نعوم تشومسكي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002، 112 ص.
هذا الكتاب هو تجميع لعدد من المقابلات الصحفية كان المؤلف قد أفردها في أعقاب هجمات الحادي عشر من شتنبر، حيث يلاحظ لأول وهلة أن هذه الهجمات تعتبر الأولى من نوعها في استهداف الأراضي الأمريكية مباشرة.
ويعتقد المؤلف أن هذه الهجمات شكلت مفاجأة غير مسبوقة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية، على الرغم من أن هذه الأخيرة هي التي أسهمت في تكوين وبناء هذه المجموعات، سواء بأفغانستان أو بغيرها، لا بل وحتى بالأراضي الأمريكية، حيث تم منح بعض المنتمين إلى هذه المجموعات رخص الإقامة والجنسية أيضا.
ويزعم المؤلف أن ضربة الحادي عشر من شتنبر إنما أتت كرد فعل على السياسات الأمريكية بالمنطقة العربية والإسلامية، وجاءت أيضا كرد فعل على سياسات الإدارة الأمريكية التي لم تتوان يوما في دعم إسرائيل وتبني سلوكها بالمنظمات الدولية.
لا يقتصر الأمر عند هذه النقطة، بل يذهب المؤلف لحد اعتبار الثقافة الأمريكية ذاتها، ضمن الثقافات الأكثر تطرفا وأصولية في العالم، لا بل وتتحالف بالبناء على ذلك، مع نظم بالمنطقة لا تقل عنها تطرفا وأصولية.
لا ينزعج المؤلف بالتالي، في وصف الولايات المتحدة الأمريكية بالدولة الإرهابية، بل يعطي نماذج من هذا السلوك، كما الحال باستهدافها ليكاراغوا، واستخداماتها المتكررة لحق النقض عندما تكون ثمة مشاريع تدينها أو تدين حليفتها إسرائيل.
بالمقابل، يلاحظ المؤلف، أنه إذا كان العديد من المثقفين والإعلاميين قد ركزوا انتقاداتهم على سياسات ومواقف أمريكا بعد 11 شتنبر وبعده، فإن هؤلاء لم يربطوا ذلك بما قد يترتب على مستوى مسار العولمة، وكيف أن تزايد الكراهية للغرب ولأمريكا ستكون له تداعيات كبرى على مستوى حركة البشر والاستثمار، وكذا على مستوى الحريات الفردية والجماعية.
بهذه الجزئية، يزعم المؤلف بأن انضمام العديد من دول العالم ل "التحالف الدولي ضد الإرهاب"، إنما كان الغرض منه استنبات نظام عالمي جديد تشرعن بموجبه المجازر والفظاعات سيما لفائدة الإدارة الأمريكية.
إن أمريكا، يقول المؤلف، هي "الدولة الوحيدة في العالم التي أدينت بالإرهاب من قبل المحكمة الدولية، وهي الدولة الوحيدة التي رفضت قرار مجلس الأمن، والخاص بضرورة مراعاة القانون الدولي".
والدليل على إرهاب الدولة الأمريكية، يقول الكاتب، يتمثل في دعم هذه الأخيرة للمجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ودعمها لتركيا في سياساتها لسحق الأكراد، وتدميرها لمصنع الشفا بالسودان ( الذي يؤمن 90 بالمائة من الأدوية التي يحتاجها السودانيون)، دونما السماح بإجراء تحقيق من قبل الأمم المتحدة لمعرفة أسباب هذا القصف...ناهيك عن حالات الحصار التي تفرضها هذه الإدارة على هذه "الدولة المارقة" أو تلك.
ويعترف الكاتب بأنه لا يتفق مع الذين يعتقدون أن لا قدرة لأسامة بن لادن على التخطيط وتنفيذ هجمات الحادي عشر من شتنبر. إنه يظن أنه قادر على ذلك باعتبار لامركزية التنظيم والتوزيع الجغرافي الواسع له.
من جهة أخرى، يعتبر المؤلف أن الولايات المتحدة وضعت العالم أمام خيارات صعبة، فإما أن يكون معها أو يكون ضدها في الحملة "العالمية" على الإرهاب. ثم إن "صياغة معاهدة ضد الإرهاب ليست مهمة سهلة، والسبب هو أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل بصيغة تعريف للإرهاب لا يتطابق مع التعريفات التي تريدها، وهي التعاريف التي تستثني إرهاب الدول القوية وحلفاءها".
ويرى المؤلف أن هذه الهجمات " ليس لها علاقة بما يسمى بالعولمة أو الأمبريالية الاقتصادية، لأن بن لادن وجماعته لا يفهمون مثل هذه المصطلحات"، ويتابع: " إن الحديث عن هذه الأحداث ليس حديثا عن صراع بين حضارتين، لأن أكبر الدول الإسلامية، وهي أندونيسيا ورئيسها سوهارتو، تعتبر من أهم حلفاء واشنطن، بالرغم من المذابح التي مارسها ضد شعبه".
كما أن أكبر الدول الإسلامية تشددا بعد طالبان، هي المملكة العربية السعودية، وهي حليف استراتيجي لأمريكا منذ تأسيسها وبمساعدتها ومساعدة المخابرات الباكستانية، قامت المخابرات الأمريكية بتدريب وتسليح أكبر الأصوليين تطرفا، بهدف إلحاق الأذى بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان.
والخلاصة، يقول المؤلف، فإن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية هي التي دفعت إلى أحداث 11 شتنبر، كما أن دعمها لإسرائيل وللأنظمة العربية والإسلامية المتحالفة معها، هو الذي أجج الكراهية والضغينة بوجه أمريكا وبوجه الغرب بصورة عامة.
نافذة "قرأت لكم"، 20 أكتوبر 2011