Aller au contenu principal

"التكنولوجيا كإيديولوجيا"

news-details

 1- قلما يتم التفكير في أمر الربط بين التكنولوجيا والإيديولوجيا، إذ السائد القار، على الأقل فيما يبدو، أن لكليهما صيرورته ومساره وطرق سريانه وفعله. هما، أو هكذا يقدما، "فضاءان" مستقلان ولربما متوازيان. وإذا كان لهما أن يتقاطعا فمن باب الاستثناء الخاص الذي لا يؤسس بمعظم الأحوال للقاعدة العامة.

 لا تتقاطع التكنولوجيا مع الإيديولوجيا كونهما فقط نتاج جهد بني البشر ولا باعتبارهما "أداتان" لخدمة واقع قائم أو مراد له أن يقوم، ولكن أيضا لأنهما غالبا ما يعبران عن حاجة مجتمعاتية آنية أو مستقبلية "تتضامن" التكنولوجيا بموجبها مع الإيديولوجيا لإشباعها.

 ليس من باب الشذوذ تقاطع الفضاءين (فضاء التكنولوجيا وفضاء الإيديولوجيا) ولا من الشذوذ في شيء تفاعلهما، لكن الشاذ في ذات "العلاقة" إنما يكمن في استصدار الإيديولوجيا لماهية التكنولوجيا والتحايل عليها (في المختبر كما بالسوق) بغرض الالتفاف على تطبيقاتها أوتحويل وظائفها أوارتهان أدواتها.

 2- لو سلمنا جدلا بانتفاء العنصر الإيديولوجي عن عملية الإبداع التكنولوجي (بحثا علميا وتصميما وتصنيعا)، ولو تجاوزنا إكراهات ذات العنصر في توجيه العملية إياها، فإنه من المتعذر التسليم ولا تجاوز الوظائف الإيديولوجية التي غالبا ما "تتقمصها" العديد من المستجدات التكنولوجية أو تطور بجهة خدمة ذات الأغراض.

 قد لا يتراءى البعد الإيديولوجي هذا في جانب الاستعمال لكنه يظهر جليا صارخا في جانب التوظيف، أي توظيف المستجد التكنولوجي لغايات لا يغدو عنصر الاستعمال في خضمها إلا تجليا من تجليات الغايات إياها ليس إلا.

 من هنا فلو كان لنا أن ندلل تاريخيا على هذه النقطة لسقنا حتما الاحتكار الطويل المدى الذي خضعت له الاتصالات من لدن الدولة منذ اختراع الهاتف أواخر القرن التاسع عشر وإلى غاية ثمانينات القرن الماضي.

 لم يكن الاحتكار في حد ذاته مدعاة مناهضات ولا محط مزايدات (بحكم ضغط الاستعمال في ظروف الندرة)، لكنه أصبح ذلك وأكثر عندما تحول الاحتكار إلى إيديولوجيا للاحتكار تحت مسوغات "الأمن القومي" أو مبررات "إعداد التراب الوطني" أو العمل المبطن على مراقبة حل الأفراد وترحالهم وما إلى ذلك.

 وعلى هذا الأساس، فلم تكن تكنولوجيا الاتصالات لأكثر من قرن ونصف من الزمن، حكرا بحكم الأمر الواقع بين يدي جهة واحدة فحسب، بل تمت "الشرعنة" له نظريا ليغدو الاحتكار "احتكارا طبيعيا" من الصعب تقويض بنيانه النظري أو التأثير على القائمين عليه.

 لا يختلف الأمر كثيرا لو نحن استحضرنا "الإكراهات الإيديولوجية" التي خضعت لها الإذاعة طيلة الحقبة النازية، إذ تحولت من وظيفة الاستعمال إلى مهمة التوظيف، فكانت أداة تضليل إعلامي ندر مثيلها في تاريخ البث الإذاعي.

 ليست (ولم تكن) العبرة (في الاتصالات كما في الإذاعة) بالأداة ولا بالاستعمال بقدر ما كانت بالتوظيف الإيديولوجي التي كانت الاتصالات والإذاعة مكمنه ومجاله بامتياز. ومعنى هذا أن "الأداة التكنولوجية" لم تكن فقط رافدا من روافد التوظيف الإيديولوجي (الذي قد يلجأ إلى أدوات أخرى سواها)، بل كانت ملتحمة فيه ومندغمة بصلبه لدرجة الانصهار.

 إذا لم يكن الاحتكام إلى التوظيف البعدي للتكنولوجيا (لأغراض إيديولوجية ضمن أخرى) فما السر في وقوف المؤسسة العسكرية وراء معظم المستجدات التكنولوجية أو استدراج ما يروج داخل المختبرات المدنية أو استقطاب علماء هذه الأخيرة؟

ثم ما السر وراء حيلولة المؤسسة العسكرية دون سقوط المستجدات إياها في الميدان العام إلا بعد أن يكون جانبها (أعني المستجدات) قد اؤتمن ووحدانية التحكم في أدوارها ووظائفها الأخرى قد تم؟

 لن يتعذر الأمر كثيرا لو نحن وسعنا مجال الاستدلال، إذ لم تسلم باقي تكنولوجيا السمعي-البصري  (والتلفزيون أساسا) بدورها مما يمكن تسميته ب "إيديولوجيا التوظيف".

 صحيح أن الإيديولوجيا هاته جلية وطاغية بدول العالم الثالث (حيث القطاع السمعي- البصري ملك للحكومات وللأنظمة) لكنها تطال الديموقراطيات أيضا سيما خلال أزمنة الحرب أو طيلة فترات اشتداد الصراع الإيديولوجي كما كان الشأن بين الشرق والغرب لما ينيف عن خمسة عقود من الزمن أو أكثر.

 ولئن تراجعت فترات الاشتداد تلك جراء تقويض منظومة الأنظمة الشيوعية، فإن انفجار البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية وما صاحب ذلك من انتشار للقنوات الفضائية غير مسبوق، لم ولا يشد عن كونه أداة طيعة للتبشير وإشاعة "أيديولوجيا انتصار اللليبيرالية" مكرسة في "كونية" اقتصاد  السوق وديموقراطية السوق وثقافة السوق. بالتالي أصبحت التكنولوجيا، في هذه الحالة، ذات وظيفة تبشيرية تنشر وتشيع تمثلات ورموز وقيم ومعتقدات وطقوس الفكر الليبرالي الجديد، المتسيد دون رادع ولا منازع.

 لا يختلف الأمر كثيرا لو نحن استحضرنا الوظيفة الإيديولوجية التي واكبت خطاب طرق الإعلام السيارة وشبكة الإنترنيت بالأساس. إذ الرائج منذ أواسط تسعينات القرن الماضي أن الطرق تلك والشبكة هاته لن تعملا فقط على ضمان البلوغ (بلوغ الطرق والشبكة) لكل قاطني الكرة الأرضية، ولا على تكسير احتكار المعلومات والعلوم والمعارف وتسهيل سريانها بين دول العالم دونما رقابة أو تمييز فحسب، بل يذهب الخطاب إلى التبشير ب "ديموقراطية إلكترونية" ناشئة شفافة ومباشرة محولة الفضاء السياسي "الكوني" إلى فضاء أتيني.

بالتالي، فلم تعد الإيديولوجيا لصيقة بتصميم "الأداة" التكنولوجية أو بسريانها داخل موطن إنتاجها، بل تعدته لتطال باقي دول وشعوب العالم مكرسة بذلك ما يمكن تسميته ب "إيديولوجيا صناعة الوهم".

 ومعنى هذا أن التكنولوجيا (برافديها العسكري والمدني) أصبحت بامتياز خادمة لإيديولوجيا الاختراق، اختراق نظم وقيم وتمثلات مختلف شعوب الأرض.

ومعناه أيضا أن هوس الشعوب هاته لم يعد محكوما بالحاجة المجتمعاتية التي تبرر الطلب ولا بالرغبة في إشباع حاجياتها، بل أصبح في عمقه مكيفا بإيديولوجيا البلوغ والاقتناء... البلوغ من أجل البلوغ والاقتناء لغاية الاقتناء في الغالب الأعم.

 3- لسائل يتساءل: إذا كانت الإيديولوجيا لصيقة بالتكنولوجيا (في مضامينها أكثر مما هي لصيقة بها كوسيلة أو كأداة)، فهل تبقى ذات الخاصية مصاحبة لها حينما "تنتقل" (التكنولوجيا اعني) خارج موطنها الأصل؟

 قد لا يتعذر الجواب كثيرا لو سلمنا بأن التكنولوجيا إنما هي قطعا إفراز لنظام قيم، هي محصلة لصيرورة اقتصادية وثقافية ونتاج حاجات مجتمعاتية آنية ومستقبلية. بالتالي فإذا كان نقلها أو تنقلها كسلعة أمر ممكن، فإنه من غير الثابت انتقالها كمنظومة قيم وكثقافة، وإن تم لها ذلك فغالبا ما تصطدم بالقبول أو بالرفض حسب طبيعة المنظومة المستوردة لذات السلعة ودرجة اقترابها من "المنظومة الأصل".

 لن نستطيع الجزم بفعالية التكنولوجيا في اختراق سلوكات النخب الحاكمة بالعالم الثالث، لكننا نستطيع ذلك على الأقل فيما يخص خطاباتها وجزء كبير من سياساتها.

 فمعظم النخب تعمل على إدخال الإنترنيت مثلا إلى بلدانها (أو هكذا يخال لنا) على خلفية من نفس الخطاب المروج له بالغرب ("الديموقراطية الإلكترونية"، تكريس قيم "الحاكمية" ...الخ)، ومعظمها يتهافت على البث التلفزي الرقمي باعتباره تكنولوجيا العصر الحاضر والمستقبل، وأغلبها يتطلع إلى إرسال أقمار صناعية وهكذا.

 ثم هي (أعني النخب) لا تتوانى في تحرير قطاعاتها (التلفزية وللاتصالات بالأساس) تحت مسوغة العولمة والتنافسية وانتهاء حجر الدولة على القطاعات الاستراتيجية وما سواها. لكنها تبقى مجتمعة محكومة بإيديولوجيا "النقل"، نقل التقنيات والعتاد دونما قدرة على استجلاب المعارف المضمنة بها أو التمكن من فك أسرارها (بغرض النسج على منوالها أو على الأقل إصلاحها في حال العطب) أو موطنتها وتبيئتها وتملكها.

 4- لا تشد حالة المغرب عن السياق العام، إذ تقدم عملية تحرير قطاع الاتصالات مثلا ولكأنها السبيل الأوحد لبلوغ طفرة "المجتمع التواصلي" في حين هي لا تخرج عن إطار "الإيديولوجية الليبرالية" المروج لها مند عقدين من الزمن أو أكثر.

 بالتالي فحرب "الخدمات التكنولوجية" التي نلاحظها شرسة حول شبكة الهاتف النقال مثلا لا تخرج حقيقة الأمر عن سياق إيديولوجيا الاقتناء التي تؤججها أدوات الإشهار ولكأن المطلوب نهاية المطاف هو التواصل من أجل التواصل.

 لا يستطيع أحد التفاخر بكونه "صاحب الفضل" في انتشار التقنيات الخليوية بالمغرب، إذ ما هي فيما نعتقد إلا حالة من ردة الفعل على ضعف التجهيزات القارة وإفراز طبيعي لإيديولوجيا الاتصال التي صاحبت فورة التكنولوجيا الرقمية، وفوق كل هذا وذاك "ضربة حظ" لجزء من التكنوقراط لطالما تفاخروا دونما وجه حق بأن لهم الفضل كل الفضل في ذلك.

 من هنا فلم يعد الخطر (بالمغرب كما بباقي دول العالم الثالث) كامنا فقط في سياسات "النقل" التكنولوجي المباح لكل ذي مال، بل أصبح فضلا عن ذلك، كامنا في الخطاب والإيديولوجيا المصاحبين له في الشكل وفي الجوهر.

 * "في التكنولوجيا كإيديولوجيا"، جريدة العلم، 11 نونبر 2002.  

Vous pouvez partager ce contenu