Aller au contenu principal

"التقنية والتكنولوجيا"

news-details

كلما استجد مستجد تكنولوجي ما بالدول المتقدمة الكبرى، إلا وسارعت دول العالم الثالث (والوطن العربي ضمنها) لاقتنائه بهذا الشكل أو ذاك ( في صيغة التسليم بالمفتاح في غالب الأمر، أو بصيغ أخرى، مضمرة ومعقدة ومتعذرة التفكيك).

لم تخرج تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال عن هذا السبيل كثيرا، إذ تم استيراد العديد من مخرجات هذه التكنولوجيا، منذ استقلالات هذه الدول وتكون البعد القطري من بين ظهرانيها في النصف الثاني من القرن الماضي، وإلى حدود بداية القرن الحادي والعشرين.

وقد برر الخطاب الرائج في حينها (كما اليوم سواء بسواء) ذلك بالارتكاز على " مسلمتين":

+ الأولى (والمنطلقة من الوعي بالبون الشاسع بين دول الشمال ودول الجنوب) وترتكز على أطروحة "استحالة البدء من الصفر".

 ومفاد هذه المسلمة، أنه مادامت التكنولوجيا متوفرة، وسوقها ممكن البلوغ، والحاجة إليها قائمة ملحة، فإنه من العقلاني اقتناؤها والاستفادة منها، مادام "الواقع الجديد" (واقع دول خرجت لتوها من عقود من الاستعمار والحماية) ينذر باستحالة تصميمها ذاتيا، أو تصنيعها محليا... وقد أخذت لها، بكل الأحوال، بدول المنشأ عقودا من التجربة والتراكم والاختمار.

+ أما المسلمة الثانية، فتنطلق من أطروحة "الملك الكوني المشترك"، لتنفذ إلى اعتماد سلوك النقل التكنولوجي، أو لتؤطر تبرير السياسات المحلية المنبنية عليه شكلا وبالجوهر.

ومفاد هذه الأطروحة هي القول بأنه مادامت التكنولوجيا هي بالأساس تراكم إنساني، أسهمت فيه كل الحضارات السابقة (بما فيها الحضارة العربية/الإسلامية) فإنها، بمحصلتها اليوم، لا تخرج عن كونها ملكا للإنسانية جمعاء، من حق كل أبناء هذه الأخيرة الاستفادة من مزاياها وتوظيفها، لتعظيم ذات المزايا، أو لبلوغ مصادر التنمية والتقدم المتاحة.

وهما طرحان لا يخلوان بالجملة من صواب، إذ تصور البدء من الصفر (من البحث العلمي المعقد، حتى مرحلة التصنيع المكلفة ماديا وبالجهد المطلوب) هو تصور غير عقلاني، مجانب للصيرورة التاريخية، ومستحيل الإدراك فضلا عن كل هذا وذاك.

كما أن استجلاب تكنولوجيا أسهمت كل الحضارات، بنصيب أو بآخر في استنباتها، هو أمر مسوغ بكل المقاييس، إذ المستجدات التكنولوجية المعاصرة ما هي بوجه من الوجوه، إلا تطوير لمستجدات سابقة لها، صممت هنا وهناك، ومن "اللاأخلاقي" بالتالي احتكارها، أو إقصاء أحد من فوائدها ومزاياها، بل يستوجب توزيعها بالنقل والاستيراد، تعميما للجدوى والنجاعة، وإنصافا لمن ساهم تاريخيا ولو ببدرة في تراكماتها.

لكن ذات " النقل" (وتبرير التصور المرتكز عليه) إنما يبدو لنا، على الرغم من كل ذلك، مبتورا ومنقوصا، وفي العديد من الجوانب والحالات مصدر تشويش كبير:

+ فهو نقل مبتور، لأن التكنولوجيا (كل التكنولوجيات) إنما هي إفراز لمحيط عام، لثقافة، لمنظومة قيم، وللغة. وهي مصممة بالتالي وفق ذلك، وعلى خلفية من مستوى معين من النمو والحضارة قائمين، يتفاعلان مع ذات التكنولوجيا في إطار دورة إنتاجية مستمرة ومتكاملة.

كيف القول والحالة هاته بنقل التكنولوجيا إياها إلى فضاء متخلف، قد لا تجد التكنولوجيا "المنقولة" إليه المحيط الكفيل بإعادة استنباتها، أو موطنتها، أو تعظيم الفائدة من توظيفها؟

وعليه فإن الحاصل أن هذه التكنولوجيا، إن هي غرست ببيئة بها منظومة قيم مختلفة (متكلسة، أو عصية على التحول أو ما سوى ذلك)، فإنها ستبقى على هامشها، ولن تستطيع الاندماج أو الانصهار بالمنظومة القائمة، أو الفعل فيها والتفاعل معها.

+ وهو نقل منقوص، من ناحية ثانية، لأن ما يتم نقله في الغالب الأعم، إنما التقنيات والأجهزة والأعتدة، في حين أن المعارف تبقى بدول المنشأ ملكا فكريا وصناعيا للمكتشف، للمصمم أو للمصنع...حتى إذا ما أصاب "العتاد المنقول" عطب ما، استقدم لإصلاحه خبراء الشركة، صاحبة العتاد إياه... وهو ما يستتبعه إهدار للإمكانات، وتقويض لسبل الاستفادة من "التكنولوجيا المنقولة".

+ ثم هو، من ناحية ثالثة، نقل قد يترتب عنه تشويه للبنية القائمة أو للتنظيمات السائدة، إذ لا يمكن المراهنة على التقنيات المعلوماتية مثلا، لتكريس مبدأ المرونة الإدارية، إذا لم تكن المساطر ميسرة قبليا والعلاقات القائمة أفقية، وهو ما قد لا نجد له أثر بدول الجنوب.

لهذا الاعتبار (ولغيره دون شك) فالذي أفرزه ذات "النقل" عموما، إنما واقع اختلال حقيقي، وواقع تبعية تكنولوجية مستمرة، لا تزال معظم دول العالم الثالث (والوطن العربي) يئن تحت وطأتها وإكراهاتها بهذا الشكل أو ذاك، على الرغم مما قد يبدو "حداثة تكنولوجية" بالمظهر من بين ظهراني هذا البلد أو ذاك.

* "التقنية والتكنولوجيا"، 16 غشت 2010.

Vous pouvez partager ce contenu