تحديد الأسعار ومستوى التعرفة بقطاع الاتصالات، بالمغرب وبما سواه من دول العالم، مسألة تقنية معقدة للغاية، لفهمها يجب استحضار ليس فقط النماذج الاقتصادية والسياسات العمومية وفلسفة إعداد التراب الوطني وغيرها، بل وأيضا منطق اشتغال السوق، وآليات إعمال المنافسة ومستويات العرض والطلب وما شابه. العبرة هنا ليست بتحديد مستوى التسعيرة، العبرة بالخلفيات والآية من ذلك، هل هو وضع تعرفة للاتصالات تشجع الاستثمار والتواصل بين الناس، أم الغرض منها الربح الصرف، الذي يحتكم إلى التكاليف، مجرد التكاليف، ويرتكز عليها لضمان عائد تجاري يغطي هذه الأخيرة ويضمن هامشا في الربح قد يكبر وقد يصغر.
هذا، عموما، هو السياق الواسع الذي غالبا ما تطرح في ظله أنماط التعرفة والتسعيرة والفوترة ليس فقط بقطاع الاتصالات، بل وبكل المرافق المنظمة على شاكلة شبكية، كالماء والكهرباء أو النقل أو حتى الإذاعة والتلفزيون المؤدى عنهما.
بالسياق المغربي، يجب أن نميز بين مرحلتين اثنتين اشتغل في ظلهما سوق الاتصالات: الأولى مرحلة احتكار الدولة لقطاع الاتصالات، وملكيتها لبنيته التحتية منذ ظهير المارشال ليوطي للعام 1924 وإلى حدود بداية ثمانينات القرن الماضي. طوال هذه الفترة وبدرجات متفاوتة، كانت التسعيرة تحدد بطريقة جزافية تكون فيها تكلفة الخدمة عنصرا ثانويا، فيما عناصر الخدمة العمومية والمرفق العام، وإلى حد ما تكافل المستهلكين، واعتبارات التغطية الجغرافية هي الأساس والقاعدة. وطوال هذه الفترة أيضا، كانت وحدة الحساب (الوحدة القاعدية) تحيل على طبيعة الخدمة ونمط الفوترة، الذي كان لا يتغير إلا بقرار وزاري، ثم بقرار من مدير المكتب الوطني للبريد والاتصالات منذ العام 1984 وإلى حدود العامين 1996، تاريخ اعتماد القانون الجديد المنظم للقطاع، والذي اعتمد نهج التحرير والخوصصة بلبوس محتشم بداية، ثم بجلاء لا يقبل التأويل كثيرا فيما بعد.
بالمرحلة الثانية، مرحلة ما بعد العام 1998، أي مرحلة فتح السوق نسبيا، ووصول فاعل جديد في الاتصالات النقالة، وتراجع زمن الندرة التي كانت تميز سوق الهاتف القار، برزت أنماط في الفوترة معقدة نسبيا، لكنها كانت ولا تزال تنهل مجتمعة من مبدأ اعتماد تكلفة الخدمة كأساس مرجعي للفوترة، والتراجع عن مبدأ المرفق العام لفائدة عبارة مبهمة، عبارة المرفق الشمولي، مفادها ضمان الحد الأدنى من الخدمة العمومية، مع إسقاط الباقي المتبقي في دهاليز السوق المجردة.
الفريد في الأمر أن قانون العام 1996 (القانون 24/96) لم يفرز تحريرا لسوق الهاتف القار كما قد يخال للبعض، إنه أفرز واقعا خاصيته الأساس خوصصة الفاعل العمومي للاتصالات (ولا أقول الفاعل التاريخي لأنه ليس كذلك بالمرة، بالقياس إلى الفاعلين الذين خلفهم تاريخا طويلا من الفعل في القطاع، تصميما وتصنيعا وبحثا علميا)، ونقل الاحتكار من العام للخاص ليس إلا، فيما بقيت بنية السوق كما هي لم تتحرك كثيرا، اللهم إلا نسبيا عندما ولج فاعل جديد مجال الهاتف النقال، حيث لا مكان يذكر لعامل النذرة.
ولما كان الهاتف القار لم يخضع لتحرير حقيقي في السوق المحيلة عليه، فإننا بقينا تقريبا على نفس نمط الفوترة الذي كان معتمدا طيلة العقود السبعة أو الثمانية الماضية، اللهم إلا بعض التغييرات البسيطة في نظام الاشتراك، أو في تكاليف الارتباط، أو في بعض التسعيرات الموجهة للخارج، أو الجزافية التي لا تخضع لمقاييس الموضوعية أو الدقة.
بالمقابل، خضع الهاتف النقال لفوترة هي بالأصل من طبيعة الشبكة وخاصية الطلب الموجه إليها. بهذه النقطة، كانت التعرفة مرتكزة على الدقيقة كوحدة فوترة، بمعنى أنه باستطاعة المرء أن يتواصل بهاتفه الجوال باحتساب كم دقيقة استهلك لا كم من الدراهم صرف، وهكذا...وهذه ليست من سياسة هذا الفاعل أو ذاك، بل من طبيعة الشبكة ذاتها. وهي الحالة التي كانت سائدة إلى حين وصل الفاعل الثالث الذي اعتمد مبدأ التعرفة بالثانية لا بالدقيقة، لكن المحصلة هي نفسها، أي أن المرء بمجرد ما يركب الرقم، سيجد نفسه تلقائيا حتى وإن تحوط في صلب الدقائق، سيؤدي بالنهاية مقابل ما كان سيؤديه لو اقتنى الشبكتين المنافستين الآخريتين اللتان تعتمدان التسعيرة بالدقيقة.
أما عن وكالة الاتصالات، فأنا أقول بأن القانون المنشئ لها يعطيها حق تحديد السقف، لكنه يتحرز في جانب إعطاء الفاعلين ناصية التصرف ضمن السقف إياه أو من بين ظهرانيه. الوكالة هنا لا تهتم كثيرا بنمط الفوترة المعتمد من لدن هذا الفاعل أو ذاك، بقدر اهتمامها بتقنين السوق وتنظيم مداخله ومخارجه، كي لا يتجاوز على المنافسة السليمة، أو غير الشريفة بلغة أهل الاقتصاد الصناعي.
لست أدري هل تتوفر الوكالة على الإطار المؤسساتي الكافي والكفيل بأن يضمن لها ذلك، لكني أزعم أنه ما دام الفاعلون هم الذين يمكنونها من المعطيات ويزودونها بها، فإنها ستخضع بتحصيل حاصل لما يسمى نظرية الاستقطاب، أي التقنين والتحكيم وفق المتوفر من معلومات، والتي يسلمها إياها الفاعلون. أما عن جدية هذه المعلومات ومدى صحتها ودقتها، فهذا أمر غير مؤكد، بل لربما من غير الوارد بالجملة والتفصيل.
بالتالي، فأنا لست متأكدا حقيقة من أن الجو الذي يشتغل فيه قطاع الاتصالات هو جو منافسة. الجو الذي نحن بإزائه إنما هو جو وضعيات احتكار، الأقوى فيها هو صاحب البنية الأكبر، أي اتصالات المغرب وميديتيل. بهذه الوضعية نحن حتما بإزاء واحد من سيناريوهيين اثنين: إما سيناريو الحرب بين الاحتكارين، وهذا أمر مستبعد لأن منطق الخسارة المتبادلة غير منطقي، ووجود وكالة للتقنين لربما قد لا يسمح بذلك. أو سيناريو الحرب من الباطن، يكون لكلا الفاعلين بظله مدى القدرة على إعمال الجودة في الخدمات. ولما كانت الخدمات متشابهة، فإن التسعيرة قد تنخفض، لكنها لن تنخفض إلا بمستويات معقولة تضمن للفاعلين ربحية معقولة، وهذا هو السيناريو المحتمل، وأعتقد أنه هو القائم عمليا.
إن المطلوب في هذه الحالة، كما بباقي الحالات، إنما ضرورة إعمال مبدأ الشفافية، حتى يعلم المستهلك كيف ولماذا تطبق عليه هذه التسعيرة أو تلك. أي أن المطلوب ليس أن يتم إخضاع المرء لنظام في الفوترة محدد، ويطلب منه التظلم إن أحس بالتجاوز، المطلوب أن تفسر له الطريقة التي يتم بها ذلك حتى يكون بمقدوره أن يقارن بين التسعيرات، ويختار ضمنها الأنسب له أو الأقل تكلفة. المفارقة بالمغرب، أننا لا نتوفر على جمعيات للمستهلكين في غياب رقابة مدققة من لدن الدولة. بمعنى أنه في غياب هذه الجمعيات كقوة ضغط واقتراح، يتصرف الفاعلون على عواهنهم، يحددون الأسعار كما يعن لهم، ويحققون بالتالي أرقام معاملات وأرباح خيالية، لا يستطيع العقل أن يستسيغ مستوياتها بظل دولة من دول العالم الثالث، المفروض أن تكون الاتصالات من بين ظهرانيها عامل شفافية ودقة، لا أداة استصدار وارتهان للمستهلك.
بأمريكا وبأوروبا وبغيرهما، عندما يتجبر فاعل حتى وإن كان خاضعا للقوانين والتشريعات، يعمد المشرع إلى تقويض بنيانه، وتقسيم أنشطته حتى لا يطغى وتتحول وضعيته إلى وضعية شطط في السلوك. ثم إن الجمعيات هناك لها قوة متعاظمة لا يمكن معها لفاعل أن يتجاوز على الحدود الدنيا. هذه أمور غير موجودة عندنا، لا بل إن المحتكر يتفاخر باحتكاره، ويدعي أنه عالي الكفاءة والنجاعة وتسييره عقلاني وسليم، فيما العكس هو الصحيح، أي أنه يبتز ويستصدر ويفرض منطقه على الحلقة الأضعف من المعادلة.
إن نمط تعرفة وفوترة الهاتف النقال والقار بالمغرب مجحفة للغاية، وأستطيع القول إنها مرهقة للغاية في طبيعتها وفي درجتها ومستوياتها. ولما كانت كذلك، فأنا أقول بأن ما يتحصل عليه الفاعلون ليس هامشا، بل كل الكعكة.
الطامة الكبرى، بحالة المغرب، أن جل الأرباح تحول للخارج، تفيد منها، في حالة فيفاندي مثلا، وهي المالك لاتصالات المغرب، حسابات الشركة الفرنسية، وهي المفلسة بكل دول العالم، ويفيد منها رئيس مدير عام، تعد مداخيله السنوية المعلنة بملايين اليورويات، فيما باقي المستخدمين، حتى المقربون من ذات الرئيس، يعيشون حالات من الاحتقان غير مسبوقة...لكنهم لا يجاهرون بها للعلن، لا بل ونادرا ما يتجرأون على تداولها حتى فيما بين بعضهم البعض.
* "فوضى الأسعار بالاتصالات في المغرب"، 19 يوليوز 2010.