الوجه الآخر لثورة الاتصال الحديثة
يحيى اليحياوي: العبرة في التكنولوجيا بالاستعمال
أضر الاستعمال المفرط والسيئ للتكنولوجيا بالعلاقات الفردية داخل المجتمع، ولم تنج المنظومة الأسرية من فيروسات هذا المرض الاجتماعي الحديث.
لقد طالت عدواها الجميع وجعلت من الكيان الواحد، أشخاصا بتيارات وميولات متباعدة ومتنافرة يحضرها التمدن ويهجرها الحس الاجتماعي، كل في فلكه يدور، مخلفا مرض العزلة الاجتماعية.. إنها ضريبة عصر التغيير والعولمة والتقنيات الحديثة المستهلكة للعنصر البشري.
لا يختلف اثنان في كون التكنولوجيا بوسائلها وأجهزتها، أسدت خدمات وفضائل جليلة للبشرية على أصعدة علمية وفي مجالات إنسانية متعددة، بغية إيجاد حلول لمشاكل الإنسان وتبسيط الحياة اليومية له سواء على المستوى الفردي أو العملي للرفع من مردوديته وقدرته على الإنتاج.
إلا أن العبرة في التكنولوجيا بالاستعمال والاستخدام فالأستاذ يحي اليحياوي المختص في علوم الاتصال شبهها بـ"البارودة" تلك الأداة الباطشة المستعملة في الحرب ووسيلة سلم في الآن معا، عندما تستخدم لفض النزاعات بين الدول.
كان للطفرة النوعية التي حققها عالم الاتصال والاجتياح الكبير لأدواته، بدء بالتلفزيون ومرورا بالفيديو والصحون المقعرة بقنواتها الفضائية وانتهاء بالهاتف النقال والشبكة العنكبوتية.. الأثر الكبير والسيئ في العلاقات بين الأفراد عموما وداخل المنظومة الأسرية بصفة خاصة. فأغلب البيوت باختلاف مستوياتها الاجتماعية بها هواتف نقالة بعدد أفرادها وحاسوب أو اثنين دون الحديث عن جهاز التلفزيون وملحقاته من فيديو وأجهزة استقبال...
التكنولوجيا والأسرة
"كان يا ما كان...." إنها المقدمة الاستهلالية التي مازالت ساكنة الأذهان، لحكايات الجدة وحلقات الأحفاد ليالي الشتاء والصيف، سارحة بخيالهم، مستمتعين بقصصها، معلمة إياهم سلوكيات وقيم بذاك الأسلوب الشيق والممتع. حلقات الجدة هاته لم تكن تقتصر على الصغار فحسب، بل كان يلتحق بها الكبار أيضا، مسترجعين معها ذكريات الصبا والزمن الجميل.
الأصل في العلاقات الأسرية هو الترابط والتلاحم المبنيان على الحب والمودة بين الجميع، إلا أن التحولات التي عرفتها العلاقات الاجتماعية بصفة عامة والعلاقات الأسرية بصفة خاصة، تسبب في انفراط عقد الأسرة، فبات يسكنها الفتور ويهجرها الدفء، وكل عضو من أفرادها يسبح في وادي.
إن الغزو الذي شنته التكنولوجيا على الأسرة المغربية، غير مجريات حياتها وزعزع أركانها، فغيب دور الجدة وركن حكاياتها رفوف النسيان. فبدأ الجميع يتجمهر مشدوها حول التلفزيون وبرامجه، فتصبح الشاشة الصغيرة هي المتكلم الوحيد سارقة الكلام من الجميع حيث ينبغي التواصل والتحاور عوض الغوص في عوالم التكنولوجيا بمختلف أدواتها واستعمالاتها.
أصبح اقتناء بعض أدوات التكنولوجية من الكماليات أو مظهرا من مظاهر التحضر والحداثة عند البعض، بل بلغ هذا التملك درجة الهوس، إذ أصبح بمعدل جوال لكل فرد، لصيق به لا يفارقه في حله وترحاله، مكالمات ورنات لا تنتهي، رسائل قصيرة، لا يتوقف عن كتابتها، وأرقام يقوم بتركيبها اعتباطيا لنسج علاقات جديدة خارج المحيط العائلي.
فالزوج له قائمة أرقام خاصة به والزوجة نفس الأمر. وكل منهما يحاول التكتم وعدم الكشف عن نوعية العلاقة التي تربط أحدهما بتلك الأرقام..إنها الذخيرة التي يلجأ إليها البعض، عندما يشتد عليه الخناق وتتكاثر مشاكله، للتنفيس عن نفسه والبحث عن التجديد في علاقاته أو إسماع صوته كلما أحس بالغربة أو عدم الرضا والأمان وسط الأهل.
أخذت ظاهرة التباهي والتفاخر فيما بين الجميع بامتلاك آخر الابتكارات في عالم الهاتف النقال، وتبادل مقاطع الفيديو والصور الرقمية و"الكليبات" الموسيقية، تطبع علاقات الأفراد فيما بينهم من جهة وعلاقاتهم الأسرية من جهة ثانية، فأغلقت منافذ التواصل الداخلية وفتحت تلك الخارجية على مصراعيها.
إن تقنية التصوير بواسطة جوالات الكاميرا أو الكاميرات الرقمية، جعلت التشهير والإساءة من نصيب من وضعته ظروفه السيئة في طريق من انعدمت فيه الإنسانية والأخلاق.. فكم من لقاءات حميمية بين اثنين، صورت من أجل الذكرى أو بهدف التهديد والابتزاز وتم تحميلها على الحاسوب لتنشر في المواقع وتمرر بين الجميع انتقاما أو استهتارا إلى أن يفتضح الأمر فتصير المسألة مخلة بالآداب العامة ومعرضة أطرافها للمساءلة القانونية...
تباعدت المسافة بين الأبناء والآباء، فعوض الاحتضان مع المراقبة، ترك الأبناء عرضة لـ" البلاي ستايشن" يسرقهم.. والحاسوب بألعابه الالكترونية الساحرة والمدهشة، والخطيرة على سلوكياتهم وتكوينهم النفسي في بعض الحالات، يبتلعهم، ناسين واجباتهم المدرسية ومتجاهلين علاقاتهم بآبائهم، مفضلين الجلوس لساعات طوال أمام الشاشة، حاضرين بأجسادهم، غائبين بعقولهم، لا يجمعهم مع الأهل سوى بعض السويعات للأكل أو الكلام المختصر غير المفيد طبعا.
وعلى صعيد العلاقات بين الأفراد، يلقي اليحياوي الضوء على التأثير السلبي للتكنولوجيا في تراجع منسوب الاتصال والتواصل المباشر, التفاعلي والحميمي. الكل يعتمد الحاسوب كوسيط وكأداة للمراسلة واستسقاء الأخبار عن الأهل والأحباب، عكس اللقاء الحي والعفوي.
الجرائم الالكترونية
بتوفرك على جهاز حاسوب وخط اشتراك في الانترنت، لا تنقصك سوى نقرة خفيفة وبعض الثواني، والعالم بمساحة 14 أو 17 بوصة، يصبح أمام عينيك، وتحت تصرفك الكامل والمطلق.
الخيانة الالكترونية
وبخصوص تأثير التكنولوجيات الرقمية، والإنترنيت أهمها، على التماسك العائلي، فإن اليحياوي يرى أن التكنولوجيا باتت عنصرا أساسا في تأثيث فضاء العلاقات بين الأفراد والجماعات وداخل الأسرة الواحدة.
ويتابع اليحياوي في نفس السياق معتبرا أن هذه التكنولوجيات بدأت تخلق للأفراد والجماعات عوالم خاصة بهم، بعيدة عما يدور بالمجتمع، لا بل إنها تدفعهم للتنكر لما قد يكون هذا المجتمع بالأصل.
فبعض الأزواج ممن يعانون الفراغ والوحدة في حضور الطرف الثاني بسبب اللامبالاة وغياب الحوار، أو انعدام التواصل وضعف رابطة العلاقة الزوجية، يستنجدون بغرف الدردشة بحثا عما يفتقدونه داخل بيوتهم.. فتجد المرأة من هؤلاء تمضي وقتا طويلا أمام جهاز الكومبيوتر، تحدث رجالا غرباء تشتكي همومها عساها تجد من يخفف عنها أو يستمع إليها أو يشبع جوعها العاطفي.
والرجل يتسلل ليلا من جوار زوجته، فيبدأ في إجراء مكالمات هاتفية سرية تؤنس "وحدته" بعيدا عن مسامع زوجته أو يعانق جهاز الكومبيوتر ويهيم على وجهه في ساعات متأخرة من الليل، باحثا عن مغامرات عبر شاشة وأسلاك، مع شخصيات افتراضية، قاسمها المشترك الفراغ العاطفي وبرودة العلاقة بين الأزواج. والمشجع في هذا العالم بكائناته الالكترونية، هو السرية والأمان، فالوجوه مقنعة غير معروفة ولا يخشى منها شيء، متنكرة في صورة ملاك تجعل الآخر يتوهم إيجاد ما يفتقده، مع الإتقان الجيد للتمثيل والمراوغة.. فتبدأ القصة بمجرد رغبة في الكلام والإحساس بوجود من يستمع ويهتم، ليتحول الأمر إلى ارتياح وتعود ورغبة في المضي إلى النهاية ليجد الزوج أو الزوجة نفسهما غارقان في ممارسة ما يسمى بالجنس الالكتروني.
إن كان هذا النوع من الممارسات خيانة لا يعاقب عليها القانون لعدم اكتمال عناصرها المادية، فإن هذا لا ينفي وجود حالات تجاوزت الشاشة ونقلت قصتها وممارساتها إلى العالم الحقيقي.
فكم من بيوت، تقوضت دعائمها بسبب استهتار أحد الزوجين وجريه وراء السراب وتعويض ذلك النقص بما هو أفظع منه.. وكم من ملفات أو أشغال تم تأجيلها أو ارتكبت فيها أخطاء مدمرة بسبب انشغال المسؤول عنها بالدردشة داخل أوقات العمل، مما ينعكس سلبا على المردودية وضياع الوقت والفرصة لتحسين الوضع الوظيفي.
القرصنة
إذا كانت جريمة الخيانة الالكترونية غير مجرمة قانونيا، فإن الاستعمالات الأخرى غير المشروعة للتكونولوجيا، تعرض مقترفها للمساءلة القانونية وقد تزج به إلى السجن. ومن بين هذه الأعمال غير المعترف بها قانونا، عمليات القرصنة"بيراتاج" التي يقوم بها بعض الشباب للأفلام وما تتكبده الشركات من خسائر مادية جراء هذه التصرفات اللامسؤولة والمنافية للقانون. تزاحمها في هذه " الحرفة " فئة من الشباب لها اطلاع ودراية لا يستهان بها بالكومبيوتر وبرامجه، تلجأ إلى قرصنة البطاقات البنكية وتسخيرها للتبضع عبر الانترنت، معرضين أصحابها لضياع أرصدتهم البنكية جراء استهتار هؤلاء الشباب "الهاكرز" أو التنافس فيما بينهم حول عدد البطاقات التي اقتنصوا أرقامها وغنموا بعض رصيدها، دون أن ننسى قدرتهم على اختراق المواقع وتدمير بعضها أو نشر الفيروسات فيها.
الإرهاب
باتت التكنولوجيا ملاذ كل من هو في حالة بحث عن شيء يشغله أو حاجة يفتقدها أو مهمة ينوي القيام بها، عالم دخلته جميع الفئات، لبلوغ أهدافها كيفما كانت الوسيلة، مشروعة أو غير مشروعة. فلم يسلم الهاتف النقال ولا الكومبيوتر من توظيفهما لأغراض إرهابية، بحيث أن التواصل بين عناصر بعض الشبكات الإرهابية يتم عبر الرسائل الالكترونية والجوالات لتمرير الرسائل المشفرة وتلقي المعلومات والتوجيهات للتنسيق بين أعضاء المجموعات.
الغش في الامتحانات
عند الغش في الامتحان قد يفلت المرء أو يدان... إذا كان الحاسوب كوسيلة حديثة للتكنولوجيا قد شغل عقول بعض المتمدرسين، وتسبب في عدم تركيزهم أو تهيئهم الكافي للامتحان، فإن تقنيات الجوال وآلات النسخ، سهلت عملية الغش "التحراز" وجعلت الكل يجري وراء هاتين الوسيلتين كحل لعجزهم عن مواجهة الامتحان والتصدي له في غياب تأطير ومتابعة تربوية تحصنهم من الوقوع في هذا الفخ.
النصب الالكتروني أو التسول
وأنت تتصفح بريدك اليومي، قد يسترعي اهتمامك وجود رسالة تجهل مصدرها أو مرسلها، ورغم أنه لا ينبغي فتحها مخافة التعرض لضربة فيروس أو شيء من هذا القبيل، إلا أن الفضول أو الجهل ببعض قواعد التعامل مع الوارد إلى بريدك، يدفعك إلى فتحها فتكتشف أنها تتعلق بقصة شخص ما في منطقة ما من العالم، يبحث عمن يساعده في الوصول إلى مخبأ أموال كثيرة أو غنيمة تم الظفر بها خلال حرب مقابل اقتسامها معه، شريطة مساعدته في استكمال إجراءاتها المالية أو تلك القصص عن وجود أشخاص في وضعية مزرية وفي حاجة إلى جمع تبرعات مالية لمساعدتهم على تجاوز محنة الحرب أو الزلزال. إنه التسول المتطور، المنتقل بصوره التقليدية من الشارع إلى صفحات إلكترونية مسايرا هو الآخر عصر التغيير ومستفيدا من تقنياته الحديثة.
وقد تتوصل برسالة قصيرة من شركة وهمية لا وجود لها على الإطلاق، تطلب منك الانضمام إليها للمشاركة في مسابقة الفوز بسيارة من النوع الممتاز، متحايلة عليك بضرورة التواصل عبر الرسائل القصيرة. وجريا وراء حلم الفوز، تتعدد مشاركاتك وتكتشف أنك كنت تجري وراء السراب عندما تنفجر فاتورة الجوال ولا يتحقق الفوز.
الدعارة والتغرير بالقاصرين
يلجأ بعض الأشخاص إلى استغلال التطورات التكنولوجية في جميع المجالات بما فيها تلك المنافية للأخلاق أو القانون، فيوظفون تقنياتها الحديثة من مواقع الكترونية وقنوات فضائية إباحية لاستقطاب الجميع، والتغرير بالراشدين قبل القاصرين والرمي بهم بين براثين الإدمان على هذه النوعية من "الاستثمارات « المدرة للدخل على أصحابها والمستنزفة لجيوب المدمنين عليها.
لم تعد الدعارة في تلك الحلة التقليدية المقتصرة على فضاءات مألوفة خصصت لاحتضان هذا النوع من الممارسات أو عن طريق وسطاء "سماسرة"، بل أخذت نصيبها من التحديث والمواكبة لمستجدات العصر، واستغنت عن الوساطة والاتصال المباشر والبيوت المخصصة لها فعوضتها بالشكل الجديد المتجلي في ممارسة الجنس عن بعد، داخل غرف الدردشة عن طريق الكاميرات العنكبوتية مقابل مبالغ مالية يتم تحصيلها عبر وكالات تحويل الأموال.
وسيطات الدعارة "القوادات" لم يفتهن الاستفادة من تسهيلات التكنولوجيان وذلك باستعمال الانترنت للتواصل وإن كن لا يفقهن شيئا في التكنولوجيا ومداخلها لأن "السيبيرات" كفيلة بتبسيط المشكل.
تقتصر مهمتها على جلب مجموعة من الصور "الفاتحة للشهية"، لفتيات في مقتبل العمر، من أحجام وأشكال مختلفة وإرسالها إلى المشغل المفترض لكي يتفرج عليها، وبعد اجتياز امتحان "التنقية " يتم إتمام الإجراءات وإرسال العقد للمعنية بالأمر وتجنيدها في صفوف القاصرات المغرر بهن بعقود عمل صورية تكتشف حقيقتها، عندما تطأ قدمها مطار البلد المضيف ويتم سحب جواز السفر منها ليقذف بها في الملاهي الليلية أو الحانات والمراقص.
ويختم اليحياوي تدخله بخصوص موضوع الجانب السيئ في تكنولوجيا الألفية الثالثة موضحا أن هناك تراجع مس بعض القيم، وأخرى عرفت تقدما كنسبة التواجد مع الأسرة أو الزيارات للأهل والأقارب، واستقاء الفرد لمنظومة "قيمه" مما يروج بالشبكة من مضامين، قد لا تكون دائما متماشية مع قيم المجتمع، كالإباحية والفردانية والأنانية والبحث عن المصلحة بكل الوسائل.
* "الوجه الآخر لثورة الاتصال الحديثة، يحيى اليحياوي: العبرة في التكنولوجيا بالاستعمال"،
جريدة الشروق، العدد 15، 11-18 يوليوز 2008.