Aller au contenu principal

"عن النظام التكنولوجي للرأسمالية"

news-details

ليس القصد هنا تلمس عناصر الممانعة التي قد تخال للمرء أن التكنولوجيا تضمرها للرأسمالية، في ميكانيزمات اشتغالها، أو في الطبيعة البنيوية الملازمة لها، أو في المفارقات التي تفرزها، إذا لم يكن منذ انتصر رأس المال على ملاك الأراضي، فعلى الأقل منذ أن أضحت الرأسمالية نظاما اقتصاديا، سنته الدول واعتمدته الشعوب، في إنتاجها واستهلاكها، وطبيعة توزيع الثروات فيما بينها أحجاما ونسبا.

وليس القصد هنا بذات القول تطلع التكنولوجيا (كل التكنولوجيات) إلى استصدار سلطة القرار من بين يدي الرأسمالية، أو تعويضها بنمط في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع جديد.

لن يكون هذا هو القصد، ولا يمكنه أن يكون كذلك حتما، على الأقل بالاحتكام إلى مسلمة أن التكنولوجيا إنما هي إفراز للرأسمالية، في حركيتها وتطور منظومتها وتجدد العناصر التي تبني باستمرار لحيويتها في الزمن كما في المكان.

هي "إبنها الشرعي" بكل المقاييس، حتى بثبوتية أن لكل نظام اقتصادي واجتماعي (سابق على الرأسمالية أو لاحق عليها) مجاله في تصميم الابتكارات، وتصميم التكنولوجيات، والدفع بها إلى مجال التقييم والاستخدام.

قد يكون كل ذلك جزء من قصدنا (وإن بصورة عرضية)، لكنه ليس مجمل القصد، سيما في مرحلة تطور الرأسمالية التي استتبعت "الثلاثين الخوالد"، وتحولت جراءها الرأسمالية من نظام في الإنتاج الكثيف (وبالأحجام)، إلى نظام تجر وتيرة نموه الخدمات و"مجتمع الاستهلاك"، ثم إلى نظام أضحت التكنولوجيا بكل روافدها، إحدى مرتكزاته الكبرى، إذا لم تكن عصبه الأقوى بامتياز.

إن القصد هنا إنما القول:

°-  بأن التكنولوجيا (بكل روافدها ومجالات فعلها) إنما غيرت (أو أسهمت في تغيير) وجه الرأسمالية صورة وفي المظهر. فتكنولوجيا الآلة البخارية لم يكن لها مفعول ما فعلته تكنولوجيا الحواسيب والاتصالات والبث عبر السواتل. وتكنولوجيا الكتابة التي أفرزتها آلة غوتنبرغ، لم يكن لها من تأثير مواز إلا تأثير شبكات المتعدد الأقطاب، أو فاعلية الألياف البصرية، أو قدرة إدماج الاتصال والتواصل، التي مكنها الإنترنيت وهكذا.

°-  والتكنولوجيا (بتأثيرها، المباشر أو بعيد المدى) لم تعد هيكلة بنيان الرأسمالية فحسب، بل أعادته أيضا ولربما أكثر على مستوى البنية وآليات الاشتغال، إذ لم يعد الإنتاج المسترسل والضخم (حتى بتواضع حجم السوق) هو المهم، بقدر ما أضحى الأهم هو الإنتاج المبني على تقييم مسبق لرغبات استهلاك محددة توجهاتها، مدققة تطلعاتها، ومستشرفة مفاصل آفاقها الكبرى.

°-  والتكنولوجيا غيرت، وإلى حد بعيد، وجه الرأسمالية، إذ تحولت هذه الأخيرة جراءها إلى رأسمالية خدمات (بعدما كانت صناعية وتجارية)، ثم إلى رأسمالية مالية ومصرفية، ثم إلى رأسمالية رموز، لا يمكن للمرء أن يتمثلها إلا في كونها مكمن إنتاج وتوزيع واستهلاك التيارات في السلع والخدمات والمعلومات، دونما أن يرتبط ذلك بميدان في الاشتغال واحد، أو بفضاء في تحديد الاستراتيجية موحد.

°-  والتكنولوجيا (عكس ما سواها من آليات) فتحت في الأفق للرأسمالية واسع وشاسع، إذ لم تعد هذه الأخيرة رهينة فضاء جغرافي محدد (محليا كان أم وطنيا أم قوميا)، بل أضحت دولية النشاط، متعددته بجانب فاعليها، غير مدينة لهذه الحكومة أو تلك (ما دامت كل الحكومات أدواتها، يقول ريكاردو بتريلا) وغير مجبرة على تبرير سلوكها أو تسويغ فعلها.

الرأسمالية أضحت من هنا وبالمحصلة الأولية على الأقل، كما لو أنها (بفضل التكنولوجيا) متحررة مما كان إكراها جغرافيا، أو ضغطا تنظيميا، أو انصياعا لهذا التصور أو ذاك، حتى وإن كان نابعا من تنظيم عالمي.

إذا كان كل ما ورد قائما ولا لبس كبير حوله يذكر، فكيف الزعم (زعمنا الخاص على أية حال وفي سياقات أخرى) بأن الرأسمالية إنما هي في محك التكنولوجيا، بما يوحي أن الثانية ترفع التحدي بوجه الأولى في منطوقها، كما في شكلها كما في الجوهر؟

إنه زعم يشي بتباين المسالك بين التكنولوجيا والرأسمالية، لكنه لا يشي قطعا بتناقضهما أو تضاربهما، فما بالك أن يتنافرا أو يتصارعا...

* "عن النظام التكنولوجي للرأسمالية"، شبكة الرافدين، 11 يناير 2010. التجديد العربي، 12 يناير 2010. التحالف الوطني العراقي، 12 يناير 2010.

Vous pouvez partager ce contenu