تحرر
الأمة العربية؟
إن الحرب و التسوية لا تستطيعان أن تعكسا إلا حقائق القوة خارج ميدان القتال، ومائدة
المفاوضات، وكلتاهما وجه من و جوه صراعات هذه القوة بين طرفين متعاديين،
ومتناقضين جذريا في مصالحهما، و متصادمين في إستراتيجيتهما، و متصادمين أيضا
في ضرورات أمنهما.
ويقر المؤلف بأن "النقطة الأساسية في حرب الخليج وفي حصار العراق لاحقا، ليست
الكويت أو السعودية، فهذه القضايا لم تعد كذلك بعد إنتهاء الحرب وقبول العراق
قرارات الأمم المتحدة، النقطة الأساسية هي الكيان الصهيوني، الذي يتطلب أمنه
ووجوده، تقليص القدرات العسكرية، وغير العسكرية العربية والإسلامية إلى الدرجة
التي يشعر الصهاينة معها بالأمان. وأدت هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية إلى
إزالة التهديد الإستراتيجي التي كانت القوة العسكرية العراقية كفيلة بتشكيله على الكيان
الصهيوني في حال إستكمالها".
وكان التقرير الذي قدمه بتلر إلى الرئيس بيل كلينتون قبل يومين من إطلاع كوفي أنان
عليه، حسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، والذي إتسم بالذاتية والكذب، قد أسهم
جذريا في إطلاق القرار العسكري الأميركي البريطاني بشن العدوان على العراق،
الأمر الذي جعل بتلر يتخذ قرارا سريعا بسحب المفتشين.
كما إن قرار الحرب قد إتخذ دون اللجوء إلى تفويض أو موافقة مجلس الأمن، "لأن
الامبراطورية الأميركية ليست معنية بتطبيق القانون الدولي والشرعية الدولية، على
الرغم من أن مجلس الأمن بدا أنه مجرد أداة لتحقيق سياسة حكومة الولايات المتحدة
الأميركية أساسا".
فالعراق بما يمثله من عمق إستراتيجي وتاريخي ما زال خارج دائرة السلام الأميركي
الصهيوني، ويشكل في الوقت عينه أحد مراكز الرفض العربية التي تعترض المخطط
الأميركي الصهيوني، لجهة فرض الإستسلام الكامل على العرب، بصرف النظر عن
طبيعة النظام الحاكم في بغداد. فالكيان الصهيوني يريد تركيع العرب عبر البوابة العراقية.
إن الإمبريالية الأمريكية و الكيان الصهيوني إنما يريدان، يقول الكاتب، اثارة الصراعات الطائفية والأثنية في الدول العربية الأساسية كمصر وسوريا والعراق ، من أجل
تفتيتها من الداخل، وتحول دون أن تتحول الى دول قوية تمتلك القدرة على إتخاذ قرار
بإدارة الصراع مع الكيان الصهيوني.
و بعض هذه الدول العربية الآنفة الذكر لم تجرأ على إعلان رفضها للحرب بشكل
رسمي و علني، "مخافة أن تشن عليها الولايات المتحدة حملة من التخويف، تهدد مواقع
حكامها في السلطة، أو ودائعهم التي قد تكون أغلى من الأوطان".
* "التوتاليتارية الليبيرالية الجديدة والحرب على الإرهاب"، نافذة "قرأت لكم"، 1 فبراير 2007