Aller au contenu principal

في الإعلام والإرهاب و"حرب الحضارات"

news-details

1- لم تكن الأطروحات، أطروحات "العيار الثقيل" (تلك التي لا يتعدى مفعولها الإطار الأكاديمي الجاف أعني) لم تكن يوما (إلا في القليل النادر) من انشغالات الإعلام الأولى ولا من أولوياته المستحبة.

فهو لا يحبذ كثيرا مادتها الموغلة في التنظير كونها لا تخاطب المتلقي المتوسط، ولا يستلطف أصحابها أو المروجين لها كونهم غير مهووسين بالعدد (بالجماهير أقصد) كما هو مهووس به. ولا يستحب أفقهم البعيد في التحليل مادام (عكسهم) محكوما بالآنية والسرعة والزمن القصير.

 لا يختلف الأمر كثيرا بين وسيلة إعلام وأخرى في طبيعة التعامل مع هذه القضايا (قضايا العنف في العلاقات الدولية أو "صراع الحضارات" أو غيرها) قدر ما يختلف نسبيا في الدرجة: فالتلفزة أكثرها لامبالاة بهذه الطروحات، بينما لا تتعامل معها الدوريات إلا من باب الموسمية، في حين لا تعرض لها الصحافة واسعة الانتشار إلا حينما تفرضها الأحداث أو يستجد ما يبرر إفراد ملحق أو أكثر لها.

 لكن، في الحالة الأولى كما في الثانية، لا يتم التعرض للقضايا إياها بمفاهيم الأكاديميين الذين صاغوها بعين تنظيرية، بقدر ما تستوظف في تقديمها أدوات العمل الصحفي ويستعاظ عن مصطلحاتها الأصل بمصطلحات لا تنفر الجماهير أو تحول دون بلوغ ما تم تسطيره من أهداف.

 2- قد لا يتعذر على المرء (ذي الثقافة المتوسطة أو البسيطة) فهم معنى الإرهاب ما دام مختزلا لديه في العنف والعنف المضاد، وكان له فضلا عن ذلك أن يراه (عبر ما تناقلته تلفزات وصحافات العالم عقب 11 شتنبر مثلا) أو يلمسه أو يكون عرضة له أو ما إلى ذلك. بينما يتعذر عليه لدرجة الاستحالة استساغة ما يذهب إليه أصحاب " تصادم الحضارات" من رأي بكون الحروب العالمية المقبلة ستكون "حروبا حضارية" بالدرجة الأولى، في حين يهين نسبيا على ذات المرء استنباط الآية مما يقدمه الإعلام حين يربط بين ما وقع في 11شتنبر وما تنبأ به "الباحثون" من أنه التعبير الأقوى للحروب إياها.

 لهذا السبب (ولأسباب أخرى غيره) لم يقرأ الإعلام (الغربي بالأساس) أحداث نيويورك وواشنطن من زاوية كونها رد فعل على سياسات دائمة سنها الفكر الاستراتيجي الأمريكي والغربي بوجه عام، وكان من الوارد المؤكد أن تفرز "أعمالا انتقامية" من هذا الحجم، بل ساقها للمتلقي على ثلاث خلفيات كانت القابلية في تمريرها قائمة من قبل:

 + فهو قدمها (كما تبنتها الإدارة الأمريكية) في كونها "حروبا صليبية" تستهدف الحضارة الغربية من خلال البدء باستهداف رموز القوة الاقتصادية والعسكرية لديها.

 لم يكن الإعلام الغربي (والأمريكي خصوصا) صانع العبارة أو المنظر لها، بقدر ما عمل على تأجيجها وترويجها على نطاق واسع. بالتالي ف " تراجع" الرئيس الأمريكي عن ذات العبارة لا يعبر قطعا عن سقوطها أو استبعادها، بقدر ما يعبر عن تمظهر " لشعور دفين" لم يخفف الإعلام من تأجيجه إلا لاعتبارات تكتيكية فرضتها " ظروف التحالف ضد الإرهاب".

 + والإعلام الغربي لا يقدم أحداث 11 شتنبر إلا في كونها حربا حضارية إحدى مكوناتها "عقدة الدونية" التي تراءت للبعض أنها ميزة العرب والمسلمين.

فرئيس وزراء إيطاليا (كما رئيس وزراء بريطانيا) لا يخامرهما أدنى شك في أن الحضارة الغربية (برافديها المسيحي واليهودي) هي "الأقوى" و "الأحسن" و "الأنقى" قياسا إلى ما سواها من حضارات وبالخصوص الحضارة العربية/الإسلامية.

 هذا الاعتقاد (الاعتقاد " بدونية" الحضارة العربية/الإسلامية) هو كسابقه (الاعتقاد بالحروب الصليبية) إنما يعبر عن " فكر" جاهز وتصور قائم، واعتذار صاحبيه عن ذلك، بالتالي، لا ينفي وجوده في المخيال الغربي وتجذره في المخيلة الشعبية لديه.

 + أما الخلفية الثالثة، فهي التي تدفع بأطروحة أن ما وقع من تفجيرات يوم 11 شتنبر ليس فقط حربا صليبية أو تعبيرا عن دونية حضارة منفذيها، ولكنه أيضا حربا معلنة على منظومة القيم التي عمل الغرب، لعقود طويلة، على إقامتها وتطويرها والحيلولة دون إمكانية  تعرض "الآخر" لها.

لا ينحصر الأمر هنا  على الديموقراطية السياسية ورأسمالية الاقتصاد وليبرالية السوق فحسب، بل يتعداها إلى نموذج الحرية ونمط العيش وسلوك الأفراد والجماعات بالغرب.

 وعلى هذا الأساس، فلم يفتأ الإعلام الغربي، بهذه النقطة كما بغيرها، يؤجج المشاعر ويستنفر "الوجوه" والأقلام ضد المرجعية التي على "هديها" تمت(في تصوره) عمليتي الانفجار في نيويورك وواشنطن، تارة بالطرق المباشرة (فيما يخص الإعلام المتصهين) وتارة بالتلميح (في الإعلام "الأقل تحيزا") ونادرا ما يتم التعامل معها بعين مجردة أو بتحامل ضمني.

 ليس غريبا، من هنا، تزايد عمليات الحقد والكراهية والتمييز ضد العرب والمسلمين في بريطانيا، كما في أمريكا، لمجرد الاشتباه في أن منفذي الانفجارات هم عرب ومسلمون. وليس غريبا أن يشتد الخناق (بأمريكا كما ببريطانيا) على الصحافة العربية المهاجرة وعلى الجمعيات الإسلامية (في نشاطاتها ومصادر تمويلاتها) وعلى الجالية العربية والمسلمة وعلى اللاجئين وعلى غيرهم...في تغاضي تام للإعلام وتعتيم مطبق من لدنه على رأي هؤلاء.

 3- وبقدر ما لم ينصف الإعلام الغربي العرب والمسلمين الموجودين من بين ظهرانيه (بل أجج نار الفتنة من حولهم وضيق سبل العيش عليهم)، فإن الإعلام العربي لم تمكنه " ظروفه الموضوعية" (هو الآخر)  من إنصافهم أو من المساهمة في الحيلولة دون استهدافهم والتعرض لهم.

 والواقع أن الإعلام العربي (كما النظام الرسمي سواء بسواء) لم يقف فقط عند التنديد بانفجارات 11 شتنبر وتبنيه لسياسة "استئصال الإرهاب من جذوره"، بل ذهب لحد اعتبار الانفجارات إياها عملا إرهابيا لا علاقة لمنفذيها بالإسلام وبالمسلمين. بالتالي فالدفع بأطروحة "صراع الحضارات" في هذا الباب (من خلال ربط الإرهاب بالإسلام) هو، في اعتقاد ذات الإعلام، جهل بالإسلام وبتفتح الإسلام وبتسامحه.

وهو طرح سليم لا على اعتبار أن الإسلام ينبذ العنف ويحرم القتل وشريعته تجرم استباحة النفس، ولكن أيضا لأنه دين تجادل وتجاذب وحوار.

المفارقة في هذا أن الطرح إياه عصي على التصريف بالغرب إما بسبب اللغة أو جراء احتكار الإعلام الغربي من لدن الصهيونية أو لعدم تمكن العرب والمسلمين من صياغته (أعني الطرح) بما يتماشى ودرجة نمو الذهنية الغربية... أو كل هذه الأسباب مجتمعة.

 هي حقيقة جوهرية لطالما تم التأكيد عليها: حقيقة ضرورة مخاطبة الغرب من داخله، بلغته، عن طريق وسائل إعلامه أو بواسطة وسائل إعلام ذاتية تبلغه الرسالة دونما مزايدة أو تبسيط أو نفخ في الأفكار الجاهزة أو التصورات المسبقة.

 4- لقائل يقول: أو ليس ما وقع يوم 11 شتنبر هو، بالمحصلة النهائية، إرهابا وأن ما ترتب عنه من ضرب لأفغانستان (ومن عزم قائم على ضرب العراق وضرب كل ما تراءى لأمريكا أنه إرهابي أو آو للإرهاب أو داعم له) هو بداية " تطاحن" حقيقي بين الحضارة الغربية المسيحية (المدعومة من لدن إسرائيل) وباقي الحضارات وفي مقدمتها الحضارية العربية الإسلامية؟ أو لا يمكن الاعتقاد بأن "الحرب على الإسلام" كانت سارية في الخفاء لم تدفع بها إلى العلن إلا أحداث 11 شتنبر؟

وهو تساؤل منطقي تزكيه ملاحظتان لا تقلان عنه منطقية:

 + الملاحظة الأولى وتكمن (من لدن الإدارة الأمريكية أساسا) في تقديم التهمة على التحقيق وتقديم الضربة على إثبات التهمة إياها. بالتالي فلا مجال هنا لغير استنتاج واحد: وهو أن الحرب كانت قائمة على قدم وساق ولائحة الاتهام كانت جاهزة ولم يكن ناقصا إلا ما يؤذن بشنها سيان في ذلك أن يضرب المركز التجاري العالمي والبنتاغون أو أصغر ممثلية أمريكية بالخارج وسيان أن يموت جراء ذلك عامل بالممثلية إياها أم آلاف الأمريكيين.

 من هنا فلم تكن نية ضرب إمارة طالبان والتمركز بها مغيبتان إطلاقا  لدى صاحب القرار الأمريكي سواء بسبب أحداث 11 شتنبر أو بسبب غيرها...أو بدون مسوغ معلن. وهو ما يشي حتما بإمكانية الاعتقاد بأن الغرب كان يستعد ل"حرب من نوع خاص" في أكبر نقطة لتجمع المسلمين لم تكن أفغانستان إلا قلبها الجيوستراتيجي المتميز.

 + الملاحظة الثانية وتتمثل في الهجمة القوية التي شنها رجال السياسة والقائمين على الإعلام على العرب والإسلام عقب ما وقع من انفجارات ودونما تثبت من المنفذين أو الاحتكام (في حال الثبوت) إلى ضرورة عدم أخذ الإسلام بجريرة بعض المسلمين.

ألا يشي الأمر هنا (كما في الملاحظة السابقة) بوجود تمثلات مسبقة عما يسمى "الطبيعة الإرهابية" للإسلام أو طبيعة العنف لدى المسلمين و" تحامله" على الحضارة الغربية خطابا كما في الممارسة؟

 ألا تعتبر "الحملة على الإرهاب" بناء على هذا، هي منطقيا حملة على الإسلام كدين وكعقيدة وكمنظومة قيم؟ وإلا فما السر وراء الاستعداد لضرب العراق (ولربما السودان وسوريا والسعودية وغيرها) إذا لم يكن الدافع "صليبيا" وحضاريا...؟

 ليس الأمر مستبعدا أو هكذا يقول معظم المفكرين العرب والمسلمين: فالصراع مع الغرب قائم منذ القدم، وحرب القيم على أشدها زمن السلم كما زمن الحرب، وليست مشاريع العولمة بالتالي إلا إحدى روافد الصراع ذاك وحرب القيم تلك...بالتالي فلا غرو إن أفرز اختلاف المرجعيات الحضارية تنابذا وتضادا (لدرجة " التطاحن" في بعض الأحيان) بين الحضارات و "اجتهاد" كل واحدة منها لأن تكون الأقوى.

 لكن، يقول ذات المفكرين، ليس من المفروض أن يكون اختلاف الحضارات مسوغا لتصارعها أو تطاحنها، بقدر ما يجب الحؤول دون ذلك عبر الحوار والجدل والتواصل.

 هو إذن موقف أقرب إلى الوقائية ضد الحرب ...منه إلى التأجيج والترويج، لكنه يبقى رهينا بقابلية الطرفين للقبول ببعضهما البعض دونما ترفع أو غرور...ويبقى وقفا على مدى درجة استعداد كل طرف لمعرفة خصوصيات الآخر دونما إعمال لمبدأي الإلغاء والتعتيم.

 لا يقتصر دور الإعلام (وفق هذا التصور) على قوته في ربط الجسور، بل أيضا وبالأساس في مركزية إسهامه في أن ينظر إلى العالم العربي والإسلامي كما هو لا كما تريد أن تراه عيون الاستشراق.

 5- لمتسائل يتساءل: لئن كان ما يجري حاليا هو حقا "حربا حضارية" على الإسلام من لدن الغرب، فما القول في "حيادية" دول هي جزء لا يتجزأ من الغرب كدول أوروبا الشمالية مثلا أو اليابان أو غيرها حيث لا تشنيع بالإسلام ولا اتهام للمسلمين؟

أولا توجد، من ناحية أخرى، أياد خفية من مصلحتها الدفع بهذه الحرب وتأجيجها إلى ما لا نهاية كما هو وارد ذلك بالنسبة لممارسات الصهيونية والفكر الغربي اليميني المتطرف مثلا؟

 قد تكون إحدى عناصر الجواب كامنة في أن دول أوروبا الشمالية واليابان هي نسبيا بعيدة عن قلب العالم العربي والإسلامي ولا أهداف جيوستراتيجية كبرى لها به كما هو الشأن بالنسبة لأمريكا وأوروبا الغربية وغيرها.

وقد تكون إحدى عناصره أيضا أن تواجد العرب والمسلمين بهذه الدول ضعيف وإمكانيات "مواجهة" منظومات القيم به مستبعدة عكس التواجد الكثيف لهم بأمريكا وبدول أوروبا الغربية أو بغيرها.

ثم من غير المستبعد أن يكون للصهيونية باعها في ذلك، فهي لا تدفع فقط بجهة إبراز كونها إحدى ضحايا " لإرهاب الإسلامي" (منذ انطلاق الانتفاضة الأولى على الأقل) بل لا تتوانى في التمترس وراء الغرب (وأمريكا بالخصوص) لمحاربة العرب والمسلمين.

 لكن المؤكد في تصورنا، وفضلا عن كل هذا ، أن ما قد يبدو صراعا حضاريا بداية هذا القرن، قد لا يغدو في نظر الغرب سوى كونه عنصرا من عناصر إعادة ترتيب علاقات القوة والسلطة والمعرفة بالعالم...

أو لا يعمل مشروع العولمة مثلا (وإعلامها أيضا) بهذا الاتجاه منذ مدة؟ ربما...

* "في الإعلام والإرهاب وحرب الحضارات"، جريدة العلم، 29 ماي 2002.

Vous pouvez partager ce contenu