Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي: "الانتخابات التشريعية عرفت تزويرا ناعما ضد إرادة المواطن"

هوت نتائج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى الصف الخامس، بعدما كان يشكل القوة الأولى في انتخابات 2002، في حين جاءت بحزب الاستقلال إلى المرتبة الأولى على حين غرة منه، دون أن تستطيع أيّ من الأحزاب تحقيق الأغلبية المطلقة، أما حزب العدالة والتنمية فلم يحقق ما تحدثت عنه استطلاعات الرأي التي أنجزتها مؤسسات دولية، أو تلك التي أنجزها الحزب لنفسه، حيث قلبت النتائج النهائية كل التوقعات التي كانت ترشحه لأن يكون القوة الأولى في البلاد.

 فما هي الأسباب التي أدت إلى التحول في تلك التوقعات؟ ولماذا فشل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؟ وما دلالات النتائج النهائية؟ وهل سيكون لها تأثير على الخريطة السياسية المقبلة؟ 

تحول في التوقعات

هناك عدة أسباب كانت وراء الانقلاب الذي حصل في التوقعات التي كانت منتظرة، والتي أعلنت عنها العديد من استطلاعات الرأي، التي كانت تعطي لحزب العدالة والتنمية مركز الصدارة، أسباب حصرها الدكتور عبد العلي حامي الدين أستاذ العلوم السياسية بطنجة في "الاستعمال الكثيف للمال في العملية الانتخابية" خاصة عشية يوم الاقتراع، من طرف من أسماهم "بارونات المال والكائنات الانتخابية التي تنتمي إلى معظم الأحزاب" حسب قوله.

 أما العامل الثاني فيتمثل في "لجوء وزارة الداخلية إلى الزيادة في عدد مكاتب التصويت في الدوائر الانتخابية، بشكل جعل الأحزاب تعجز عن تغطيتها، وضمان وجود مراقبين لها في مكاتب التصويت"، وهو ما سمح حسب بعض الملاحظين، يقول حامي الدين، "بالتلاعب ببعض نتائج مكاتب التصويت،  خاصة في المناطق النائية"، في حين يرتبط العامل الثالث حسب المتحدث ذاته، بـ"نمط الاقتراع الذي حرَم الحزب من عدد كبير من المقاعد بسبب منطق أغلبية البقايا"، مشيرا إلى أن عددا من الدوائر حصل فيها حزب العدالة والتنمية على 17 ألف صوت، ولم يحصل سوى على مقعد واحد، بينما حصل بعض المرشحين على مقعد ب4 آلاف صوت فقط".

 وينطبق هذا المثال، يقول حامي الدين، على دائرة العرائش-القصر الكبير الذي حصل فيها علال الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال على مقعد مشكوك في نزاهته"، وهي حالة تكررت في دوائر أخرى مثل دائرة الحي المحمدي ودائرة المضيق الفنيدق، ودائرة الحاجب، حسب المتحدث. وأكد أستاذ العلوم السياسية أن "عددا من الدوائر وقع التلاعب فيها بالنتائج من طرف بعض رؤساء مكاتب التصويت وبعض أعوان السلطة"، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية لم تكن بعيدة عن هذا المسار.

وبالرغم من كون حزب العدالة والتنمية لم يحتل الرتبة الأولى، فإن التوقعات تبقى صحيحة وفق حامي الدين، لكونه حصل على الرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات المحصل عليها، وإن كان نمط الاقتراع لا يسمح بتحويل عدد الأصوات إلى مقاعد، ولذا يقول حامي الدين فإن نمط الاقتراع غير عادل، لكونه لا يضمن التناسب عدد الأصوات وعدد المقاعد.

غير أن ميلود بلقاضي أستاذ تحليل الخطاب السياسي، أرجع خيبة التوقعات التي كذبتها نتائج الانتخابات، إلى غياب مؤسسات علمية لها القدرة على الدراسة الموضوعية للواقع السياسي واتجاهاته، وقال بلقاضي إن تلك الاستطلاعات كانت تبنى توقعاتها على الحضور القوي للعدالة والتنمية في مجلس النواب،  مقارنة بالأداء الخافت للحكومة، وذهب بلقاضي إلى المغرب "بحاجة إلى معطيات ذات مصداقية وإستراتيجية وغير موسمية".

إضافة إلى ذلك، هناك عامل ثان يتعلق بتعدد الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، مثل النهضة والفضيلة والبديل الحضاري، بخلاف انتخابات 2002،  وهو ما شكل نوع من التنافس على القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية من قبل هذه الأحزاب، لكن المتحدث أبدى تحفظه على الدور السلبي الذي يمكن أن تؤثر به عوامل مثل القانون الانتخابي والتقطيع الانتخابي، وقال إن جميع الأغلبيات في العالم، تضع قانونا وتقطيعا انتخابيا يخدم مصلحتها بالدرجة الأولى.

من جهته، قال يحي اليحياوي الخبير في الاتصالات، إن ما كشفت عنه نتائج استطلاعات الرأي كذبته التجربة الحية، مشيرا إلى تلك الاستطلاعات تنقصها أحيانا المعطيات الموضوعية، وهذا لا يعني أنها لم تكن علمية، ولكنها كانت غير مضبوطة، حسب المتحدث، وتؤكد أن ما يمكن أن يكون قارّا وقابلا للتوقع في مجتمعات أخرى، لم يكن كذلك بالنسبة للمجتمع المغربي.

لكن ما لم تستحضره كل التوقعات، حسب اليحياوي، هو نسبة المقاطعة الكبيرة للمواطن المغربي للانتخابات، والتي تجاوزت 63 في المائة، وهو معطى قلب كل التوقعات حسب رأيه. وأضاف اليحياوي أن المقاطعة لم تكن اعتباطية ولكن وراءها الفساد المستشري، وكذا وضع معيشي صعب.

  وأكد المتحدث أن الانتخابات الحالية عرفت تزويرا ناعما حسب قوله، ساهم فيه القانون الإنتخابي، والتقطيع الانتخابي، وقانون الأحزاب، والتصويت باللائحة، والذي يؤكد أن لا أحد يستطيع الفوز بأغلبية مطلقة مهما كانت قوته، وهو ما يتيح لصاحب القرار السياسي هامش واسع من الاختيار، لكنه يؤثر سلبا على الأحزاب السياسية، ويقتل السياسية في النهاية" حسب قوله.

الفشل المدوي للاتحاد الاشتراكي

المفاجأة الثانية في الانتخابات التشريعية، هي الخسارة الكبرى التي مني بها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التي هوت به نتائج من الرتبة الأولى في انتخابات 2002، حيث كان يشكل القوة السياسية الأولى في البلد، لإلى المرتبة الخامسة، بحيث سيكون أضعف حلقة في التحالف الحكومي المنتهية ولايته، في حالة قبوله الاستمرار فيه، لكن ميلود بلقاضي اعتبر أنه الاتحاد الإشتراكي لا يجب أن يشارك في الحكومة المقبلة، أخلاقيا كما يقول، لكون خسر رموزه وقيادته ووزرائه، وهو زلزال سياسي أصاب الاتحاد الاشتراكي الذي أدى ضريبة الانتقال الديمقراطي حسب قوله.

لكن فشل الاتحاد الاشتراكي لم يكن فشلا له وحده كحزب، بل فشل للحكومة ككل، حسب ما يقوله حامي الدين، الذي ذهب إلى القول أن نجاح حزب الاستقلال لم نجاحا له كحزب، وإنما للمافيا الانتخابية لحزب الاستقلال، وإلا كيف يمكن أن نفسر فشل عبد الحميد عواد رئيس الفريق الاستقلالي في مجلس النواب السابق، والمعروف كقيادي نزيه وكفء وله وزن سياسي كبير، في الوقت الذي حصل شباط في فاس على مقعدين؟ واعتبر حامي الدين أن الفشل إنما هو من  نصيب الحكومة ككل وليس لحزب سياسي فيها فقط.

إلى ذلك، قال يحي اليحياوي في تعليقه على الفشل الذي تعرض له الاتحاد الاشتراكي، "إن المواطن متذمر من الاحزاب ككل، وليس من حزب الاتحاد الاشتراكي لوحده، مشيرا في الوقت ذاته، أن فشل الحزب المذكور في تدبير الملفات التي لها علاقة بالمعيش اليومي للمواطن، عرّضته لعقوبة قاسية منه، ونبه اليحياوي إلى العقاب الذي تعرض له الاتحاد الاشتراكي إنما هو رسالة ودرس لجميع الأحزاب، لكنه أضاف بالقول أن المواطن عاقب الحكومة في النهاية وليس حزبا سياسيا فقط.

 نتائج عادية بسخط كبير

لكن بالرغم من الرسالة القوية التي وجهها المواطن للاتحاد الاشتراكي، فإن النتائج النهائية تعكس الإحباط الكبير للمواطن المغربي من أحزاب الأغلبية ككل،  في حين "تشكل بارونات المال والمخدرات المنتصر الوحيد فيها" حسب حامي الدين، الذي اعتبر أن "انتصار أصحاب المخدرات في مدن مثل طنجة والحسيمة والناظور هو عودة جديدة لهم، مما يشكل تهديدا للسياسة"، وهي مشاكل تنضاف إلى وضع البلقنة والتشتيت التي أفرزته النتائج، وأشار حامي الدين إلى أن حزب العدالة والتنمية في وضع لا يحسد عليه، رغم أن الاتجاه العام للمواطن هو مع التغيير، بدليل الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية، غير أن، يقول المتحدث، القوانين الانتخابية والمناخ السياسي العام لم تمكن حزب العدالة والتنمية من نسج تحالفات مع قوى سياسية تمكنه من صنع الأغلبية.

من جهته، قال يحي اليحياوي إن النتائج المعلن عنها كشفت عن انضباط القاعدة الانتخابية لحزب الاستقلال، كما هو الحال لحزب العدالة والتنمية، وقال اليحياوي "علينا أن ننتظر نشر النتائج النهائية للانتخابات الحالية وكذا انتخابات 2002، لنعرف سلوكيات الناخب واتجاهاته، في حين اعتبر ميلود بلقاضي النتائج كشفت أنه في الوقت الذي ارتفعت عدد الاحزاب المشاركة في الانتخابات الحالية مقارنة مع 2002، فإن الكتلة الناخبة ظلت كما هي دون تغيير، مشيرا إلى أن الأحزاب الصغيرة في هذه الانتخابات أثرت سلبا على الأحزاب الكبيرة، فاليسارية منها أثر سلبا على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما أثرت الإسلامية منها مثل البديل الحضاري والنهضة والفضيلة على حزب العدالة والتنمية، وأشار بلقاضي إلى أن حزب الاستقلال يبقى الحزب الوحيد الذي لم يتعرض للانشقاق، واعتبر المتحدث أن النتائج النهائية تبقى عادية جدا دون أي تحولات جذرية كما كان يتوقع.

 احتمالات المستقبل

بالنسبة لعبد العلي حامي فإن استمرار الأغلبية الحالية فيه ضرر كبير على المغرب، وعلى الديمقراطية الناشئة في المغرب، لأن خمس سنوات أخرى سينتج عنها مزيد من الإحباط والعزوف عن المشاركة السياسية، مما سيجعل المستقبل متعقدا أكثر، غير أن المتحدث ذهب إلى القول أنه" لا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يشارك في حكومة مع أحزاب يطعن في نزاهتها ويتهمها بالفساد.

وذهب حامي الدين إلى أن الإشارات التي أعطاها المواطن من خلال عدم التجديد الثقة في عدد من رموز الأغلبية الحزبية والحكومية، مؤكدا أن ما أسفرت عنه تلك النتائج يدعو الأحزاب إلى فتح نقاش حول وظائف الأحزاب السياسية وبرامجها، كما يدعو الدولة إلى تفهم أن إرجاع الثقة للمواطن لا يمكن أن يكون من خلال مؤسسات سياسية قوية، الأمر الذي يحتاج إلى إصلاح سياسي وثقافي ومؤسساتي عميق في المغرب.

بينما اعتبر اليحياوي أن الخريطة السياسية في المستقبل غير واضحة تماما، لكونها غير قارة من جهة، ومن جهة ثانية لكون الملك يتمتع بصلاحيات كبيرة، تمكنه من اختيار الوزير الأول من أي جهة كانت ولو كانت غير حزبية، ورجح اليحياوي استمرار الأغلبية الحالية، بناء على ما صرح به حزب الاستقلال من تشبثه بتحالفاته السابقة، وكذا استمرار حزب العدالة والتنمية في المعارضة، حسب قوله.

أما ميلود بلقاضي فلفت الانتباه إلى أن الخريطة بقيت كما كانت، وأن الأحزاب لن تشكل خارجها، وطرح في هذا الإطار ثلاث سيناريوهات، يتمثل الأول منها في استمرارية الأغلبية مع إضافة الاتحاد الدستوري ووزير أول من حزب الاستقلال من الجيل الثاني فيه، أما الثاني فهو تبلور معارضة يسارية بقيادة الاتحاد الاشتراكي وأغلبية بقيادة حزب الاستقلال وينضم إليها حزب العدالة والتنمية، أما السيناريو الثالث فيتمثل في تشكيل حكومة ائتلافية بمشاركة جميع الأحزاب باستحضار ملف الحكم الذاتي في الصحراء، الذي يجب أن يصل فيه المغرب إلى حلّ سياسي متوافق عليه.

* "يحيى اليحياوي لجريدة التجديد: "الانتخابات التشريعية عرفت تزويرا ناعما ضد إرادة المواطن"، تصريح لجريدة "التجديد"، الرباط، 12 شتنبر 2007.

Vous pouvez partager ce contenu