Aller au contenu principal

"القناتان عجزتا عن إرضاء المستهلك الداخلي فبالأحرى الدفع بمبدأ المنافسة"

 كيف سيدخل العرب والمسلمون القرن الحادي والعشرين وهم يجرون وراءهم تخلفا يصعب تداركه قبل عقود؟ هذا إذا ما انطلقوا من الآن في العمل على التدارك. أما إذا ما استمروا في تراكم تداعيات التخلف، فإن الأمر ينذر بالسوء.

لكي نقترب من الإجابة عن هذا التساؤل اتصلنا بالأستاذ يحيى اليحياوي الخبير في مجال الإعلام والاتصال. أصدر له أول كتاب سنة 1995 تحت عنوان "الاتصالات في محك التحولات" وأجرينا معه هذا الحوار الذي تركز حول مجموعة من الأسئلة المرتبطة بواقع تقنيات المعلومات والاتصالات في العالم العربي والتحديات التي يواجهها العرب بالإضافة إلى قضايا أخرى مرتبطة بالإنترنيت والمواقع الإسلامية والحرب الدائرة على ساحة الإنترنيت...كما تطرقنا معه إلى واقع قطاع السمعي/البصري بالمغرب ورأيه في عملية التحرير التي يشهدها هذا القطاع.

 التجديد: كيف تنظرون إلى تحرير قطاع الإعلام السمعي البصري في المغرب؟

 يحيى اليحياوي: ليس هناك تحرير اليوم للقطاع السمعي/البصري، هناك قانون لهذا التحرير لم يدخل بعد حيز التطبيق، أعني لم توضع له بعد المراسيم التطبيقية.

أريد أن أذكر بهذه المسألة بالذات بمجموعة من الحقائق أعتبرها شخصيا مهمة بل لربما محددة لسياق التحرير القائم:

 + الحقيقة الأولى أن مشروع قانون التحرير (المشروع 633-02-2 القاضي بإنهاء احتكار الدولة على ميدان البث الإذاعي والتلفزي) لم يصوت عليه " نواب الأمة" إلا بنسبة 10 إلى 15 بالمائة من حجم النواب الموجود. وهذا أمر عهدناه قبل ذلك مع قانون تحرير الاتصالات (24-96) ومفاده أن القضايا الجوهرية الكبرى لا تهم مجلس النواب ولا هي من أولوياته حتى. وهذا أمر يثير الدهشة والتساؤل.

+  الحقيقة الثانية هو أن هذا القانون هو إلى حد بعيد من فصيلة " قول حق أريد به باطل" إذ  سبقه على مستوى الممارسة واقع الحال: واقع حال وجود إذاعة البحر الأبيض المتوسط سنة 1980 والقناة الثانية سنة 1989 دونما وجود سند قانوني أي بوجود قانون يخول للدولة وللدولة فقط استغلال مجال البث الإذاعي والتلفزي. بالتالي، فالقانون الحالي لا يعدو غير كونه تكريسا لواقع كان سائدا منذ مدة وكان له لربما أن يسود دونما حاجة تذكر لهذا القانون.

 + الحقيقة الثالثة ويتم الترويج بموجبها أن من شأن هذا القانون أن " يحرك" ركود القناتين الموجودتين. هذا كلام غير دقيق إذ كيف لهذا القانون أن يقوم بذلك وقد تعذر تحريك هاتين القناتين بوجود طفرة من القنوات الفضائية تلتقط في معظمها بالمغرب؟

 + الحقيقة الرابعة: أن الإشكال ليس إشكال تحرير بغرض خلق قنوات إضافية، هذا أمر هين قياسا إلى ما حملته الثورة الرقمية  من سبل لمضاعفة عدد القنوات، لكن الإشكال سيطرح حتما على مستوى المضامين. ماذا ستبث الإذاعات والتلفزات التي ستنشأ وإنتاج المضامين أمر مكلف ومرهق للميزانيات. هذا إشكال حقيقي أطرحة على مصيغي القانون. سنكون حتما بالمحصلة بإزاء قنوات ستبث التفاهة أو في أحسن الأحوال ستكون بوقا لهذه الجهة المالية والاقتصادية أو تلك وهذا سيحسب على القانون لا لفائدته.

 لهذه الاعتبارات أعتقد أن قانون التحرير به من الهفوات والنواقص ما سيجعله حقا على المحك مستقبلا. ولما كانت الأمور بخواتمها فلنكن متفائلين كما يقول أصحاب القانون.

 التجديد: كيف يمكن للمجلس الأعلى للإعلام والاتصال أن يقوم بالدور المنوط به دون المس بمبدأ التحرير؟

 يحيى اليحياوي: لن نكون بهذا المجال بإزاء مجلس أعلى بل بإزاء هيئة عليا للاتصال السمعي/البصري (منشأة بظهير 212-02-1 بتاريخ 31 غشت 2002).

هي هيئة استشارية، موضوعة بجانب رئيس الدولة، من اختصاصاتها إبداء الرأي واقتراح كل ما من شأنه تنظيم أو تقنين المجال السمعي/البصري، خمسة من أعضائها التسعة (ضمنهم الرئيس) يعينهم رئيس الدولة وميزانيتها ضمن ميزانية البلاط الملكي ولا طبيعة تقريرية لديها بالمطلق.

لن يتعذر على المواطن العادي فبالأحرى المتتبع أن يستشرف طبيعة التحرير المنتظرة. أما أنا فغالبا ما أتعفف من الجواب على تساؤل يكون مضمونه من تحصيل الحاصل.

 التجديد:  يعتبر المنتوج الإعلامي في عصرنا الحاضر صناعة قائمة الذات تعتمد على كل مكونات السوق بين منتج ومستهلك ومروج الخ... لكننا نعلم كذلك أن " تلفزتنا" ظلت، منذ أن وجدت، منتجا ومستهلكا لما ينتج. كيف يمكن تسويق منتوجنا الإعلامي سواء كان إنتاجا فنيا أو دراميا أو غيره  في هذا الإطار الذي لا يسمح للقناتين معا، بحكم أنهما من أجهزة الدولة، بأن تكون لهما مداخيل مستقلة وإن كانا عمليا يقومان بذلك مما يعتبر خرقا للقانون؟

 يحيى اليحياوي: لست متأكدا تماما من أن هاجس التسويق أو المنافسة كان يوما من سياسة القناة الأولى أو الثانية. القناتين معا لم يستطيعا إرضاء "المستهلك" الداخلي، فكيف سيكون بمستطاعهما الحصول على استلطاف المشاهد الأجنبي. هذا إشكال جوهري فيما أعتقد إذ القيمة الحقيقية لأي إنتاج غالبا ما تفرض نفسها وتخترق الحدود.

 أتصور أن كون القناتين جزءا من منظومة (لا منظومة ذاتية قائمة لديهما) وكونهما جزءا من جهاز الدولة (لا قيمة تذكر لجهازهما كسلطة مضادة للسلطة الأولى) ...هذا الأمر جعل القناتين معا وإن بنسب مختلفة بوقا للسلطة، لا سلطة لهما بالتالي تذكر. لم يكونا يوما انعكاسا لواقع الحال بقدر ما كانا تكريسا لاختراق الدولة لذات المجال.

 بالتالي، فليس (وهذا إكراه موضوعي) ليس بمستطاع القناتين أن تنتج أعمالا يرتضيها المشاهد أو يستلطف مضمونها.

ليس صحيحا اختزال كل الإشكال في ضعف الموارد (من قبيل محدودية موارد الإشهار أو ضعف دعم المؤسسات أو نضوب دعم الدولة أو ما إلى ذلك) بقدر ما هو إشكال بنيوي نابع من الوظيفة المناطة بالتلفزة نفسها (والإعلام المسموع والمرئي عموما) وبالدور الذي أوكل لها في الشكل والجوهر.

 إذا لم يكن هذا الكلام مقنعا، وإذا سلمنا حقا بأن الإنتاجات الدرامية أو الوثائقية أوغيرها مكلفة ولا حول للقناتين معها، فما هي يا ترى تكلفة بعث طاقم للعراق يغطي بالصوت والصورة (كما يفعل غيرنا) عدوان التحالف الأنجلوأمريكي على العراق؟ وما التكلفة الافتراضية لو قدمت الأخبار من داخل الاستوديو (دونما مراسلين حتى) تكون صادقة ومباشرة دونما نفاق أو تزويق؟

 اعتقد بالمحصلة النهائية أن كل الأطروحة المتمحورة حول مفهوم العهد الجديد، لن توضع على المحك بالقياس إلى انتخابات ما أو تدشينات  أو اقتراب رأس الدولة حتى من مواطنين معدمين بل وأيضا ولربما بالأساس احتكاما إلى ما سيتم على المستوى الإعلامي...وعلى مستوى السمعي/البصري بالتحديد.

 جريدة التجديد، 11 أبريل 2003 (حاوره زكريا سحنون)، الجزء الثالث

 * "يحيى اليحياوي، الخبير في مجال الإعلام والاتصال ل'التجديد':القناتان التلفزيتان بالمغرب عجزتا عن إرضاء المشاهد الداخلي وعجزها عن المنافسة سيكون أكبر"، جريدة التجديد، 11 أبريل 2003 (3/3).

Vous pouvez partager ce contenu