1- للصورة، في المعنى العام، معنيان:
- فهي، في معناها التقني الخالص، "حالة فوتوغرافية" مؤرخة، تختزل واقع الحال في قاريته أو في حركيته..."بتجرد".
- وهي، في معناها الفلسفي، تمثل ذهني، ضمني أو معبر عنه، لذات الواقع...دونما تجرد كبير.
يحيل المعنى الأول للصورة على تمثل التقنية لها، فلا تظهر الصورة بالتالي إلا كمخرج من مخرجاته التقنية ليس إلا، في حين يحيل المعنى الثاني على الصورة التي يتمثلها الفرد (أو الجماعة) لذاته وللآخر.
قد يتراءى من غير الطبيعي التقاء المستويين أو تكاملهما، إذ لكل المعنيين فضاءه الخاص ولكل منهما أدواته وسياقه العام. لكنهما، عكس ذلك، يلتقيان ويفعل كلاهما في الآخر: فالتقنية تفعل في فضاء قائم هي نتاجه وجزء من منظومة قيمه في آن واحد، تماما كما أن تمثل الأفراد والجماعات لذاتهم وللآخر هو، بالمثل، إفراز من إفرازات متعددة... للتقنية فيها دور كبير.
وعلى هذا الأساس، فما اصطلح على تسميته (منذ مدة في الأدبيات السوسيولوجية) ب "حضارة الصورة" لا يغدو، في تصورنا، كونه مظهرا من مظاهر الالتقاء إياه وتجليا من تجلياته:
+ ف "العمران البشري" لم يفرز، من بين ظهرانيه، نهاية القرن الماضي، ثورة تقنية عميقة طالت علوم الأحياء والبيئة والفضاء، بل وكذلك تقنيات المعلومات والإعلام والاتصالات وغيرها، أصبحت الغلبة بموجبها للصورة المتداولة أكثر ما هي للرسالة المكتوبة أو للكلمة المنطوقة.
+ والثورة التقنية بدورها لم تفرز، من بطنها، بنيانا جديدا لذات "العمران البشري" بقدر ما دفعت بجهة جعل الصورة إحدى المكونات الأساسية في تمثله للحاضر وللمستقبل وإحدى منعطفاته.
ليس معنى "حضارة الصورة"، من هنا، أن الصورة قد غزت الإنسان المعاصر والتصقت به حلا وترحالا (وهو صحيح إلى حد بعيد) ولكن معناه أيضا أن الأسس المادية الكبرى التي شكلت "العمران البشري" إلى حين عهد قريب، أصبحت ثانوية قياسا إلى تقدم الأسس الرمزية واللامادية التي تحكم العمران إياه بما هو، بالمحصلة، تمثل للأفراد والجماعات.
وبصرف النظر عن مركزية الطرح، طرح حضارة الصورة (كونه إفراز المجتمعات المتطورة بالأساس) وعن محدودية بعض الجوانب النظرية بداخله، فإن الثابت هو أن الصورة بمختلف أشكالها (القار منها كما المتحرك) أصبحت بامتياز رمزا قويا من رموز الحضارة الغربية القائمة.
2- من غير الوارد هنا الوقوف عند أطروحة "حضارة الصورة" (في محدداتها أو في خلفياتها أو في أبعادها). ومن غير الوارد كذلك الوقوف عند ما قد يكون نقط قصورها، بقدر ما سنحاول استقراء ما وقع يوم 11 شتنبر (وما استتبعه) على ضوئها.
والواقع أنه باستثناء رمزية صورة الانفجارات وتحولها السريع إلى مادة إعلامية عالمية (استقرأها الجميع كبداية لتهاوي صورة الحضارة الأمريكية بتهاوي أقوى رموزها)،فإن ما عدا ذلك لم يخرج عن كونه حربا على الصورة بامتياز:
+ فمواقع الحدث (كما الضحايا سواء بسواء) بقيت في منأى تام عن صناع الصورة...تماما كما بقيت الممارسات والتضييقات والاعتداءات على الجاليات الأجنبية (بالغرب عموما) في "مأمن" عن الالتقاط والتصوير.
لم يكن مرد منع الصحفيين من بلوغ مكان الحادث لأسباب تقنية محضة (قياسا إلى حجم الحادث) و لا لاعتبارات أمنية خالصة، بل وبالأساس للحيلولة (حيلولة الإدارة الأمريكية بالخصوص) دون انتشار صور من شأنها إظهار الحضارة الأمريكية ولكأنها تحتضر أمام دقة العملية وجرأة منفذيها.
+ والضربة على قواعد طالبان (كما على المواقع المدنية المسالمة) لم نر منها إلا صورة لخراب الحجر دونما أن نرى أدنى صورة لدمار البشر، لدرجة يخال للمرء معها أن الحرب الجارية هي حرب أشباح لا شيئا آخر.
من الوارد أن يكون مرد ذلك كامنا في تعذر صناعة الصورة بعين المكان، على اعتبار طبيعة الضربة ذاتها وكذا تكتم المؤسسة العسكرية على المواقع المستهدفة، لكن الثابت أن السببان أعلاه لا يصمدان أمام واقع الحال: فحكومة طالبان منعت القنوات العالمية من بلوغ أراضيها تاركة الاستفراد في ذلك لقناة الجزيرة، ثم أن الإدارة الأمريكية ذاتها لم ترخص لقنواتها مصاحبة الجنود لعين المكان.
3- ليس من المتعذر البتة ملاحظة الحرب على الصورة التي نهجتها حكومة طالبان والولايات المتحدة وإن على خلفية مختلفة:
- فالحكومة إياها لا تصور لديها يذكر عما يسمى "حضارة الصورة" التي يتحدث عنها الغرب ولا عما هي الحضارة بشكل عام. فهي لم تكتف بتحطيم تماثيل، عبرت لقرون من الزمن عن صورة حضارة كانت قائمة بهذه المنطقة أو تعايشت معها، بل استهجنت (لدرجة التكفير) إبراز المرأة لملامحها لا كأنثى بل كمخلوق من مخلوقات الله. ثم هي لم تقتصر في حربها على الصورة بمنع ما وصل إليه العلم الحديث والمعاصر من تطورات في تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال، بل تعدت ذلك إلى اعتبارها أداة كفر وإلحاد.
- والولايات المتحدة بدورها (وهي بشركاتها للإعلام والسينما موطن حضارة الصورة بامتياز) لم تعد تخشى الصورة كصورة في حد ذاتها (كما هو شأن غريمتها طالبان) بل لإيمانها الراسخ بقدرة الصورة على إفساد مخططاتها العسكرية أو تأنيب الرأي العام العالمي في حال وقوف الصورة إياها على تجاوزات قصفها أو جنودها.
وهي، فضلا عن ذلك، لم تستغ ترويج صورة عدوها الأول (أسامة بن لادن أعني) إلا فيما يجعل منه "إرهابيا، حقودا على الحرية وعلى الديموقراطية"، ولم تبح لقنوات أجنبية (قناة الجزيرة بالأساس) أن تستمر في "الدعاية له" أوتغطية المظاهرات المؤيدة له.
بالتالي، فلم ترنا الآلة الإعلامية الأمريكية في "حملتها على الإرهاب" إلا ما أرادت لنا المؤسسة الأمريكية أن نراه، ولم يكن من المؤكد في شيء أن ما رأيناه من صور هو صور لواقع لحقيقي أم هو إلى الواقع الافتراضي أقرب.
4- من الواضح إذن أن تمثل الأفراد والجماعات (في الغرب) " للإرهاب وللإرهابيين وللحملة على الإرهاب" أيضا،لم يكن له أن يكون سوى ما تمثلته الإدارة الأمريكية وأضحى لديها "التمثل الصائب": فهي تمثلت "الإرهاب" واختزلته في كل أشكال العنف (أو التعرض) لها ولمصالحها بالعالم. وهي تمثلت لوحدها الرد وأجبرت دول العالم للاصطفاف من ورائها. وهي تمثلت لوحدها "عقيدة الإرهاب" وأخذت مليار ونصف مليار مسلم بجريرة أفراد أو جماعات ...وهكذا.
هي في الآن نفسه، الخصم القوي والحكم الأقوى.
لم يقتصر الأمر، لدى الإدارة الأمريكية، على تمثل صور "إرهابيي 11 شتنبر" وتمثل أنسب صور الرد عليهم، بل تعدى ذلك إلى تمثل صور الدول والمنظمات التي من الوارد ("من الواجب" تقول الإدارة إياها) استئصالها بالجملة أو استئصال "العناصر الإرهابية" من بين ظهرانيها.
لن ينحصر الأمر على العراق وسوريا (ولا على بعض "الدول الصديقة" للولايات المتحدة) بل سيتعداها إلى منظمات عربية وإسلامية تتوافق كل الشرائع السماوية على اعتبار نضالها مقاومة شرعية لا شكلا من أشكال الإرهاب.
لا نعتقد البتة أن للولايات المتحدة تصورا يميز بين المقاومة المشروعة وأعمال الإرهاب إلا في حالة إسرائيل.
فهي لا تعتبر نضال المنظمات الفلسطينية (ولا انتفاضة الأقصى) مقاومة، بقدر ما تصنفه في خانة "الأعمال الإرهابية" ...في حين لا تتوانى في اعتبار ما تقوم به إسرائيل " دفاعا عن النفس" لا إرهاب دولة منظم.
بالتالي فمنذ 11 شتنبر (ومن قبلها في المخيال الغربي الدفين) لم يكن لصورة العربي والمسلم (لتمثل الفرد الأمريكي لهذه الصورة أعني) أن تخرج عن كونها صورة "الإرهابي المتعطش للدم"، "المؤمن بعقيدة العنف"، "المهين لصورة المرأة" وما إلى ذلك تماما كما كرست لهذه الصورة من قبل استوديوهاتها في هوليود وبالعديد من مراكز البحوث في الصورة إياها.
5- لرب سائل يتساءل بصرف النظر عما ورد من كلام: وكيف لأمريكا (ولغيرها) أن تمحو صورة الإرهاب من العالم وهو (أعني الإرهاب) لا شكل له ولا جنسية ولا صورة ولا مستقر ويستوظف من الأساليب ما يتعذر استكشافها؟ أليس من الوارد الاعتقاد، منذ نهاية الحرب الباردة بالخصوص، بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى عدو دائم (حتى وإن كان متناهي الضعف) تجعل منه حقل تجارب لمستجداتها الحربية وتستعرض من خلاله صورتها كأكبر قوة متواجدة؟ ثم أليس من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة كانت ستعمل على إنبات إرهاب، للتجنيد، إن لم يكن واقعيا فعلى الأقل افتراضيا؟
وهو تساؤل وجيه تزكيه ثلاثة معطيات إضافية أخرى:
+ المعطى الأول: صحيح أن لا صورة قارة للإرهاب ولا حدود جغرافية له ولا جيوش نظامية لديه، لكن هذا لا ينفي عنه التمثل الذي يصاغ من خلاله ويقصد منه دولا أو حكومات على خلفية الاعتقاد من كونها "تأويه" أو "تموله" أو "تتبناه".
فسوريا لم تصنف في خانة "الدول الإرهابية" إلا لكونها تأوي منظمات فلسطينية "صنفتها" الإدارة الأمريكية بأنها "إرهابية". نفس الشيء مع إيران التي لم تصنف ضمن قائمة "الدول الإرهابية" إلا لكونها تدعم حزب الله وترفض وجود إسرائيل جملة وتفصيلا. بالتالي فبقدر الابتعاد عن معاداة أمريكا (وإسرائيل) بقدر الابتعاد عن الانتماء إلى قائمة الإرهاب.
+ المعطى الثاني: لم تكن أحداث 11 شتنبر، حقيقة الأمر، هي التي حددت " للطبيعة الإرهابية" للعرب وللمسلمين (في المخيال الغربي) بقدر ما كانت نقطة التجلي الكبرى لذات الطبيعة.
فصورة العرب والمسلمين بالسينما الأمريكية (أو باستوديوهاتها المتصهينة) كما بالقنوات التلفزية ووسائل الإعلام الأخرى (التي لا تقل تصهينا عن الأولى) كانت ولا تزال في الغالب الأعم صورة قدحية " لبدائي متخلف، مدمن للخمر والجنس، متعطش للدم والعنف" وما إلى ذلك. بالتالي كانت القابلية كبرى لدى الرأي العام في الغرب في تقبله لصك الاتهام الموجه للعرب وللمسلمين دونما أدنى تحفظ.
بمعنى أن اصطفافه وراء إداراته (سيما بالولايات المتحدة وبريطانيا) لم يكن نتيجة لثبوت التهمة ضد العرب والمسلمين، بقدر ما جاء جراء تمثل حقنته وسائل الإعلام والاتصال لسنين عديدة خلت.
+ المعطى الثالث ويتمثل في صورة "الإرهابي الافتراضي" التي لطالما روجتها الإدارة الأمريكية، منذ انتهاء حرب الخليج الثانية، ولم تتوان يوما في الدفع بها لضرب العراق.
فمن غير المشكوك فيه اليوم أن العراق خرج من الحرب إياها مكسر الجناح، بناه التحتية مدمرة وموارده مستباحة وقدراته على تهديد جيرانه أضعف، وهو فضلا عن ذلك محاصر ومحاط بأعتى تكنولوجيا المراقبة والتجسس، فما الآية من ضربه من جديد واستهداف مقوماته والإمعان في تجويع شعبه؟
ثم من الثابت أيضا أنه لم يثبت للعراق ضلع في انفجارات 11 شتنبر و لا علاقة مع منظمة القاعدة ولا إيواء لمنظمات مصنفة في خانة الإرهاب، فلم التعرض لدولة وحكومة لم تبين "التحقيقات" أي يد لهما فيما جرى ويجري؟
قد تكون بعض عناصر التفسير بسيطة من قبيل ثأر الابن لما لم يستطعه الأب، وإلا فما السر (إن لم يكن مجرد الثأر) من انخراط بريطانيا (وهي التي لم تطلها انفجارات 11 شتنبر) في حرب ضد دولة (كأفغانستان) كان لها بها نفوذ كبير ولم تستطع الحفاظ عليه؟ وما السر (إن لم يكن الثأر الدفين) في مشاركتها الولايات المتحدة تقطيعها للأجواء العراقية وفرض الحظر عليها جملة وتفصيلا؟
وقد تكون بعض العناصر الأخرى سياسية وجيوستراتيجية (وحضارية دون شك)، لكنها تبقى مجتمعة محكومة في تصورنا، بمبدأ عام: مبدأ عدم قبول الغرب لكل أشكال الاشتغال من خارج منظومته وتصوراته وتمثلاته، واستهدافه (بسبل الترغيب والترهيب) لكل من "يفترض" أنه عدو قائم أو من شأنه أن يقوم.
6- كيف للعرب والمسلمين أن يغيروا من صورة لم تزدها أحداث 11 شتنبر إلا سوءا وقتامة؟ هل يملكون أدوات الصورة حتى يتسنى لهم تحسين صورتهم؟
من المؤكد أنه لن يتم لهم ذلك (في المدى المنظور على الأقل)... فهم في وضع من هشاشة العمل الجماعي (السياسي والإعلامي) ما يجعل من ردات فعلهم السلاح الوحيد والممكن عوض أن يكون العمل الجماعي إياه سلاح الفعل.
وسلاح الفعل الذي نقصد هنا لا يعني فقط (على المستوى الإعلامي) فضح إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل على العرب والمسلمين دون وجه حق، بل وأيضا مواجهة أي استهداف لدولة عربية أو إسلامية لمجرد "افتراضها إرهابية" أو حامت الشبهة حول كونها كذلك.
حينها لن تحتكم الولايات المتحدة إلى صورة قوتها...بل وبالأساس إلى قوة صورتها.
* "الإرهاب وحضارة الصورة"، جريدة العلم، 27 مارس 2002.