Aller au contenu principal

"الإرهاب والإعلام والنظام العربي الرسمي"

news-details

 1- لا يستطيع أحد الادعاء الجازم بوجود إعلام عربي بالمعنى المنظومي للكلمة أو عطفا على توفره على هوية أو مرجعية محددة أو بالقياس إلى تصنيف من التصنيفات معتمد.

فلكل دولة عربية إعلامها (أو لنقل طريقتها في الإعلام) ولكل دولة قنواتها التلفزية العام منها والخاص، ولكل دولة خطابها الإعلامي، ولكل منها "مرجعيتها"...ولا تلتقي مجتمعة بالتالي إلا في لغة التخاطب وفيما رسم لها من خطوط حمراء ومتاريس ومحذورات.

 هو (أعني الإعلام) كما النظام العربي الرسمي مبني على القطرية ومرتكز حول الحاكم ولا يعير كبير اعتبار لمقولة الرأي العام أو لمبدأ "نسبة المشاهدة" أو لغيرها.

قد لا تشد على هذه القاعدة كثير من الدول، فجل مكونات "الإعلام العربي" عمومية، حكومية رسمية، وما قد يعتبره البعض "إعلاما خاصا" إنما هو قول/مجاز لا على اعتبار " دورانه" في فلك الأشخاص والمؤسسات التي تموله، ولكن أيضا بحكم عمل الحكومات العربية  للالتفاف عليه وتطويع القائمين عليه.

 لهذا السبب (ولغيره ربما) فإن ما يمكن اعتباره هنا تجاوزا ب "الإعلام العربي" لم يختلف البتة (في "مواقفه" كما في تعامله مع القضايا العربية الكبرى) عن مواقف وتعامل الأنظمة القطرية مع القضايا إياها سواء كانت ذات القضايا داخلية أم عربية أم ذات صبغة دولية.

 2- لم يختلف الأمر كثيرا في المواقف إزاء ما ترتب عن انفجارات 11 شتنبر وما استتبع ذلك من ضرب لأفغانستان ونية قائمة على ضرب أنظمة (ومنظمات) أخرى صنفت قطعا ب "الإرهابية" أو على علاقة بالإرهاب:- فالإعلام العربي (إعلام القنوات الفضائية أعني هنا) ندد ب "الإرهاب" واستنكر ممارسات الجهة المنفذة له، تماما كما ندد النظام العربي الرسمي بذلك واستنكره.

 - و الإعلام العربي "تفهم الحرب على الإرهاب" التي دشنتها الولايات المتحدة وحلفاءها، تماما كما "تفهم" النظام العربي الرسمي السلوك الأمريكي ولم يبد أي تحفظ بإزائه أو بإزاء الدول (والمنظمات) التي ستكون حالا (أفغانستان) ومستقبلا مادته وهدفه (العراق وغيرها).

 - والإعلام العربي (تلفزاته أقصد بالأساس) لم يسلم من الحرب السيميائية (التي فرضها الفكر الاستراتيجي الأمريكي وكبريات شبكاته في الإعلام) تماما كما لم يسلم النظام العربي من ذات الحرب: فانفجارات 11 شتنبر صنفت بالإجماع العربي (والعالمي) على أنها عمل إرهابي، والحرب المعلنة على إمارة طالبان وبن لادن وصفت دون حجج تذكر بأنها ضد "المشتبه فيهم الرئيسيين" وضرورة مكافحة الإرهاب غذت المطلب الأساس والهدف المركز...وهكذا.

 هناك إذن، بالمحصلة، اصطفاف للإعلام العربي بجهة الموقف العربي الرسمي لا بخصوص " قضية الإرهاب" والموقف من "الحملة لاستئصاله"، ولكن أيضا بجهة باقي القضايا التي من شأنها رهن الواقع العربي وارتهان مستقبله.

 3- وهناك بالتالي، بهذه النقطة كما بغيرها، خاصيتان اثنتان غالبا ما تطغى على الإعلام العربي بعد ما تكون قد طبعت النظام العربي في شكله كما في الجوهر:

+ الخاصية الأولى وتتمثل في تعامل الإعلام العربي مع " قضية الإرهاب" بالخصوص (ووسائل "استئصاله") من منطلق تعامل الموقف الرسمي معها. فبقي من هنا باب الاجتهاد في التحليل كما في التعليق محكوما بذات الموقف، محتكما إليه سيان في ذلك (أو يكاد) الإعلام الرسمي  والإعلام الذي يدعي الاستقلالية (القنوات الخاصة بالأساس).

 قد لا يقتصر التجاوز في هذا الباب على تنبيه هاته القناة أو تلك، أو على تحذير هذه المحطة أو تلك، ولكنه قد يتعدى ذلك إلى تهديديها واستهداف القائمين عليها في الأرزاق كما في الأعناق.

 + الخاصية الثانية وتكمن في إمعان الإعلام العربي (كما النظام الرسمي سواء بسواء) على التعامل مع القضية إياها (أي قضية الإرهاب) من زاوية الدفاع ورد الفعل لا من منطلق الفعل والدور الفاعل.

 لا ينحصر الإشكال هنا في تشديد الإعلام العربي (والنظام الرسمي) على مطالبته بضرورة التمييز بين الإرهاب والإسلام والتركيز على لاوجوبية أخذ الإسلام بجريرة بعض المسلمين، ولكن أيضا وبالأساس في تأكيده على أن لا طبيعة حضارية للحرب الدائرة بأفغانستان أو لتلك التي من شأنها أن تدور مستقبلا على أراض عربية أو إسلامية.

 هو السلوك نفسه الذي نشهده اليوم في الإعلام والنظام العربيين، تماما كما شهدناه ونشهده في الحرب على العراق وعلى الفلسطينيين وعلى غيرهم من دول إسلامية أخرى، لا تنفر منه إلا القليل من الوجوه الملتزمة والجريئة.

 لكن أين تساق، بالمقابل، تجارب إعلامية رائدة اختارت لنفسها البث من المهجر أو تغاضت حكوماتها عنها بالداخل لمسوغات شتى كما هو الحال بالنسبة لقناة الجزيرة أو قناة أبو ظبي أو القليل غيرها؟

 لا يمكن أن تساق، في تصورنا، إلا في إحدى خانتين:

 °°- إما  لكونها التزمت لنفسها خطا تحريريا تغيأ الموضوعية في الخبر والحرية في التعليق والحيادية النسبية في الموقف، كما هو حال قناة الجزيرة التي جعلت للنظام السياسي، في دولة متناهية الصغر، موطئ قدم على الجغرافيا وبالعالم. بالتالي فلم يكن هناك من سبب آخر( أقوى) يشفع لقناة الجزيرة " ديمومتها" سوى هذا السبب... وهو كاف إلى حد بعيد.

 °°- أو لكونها تعمل بدول ديموقراطية تتكفل دساتيرها بحماية حق الأفراد والجماعات في التعبير والتفكير ولا تعترض (أعني الدساتير) إلا على ما من شأنه أن يطال النظام العام أو يدفع بالتحريض أو يشجع على التمييز. لكن محدوديتها، في الحالة الأولى كما في الثانية، في أكثر من نقطة وتنحسر على أكثر من مستوى:

 + فهي ليست موجهة للغرب بقدر ما هي موجهة إلى الشرائح العربية وإلى حد ما المسلمة المتحدثة باللغة العربية...وهو ما يجعلها، بداية المطاف ونهايته، غير قادرة على إبلاغ رسالتها " للآخر"، أي لغير العارف بلغة الضاد. بالتالي فهي تبقى كمن يحدث نفسه ويجتر الخطاب على أهله وذويه.

 + وهي تبقى، في حال رفع التحفظ السابق، محكومة بمنطق رد الفعل و لا إمكانية لها على الفعل. هي تشكل في الأمرين معا ودون نقاش، طفرة في الإعلام العربي الرسمي، لكنها لم تستطع اختراق الرأي العام الغربي و لا صانعيه هناك...وهي بكل المقاييس نقطة ضعفها الكبرى.

 من الجائز المراهنة على شبكة الإنترنيت (بما هي وسيلة إعلام واسعة ومفتوحة وغير ممركزة) لبلوغ ما لم يستطعه إعلام المهجر بلوغه...أعني الغرب برأيه العام وصناع قراره. لكنها (أي الشبكة) تبقى مع ذلك محدودة التأثير ونخبوية ولا قدرة لها على التأثير في الرأي العام ...صانع القرار بالغرب، بالتالي فلا سبيل لها في تغيير صورة العرب أو المسلمين أو الإسلام إلا في القليل النادر...أعني لدى النخبة في أحسن الأحوال.

 وعلى هذا الأساس، فبقدر إخفاق النظام العربي الرسمي (بكل وزاراته في الخارجية وجامعته العربية ومؤتمره الإسلامي وغيرها) في تحسين صورة العرب والمسلمين بالغرب، بقدر إخفاق "النظام الإعلامي العربي" (بكل ما استجد لديه من تقنيات رقمية وأقمار صناعية وموارد مالية وكفاءات إعلامية) في تمرير صورة عن الإسلام شافية وعن العرب صافية.

 4- لمتسائل يقول: وكيف استطاعت دولة من حجم إسرائيل لا يتجاوز عمرها خمسين سنة، أن تفعل في الغرب وفي رأيه العام بقوة نادرة سواء تعلق الأمر بنجاحها في إلصاق صفة "الإرهاب" بانتفاضة الأقصى أو بربط تفجيرات نيويورك وواشنطن بالعرب وبالمسلمين أو بتفوقها في إيهام العالم بأن ما عرفته أمريكا يوم 11 شتنبر لا يعدو كونه تحاملا من العرب والمسلمين على الحرية والديموقراطية؟

 قد لا يتعذر الجواب على الاستفهام إياه قياسا إلى واقع الحال: فإسرائيل (ومن خلالها اليهود) يسيطرون (بما لا يدع مجالا للمزايدة) إن لم يكن على معظم وسائل الإعلام العالمية فعلى الأقل على كبريات هاته الوسائل من شبكات تلفزية ومحطات إذاعية وصحف ومجلات ودور نشر وسينما وغيرها.

 ليس غريبا، على هذا الأساس، أن يكون للوبي الصهيوني (بأمريكا كما بباقي الدول الكبرى) القول/الفصل في ربط الإرهاب بالفلسطينيين أو ربط تفجيرات 11 شتنبر بالعرب والمسلمين وإقناع الرأي العام الغربي وصناع القرار بداخله على أنه القول/الحق...وأن المؤامرة قائمة حقا ضد الحرية والديموقراطية والاقتصاد الحر.

 لكن إذا كان التنظيم المحكم للوبي الصهيوني هو الذي مكنه من أن يكون قوة الضغط الإعلامية الأولى في العالم، فما الحائل دون تنظيم العرب وبلوغهم الرأي العام الغربي من داخل "حدوده" وبلغته؟ أو لا يقال مثلا إن النظام الأمريكي نظام مفتوح والمؤسسات الإعلامية شركات تتداول أوراقها بالبورصة وبمستطاع كائن من كان (بما فيه العربي والمسلم) أن يقتنيها ويؤثر بالتالي في قرارات وسياسات مجالسها الإدارية كأي شركة أخرى؟

 وهو سبيل وارد، بصرف النظر عن باقي العوامل والإكراهات، لكن غياب التنظيم وضعف التنسيق بين مكونات النظام العربي هي التي تكون حائلا دون ذلك كما تحول دون دخولهم الجهاز التنفيذي أو التشريعي أو القضائي أو غيره على غرار ما استطاعه اللوبي الصهيوني وبامتياز في الغرب.

 ثم اللوبي إياه يحدث كل دولة في الغرب بلغة أهلها وانطلاقا من معرفة دقيقة بثقافتها وميولاتها وعلى خلفية من " نقط ضعفها وقوتها" على عكس الإعلام العربي الذي لا يعرف الغرب جيدا و لا يتعامل معه (في الأغلب الأعم) ببعد نظر.

 من الطبيعي إذن ألا يكون العرب والمسلمون إلا ما تريد عيون هذا اللوبي أن يكون، ومن الطبيعي ألا يصعب على المواطن العادي بالغرب أن يربط الإسلام بالإرهاب وأن يأخذ المليار ونصف المليار مسلم بجريرة بعض العرب أو بفعل بعض "المسلمين".

 هذه مسلمة بديهية لا مجال للتحايل عليها: فبقدر ما هي صورتنا مشوهة بالغرب جراء النفوذ الصهيوني الطاغي على الإعلام العالمي، بقدر ما هي مشوهة بفعل قصور إعلامنا وتضييق النظام الرسمي على الفاعلين فيه.

لا يقتصر الأمر، في هذه المسلمة، على ظروف الاستثناء (كما هو الحال مع أحداث 11 شتنبر) ولا على فترات الحرب المعلنة (كما هو الشأن في حرب إسرائيل على الفلسطينيين)، ولكن أيضا في ظروف "الهدوء" العادية حيث العنف لصيق بالإسلام والشذوذ المختلف الألوان مرتبط بالعرب وبالمسلمين.

 5- من المشروع إذن أن يتساءل الفرد العربي والمسلم عن مستقبل صورته بإعلامه وبالإعلام الغربي، ومن حقه "الانتفاضة" على واقع نظام عربي هو بالنهاية ضحيته الأولى. ومن المشروع أيضا أن يتساءل الفرد العربي والمسلم عما يمكن القيام به لتحسين صورته وصورة الإسلام بالغرب.

 قد لا يكون من المفارقة في شيء التأكيد بهذه النقطة، على تقصير النظام الرسمي وقصور الرؤية لديه في هذا الباب:

 + فالجامعة العربية لم تستطع إنشاء قناة فضائية عربية يكون إرسالها مبثوثا بأهم لغات العالم وموجها بكل جهاته.

لا تنقص المادة الإخبارية والتحليلية في ذلك و لا تقل الكفاءات ولا تضعف الإمكانات بقدر ما تنعدم الرؤية وتضعف العزيمة والإرادة.

 + والمؤتمر الإسلامي (وبداخله المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) لم يتمكن من خلق قناة إسلامية تبث بموازاة الأولى أو بالتناوب معها، لأهم مناطق العالم وبلغاته...يكون الهدف منها نشر الإسلام الصحيح وتبيان نبل رسالته. لا تنقص الموارد هنا أيضا  ولا الكفاءات ولا المادة المفروض عرضها، بقدر ما تنقص الإرادة والعزيمة.

لن يكون الاختلاف كبيرا حول " طبيعة" الإسلام الذي من الوارد الدفاع عنه إذا اعتمد في ذلك على منهج يبث ما يجمع بين المذاهب وينبذ ما يفرق بينها، وهو ما سيكون عامل وحدة وتوحد.

ولن يكون تحفظ بعض الأنظمة (في حالة إنشاء قناة عربية) ذا جدوى ما دامت بدورها ستنبذ ما يفرق ذات الأنظمة وتعتمد ما يجمع بينها و لا تكون ناطقا باسم هذا النظام أو ذاك.

 هذه قناعة جوهرية كبرى: لا سبيل لتحسين صورة العرب والمسلمين إلا سبيل توحد النظام الرسمي في الحد الأدنى وتوحد الجهد الإعلامي في حده الأقصى...عوض أن يبقى الإرهاب في معظم الحالات "عامل التوحد" الأساسي للعرب وللمسلمين في أعين الغرب.

* "الإرهاب والإعلام والنظام العربي الرسمي"، جريدة العلم، 22 ماي 2002.

Vous pouvez partager ce contenu