Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لـ"التجديد": "حرية الإعلام تكمن في صدق الكلمة والرسالة وقبول التعدد"

 في ظل الحصار الإعلامي الذي ضرب على الحركة الإسلامية بشكل عام، وحزب العدالة والتنمية بشكل خاص، عقب الأحداث الإجرامية التي عرفتها البيضاء أخيرا، وعقب الحملة الشرسة التي تخوضها العديد من المنابر الإعلامية للتشويش على المواقف المعتدلة لهذه الحركة ومحاولة إلصاق تهمة العنف بها، توجهت "التجديد" بالعديد من الأسئلة الآنية والشائكة، حول وضعية الإعلام المغربي ومسألة الديمقراطية والحرية الإعلامية وإقصاء الرأي الآخر وغيرها من الاستفسارات، إلى الأستاذ والباحث في مجال الإعلام والاتصال  يحي اليحياوي، فكان الحوار التالي:  

 التجديد: ما تقييمكم للتغطية الإعلامية  للأحداث الدامية الأخيرة بالدار البيضاء ؟

 يحيى اليحياوي: التغطية الإعلامية لأحداث الدار البيضاء، وكما صرحت بذلك للعديد من المنابر الإعلامية، لم تتجاوز مستوى التنديد بالعمليات الإجرامية إلى مستوى محاولة الفهم أو على الأقل مساعدة الآخر على فهم ما وقع. هذه النقطة هي التي كنت أتمنى ابتداء من 17 ماي  أن يتناولها المثقفون والأحزاب السياسية ومنظمات "المجتمع المدني" ومجموعة من النخب أي التباحث لفهم ما حدث..

  الملاحظ، بصرف النظر عن استقالة الأحزاب السياسية المعروفة من جديد واستقالة منظمات المجتمع المدني، أن هناك استقالة موازية للإعلام. فما لاحظناه هو أن الإعلام بدل أن يساعدنا نحن كمغاربة على فهم ما جرى ومحاولة سبر أغوار هذه الأحداث الدامية التي وقعت في الدار البيضاء شعرنا كمواطنين بأنه أجج هذه الأحداث وفرض علينا بالتالي حربا سيميائية خطيرة جعل الكل مع الكل ضد الكل، ولم نعد ندري بالتالي من مع هذا ومن مع ذاك..

 التجديد: مقاطعا أي اختلط الحابل بالنابل فيها...

يحيى اليحياوي:  بالطبع.. الخطير في الأمر هو ما مارسه الإعلام السمعي البصري والمكتوب علينا بفرضه مصطلحا أمريكي الصنع.. إسرائيلي الصنع.. بصرف النظر عن العمليات وضخامة العنف.. وأنا كباحث ومتتبع لما وقع لاحظت أن الولايات المتحدة بفكرها الوحيد العالمي فرضت علينا خطابا واحدا العالم كله يتحدث به. أتحدث به أنا مثلما تتحدث به إسرائيل، وتتحدث به أمريكا كما يتحدث به بوتين وهكذا.

  النقطة الثانية هي أنه لأول مرة نلاحظ أن الإعلام ظهر بأنه تابع تبعية مطلقة للسلطة، وتلك "الضبابية" التي كنا نقول من خلالها بوجود سلطة رابعة وغيرها قد انتفت، بل لم نعد نميز بين صحيفة وصحيفة، بين رأي ورأي آخر.. الكل يندد والكل يستنكر وبالخصوص المثقفين أو ما يسمى بـ"أشباه المثقفين"..

 التجديد: الكل أبان عن استنكاره.. لكن ما المؤشرات بالنسبة إليك التي تظهر الانحياز الواضح للإعلام العمومي للسلطة؟

 يحيى اليحياوي: للتذكير في هذا الصدد فقد كنت أصدرت قبل سنتين أو أكثر كتابا حول "محنة التلفزة في المغرب" اعتبرت فيه أن وسائل الإعلام جزءا كبيرا منها يدور في فلك السلطة بطريقة أو أخرى، إما مباشرة أو عن طريق التمويل أو الدعاية أو الإشهار. هذه مسألة محسومة. وسابقا قال الأستاذ المهدي المنجرة بأن 90 أو 95 بالمائة من الصحافيين المغاربة يعملون لصالح وزارة الداخلية، سواء بالقناة الأولى أو القناة الثانية أو وكالة الأنباء أو بمنابر أخرى. هؤلاء يتقاضون أجورهم مباشرة من وزارة الداخلية التي تتحكم في الإعلام، لذلك فهم محسوبون على السلطة بشكل أو بآخر. والخطير في الأمر أنه كلما تقدمنا في محاولة الفهم كلما  اسودت الأمور.

 في يوم الأربعاء الماضي لاحظت أن القناة الثانية خلقت حالة من التنافر بين الإسلام كدين وكمنظومة قيم وكمرجعية (بصرف النظر عن السلوك الفردي) وبين الحداثة والمشروع المجتمعي وكأن الإسلام ليس فيه لا حداثة ولا تقدمية، إنه حكم قيمة... تماما كمحاولات الربط الضمني بين الإسلام والإرهاب.

عندما نتحدث عن الإسلام "كدين إرهاب"  فكأننا نعيد  الخطابات التي تتداول في أمريكا أو يتداولها الروس مع الشيشان أو ما تتحدث عنه إسرائيل فيما يخص الحركات الإسلامية الفلسطينية التي تناضل. لم نشعر أن هناك تمييزا واضحا بين الإرهاب كإرهاب وكعنف وما بين حركات المقاومة المشروعة التي تقودها الحركات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية. المحصلة الأولية  للأداء الإعلامي والصحافي لأحداث البيضاء تحتاج إلى شيء من الوقت وتحتاج إلى عمل تقييمي بعدما يتسنى للأمور أن تستقر.

 التجديد: كيف  تنظرون أنتم  كباحث  إلي الحصار الإعلامي الذي ضرب على الإسلاميين المعتدلين؟

  يحيى اليحياوي: ما أثار انتباهي، هو أنه في الوقت الذي كانت فيه أطوار متابعة منفذي عمليات الدار البيضاء قائمة لاحظنا مباشرة ردودا، قبل أن يحدد القضاء رأيه ويظهر التحقيق الجهة المنفذة والجهة المتآمرة والجهة الموجهة. لاحظنا قبل ذلك كله، ومنذ الوهلة الأولى، أن هناك ربطا بين العمليات وبين بعض الحركات الإسلامية أوكلها، لماذا هذا الربط؟

 لابد أن أشير إلى مسألة، وأركز عليها، وأقولها بكل صدق: إن حزب العدالة والتنمية كان يوحي بخطاب يمكن أن يشعر المرء معه بأنه قد تبنى التيار المتشدد أو غيره، والردود إنما  خرجت بناء على هذا الأساس، والربط سهل أيضا اعتبارا لكون الذين يقومون بهذه العمليات في العالم ذووا غطاء ديني في الشيشان وفي فلسطين والعراق، إلى أن انتهى التحليل إلى الربط بين العمليات التي تقع في العالم تحت غطاء ديني وبين الحركات الإسلامية بالمغرب، ومازلت أؤكد إلى أنه لا يجب أن نخلط بين الإسلام والإرهاب، وأن من ثبت قيامه بأية عملية يجب على القانون والقضاء أن يبت فيه، وليس هذه  الجريدة أو تلك أو هذا المثقف الحداثي أو ذاك  أو هذا الرأي أو ذاك. القضاء موجود ويقال إنه مستقل. وأؤكد أن الإقصاء لا يطال أفرادا بعينهم فقط أو مجموعات بعينها ، لكن المنع يأخذ ضروبا وأشكالا متعددة.

التجديد: ما الذي يغذي هذا الحصار في رأيكم ؟

 يحيى اليحياوي:  أحداث الدار البيضاء كانت مناسبة ناذرة ليس فقط في التنديد أو الفهم ، ولكن أيضا للحيلولة دون  الارتداد عما تم تحصيله من مكتسبات.

 إنني أشعر وكأننا ندخل مرحلة الارتداد، وفي المغرب ليس هناك أي شيء مضمون، فبعض الضوء الذي يظهر في بعض الأحيان قد يتم كبحه في أي وقت.

 الإعلام في حقيقة الأمر لا يجب أن يقوم بدور التنديد فقط، أو يساعد على الفهم، يجب أن يساعدنا أيضا على ألا يقع هذا الارتداد، لكن مع الأسف لم ألاحظ شيئا من هذا في التغطية الشكلية والاختزالية. والأخطر من ذلك في الحصار الإعلامي هو أنه لا ينحصر على هذا الفرد أو ذاك أو منع هذه الجريدة أو تلك، تابعة إلى هذه المنظمة أو تلك، الحصار يوجد في القناتين المغربيتين التي تستضيف أحيانا أشباه مثقفين ومرتزقة ومجموعة من المزايدين الذين أصبحوا يفتون لنا في معنى الإرهاب والعنف، والعولمة وهم في حقيقة الأمر أناس بؤساء بالجامعة.

  كيف نتصور أن أستاذا فشل في تأطير طلبته، يظهر في التلفزيون ويحدثنا عن التأطير الحزبي؟ هذا من الحصار، في الوقت الذي كان من الأولى أن يستضيفوا أناسا أكفاء، يتحدثون بحكمة وتجرد، إنهم يأتون بأناس يزايدون لأنهم احترفوا المزايدات، وهذا جزء من التضليل الإعلامي والتحوير الإعلامي والحصار الإعلامي الذي مورس علينا جميعا.

 التجديد: إلى أي حد يمكن الحديث، مع هذا الحصار عن إعلام ديمقراطي جماهيري وغير ذلك من الأمور التي تأثث لمجتمع" الديمقراطية والحداثة ؟

 يحيى اليحياوي: لدي قناعة راسخة في ما يخص المجال السمعي البصري:  لم أعتبر يوما المناخ الذي تشتغل فيه وفي ظله القناة الأولى والقناة الثانية مناخا ديمقراطيا، والأفراد الذين يشتغلون داخلها لا يعيشون مناخا ديمقراطيا، والمادة المبثوتة توهم بأن هناك ديمقراطية وأن هناك حرية ، ولكن في الحقيقة ليس لنا مجال سمعي بصري ديمقراطي، لدينا إعلام السلطة منذ أربعين سنة، وأعتبر أن التلفزة بالمغرب هي تلفزة سلطة، رغم أن المواطن يؤدي فاتورتها، وأخشى أن يصبح الإعلام في المغرب أداة ارتداد وهذه مسألة خطيرة.

  كل حصار وكل إقصاء وكل تهميش وكل محاولة قمع أو تلويح بالإقصاء ستكون خطيرة على المغرب، والإقصاء لا يعني المجال السمعي البصري ولكن يعني كل المجالات. الإقصاء يبدأ من دور الصفيح والبادية والتهميش داخل الإدارة الذي يمارس على العديد من الموظفين ويصل إلى الأحزاب والمنظمات.

 التجديد: هل يمكن أن نشبه حالة الإعلام المغربي بحالة الإعلام الأمريكي بعد 11 شتنبر والإعلام الجزائري في مضايقته للإسلاميين؟

 يحيى اليحياوي:  الحصار حصار مهما تباينت المسوغات.أتذكر أنني نشرت مقالا صغيرا في القدس العربي بعنوان "الأنترنيت والحركات الإسلامية"، بينت فيه أن الحركات الإسلامية لا تمرر فيه خطاباتها وتمثلاتها للجماعة والكون والإنسان فقط، لكن تلجا إليه أيضا لتجد فيه موضع قدم  جراء القمع والإقصاء الذي يمارس عليها. أقول هذا رغم أني لست متخصصا في الحركات الإسلامية ولو أن الكل هذه الأيام أصبح يدعي الاختصاص فيها الصحفي والمثقف والباعة، الكل أصبح متخصصا في الحركات الإسلامية.

 التجديد: ما انعكاسات هذا الإقصاء والتشويه الإعلامي على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؟

 يحيى اليحياوي:  الإقصاء سيفرز الإرهاب، وتعميق التهميش سيؤدي إلى الإرهاب من درجة أكبر، إذ الضغط يولد الانفجار. أتصور بكل صدق بأن ما وقع كان عليه أن يمثل وسيلة للتفاهم على مجموعة من القضايا ونقد الذات، الكل يتحدث عن المجتمع الحداثي، والحقيقة أن المغرب لم يعرف يوما مشروعا مجتمعيا حديثا ... الغرب نفسه لم يعد يتحدث عن الحداثة، فقد أصبحت متجاوزة. الحديث عن المشروع نفاق وكذب.

 الكل يتحدث عن دور الأحزاب السياسية، في حين 85 بالمائة من الشباب لا يعرفون ما معنى السياسة وما العمل السياسي. كيف يمكن قياس الحداثة في ضوء  ما ذكرت؟ الشباب الذي سيبني الاقتصاد والسياسة مقصي.

 الإرهاب لا يعالج بالإرهاب ولا بالطقوس الأمنية أو بالقوانين الزجرية أو بالاعتبارات السياسية، إنه يعالج بالمقابل بالاقتصاد والتنمية، بإعطاء الكرامة للإنسان ...هناك بالمغرب ما يمكن أن نصطلح عليه بـ"الحكرة". يحكرنا أصحاب السيارات الفاخرة والذين يسرقون الملايين, يدخلون  السجن ويفرج عنهم في اليوم الموالي. حالات الاحتقان التي تمارس في حق المجتمع ستولد العنف بالتأكيد.

 التجديد:  ما دور الهيآت النقابية والمجتمع المدني في الدفاع عن حرية الإعلام  في ظل الحصار المضروب على الحركات الإسلامية؟

 يحيى اليحياوي: أشكك في أن لدينا مجتمعا مدنيا. إذا كان المجتمع المدني تمثله المنظمات التي تأخذ الأموال من الخارج كي تشتري السيارات الفخمة، فهذا ليس مجتمعا مدنيا. وحالة علي المرابط تشهد على عدم وجود مجتمع مدني، فمن منا تجرأ على الحديث عن سجنه. ومن تحدث عن هذه الحالة قد يحاكم بقانون الإرهاب، الأمر نفسه ينطبق على التشويهات التي تطال الحركة الإسلامية في الظروف الحالية ... لماذا الإسراع في الحكم على أن المنفذين من تنظيم القاعدة في الوقت الذي لم تستطع أمريكا نفسها الحصول على قرائن تثبت تورط هذا التنظيم  في أحداث 11 من شتنبر؟

 التجديد: من سيمنح الإعلام حريته إذن ؟

  يحيى اليحياوي: الصدق في الكلمة والخطاب والرسالة، الكلمة التي تعرف حدودها والتي تحترم الآخر وتحترم التعدد، الكلمة التي تنفتح على الرأي المعارض دون حرج . أصبحنا الآن أمام منابر تزايد على المواطن وتكذب عليه. الإعلام هو الذي من المفروض أن يعمل على توفير جو من الحرية كفيلة بأن تجعله، إذا لم يكن سلطة رابعة، فعلى الأقل قادرا على التأثير في صناعة القرار وتحديد التصور.

 يونس البضيوي/محمد أفزاز، جريدة التجديد، 5 يونيو 2003

  * "يحيى اليحياوي الأستاذ والباحث في الإعلام والاتصال ل'التجديد': حرية الإعلام تكمن في صدق الكلمة والرسالة وقبول التعدد"، جريدة التجديد، 5 يونيو 2003.

Vous pouvez partager ce contenu