Aller au contenu principal

"سلطان هاشم الطائي"

news-details

عندما دخلت قوات الغزو الأمريكي العاصمة بغداد، صبيحة التاسع من أبريل من العام 2003، لم تجد بطريقها ما كانت تخشاه من مقاومة كان الرئيس/الشهيد صدام حسين قد لوح بها عندما أعلن جهارة، والحرب مؤكدة وعلى الأبواب، أن مغول العصر سوف ينتحرون تباعا على أسوار بغداد.

لم يتملكنا الذهول في أقصى درجاته، ونحن نشاهد بالمباشر الحي ذبابة أمريكية تسقط تمثال ساحة الفردوس، بل تملكتنا الحسرة الممزوجة بالغضب، وقد تبخر الجيش العراقي رؤساء ومرؤوسين، تاركين عاصمة الرشيد للأمركيان، ومن خلالهم، بل بفضل حمايتهم والإيعاز الواضح من لدنهم، لعصابات النهب والسلب، تفننت في سرقة مكنوزات حضارة الرافدين، ومحتويات دولة لم تنل منها حروب المنطقة المتتالية، ولا سنين العزلة والحصار التي فرضت عليها غدرا وظلما، لأكثر من عقد من الزمن.

لا يستطيع المرء، والحالة هاته، أن يتكهن بالآية الدفينة خلف ما جرى، انهزام مطلق هو، أم قرار استراتيجي تم اعتماده قبليا لترتيب المقاومة المحتملة (دع عنك أطروحة الخيانة، عبر الهروب من أرض المعركة)، لكن المرجح أنه كان ثمة تسليم من لدن القيادة في حينه، بأن لا سبيل لمواجهة الطوفان القادم من الجو والأرض، إلا سبيل الفر المؤقت، بأفق ترتيب الكر، كر المقاومة عبر حرب العصابات، والاستنزاف البعيد المدى.

لم يمهل الأمريكان كثيرا قادة العراق، وهم بمخبئهم متخفون، بل سرعان ما أصدروا لائحة بأسماء المطلوبين الخمسة والخمسين، منهم من قتل مفضلا الموت على استسلام مذل، كما كان الحال مع عدي وقصي ومصطفى، ومنهم من سلم نفسه طواعية بوعد شفوي من الأمريكان، أو دونما وعد مسبق يذكر، كما كان الحال مع طارق عزيز وطارق السعدي وغيرهما، ومنهم من تمت الوشاية به، فسقط غدرا بالاعتقال، كما كان مصير العديد وضمنهم الرئيس/الشهيد ذاته، ومنهم من تسلم (بوساطة هذا الطرف أو ذاك) رسالة "طمأنة" على مصيره، إن هو سلم نفسه لقوات الاحتلال، كما كان الحال مع الفريق سلطان هاشم الطائي، وزير الدفاع العراقي في حكومة ما قبل الاحتلال.

يقول الجنرال بترايوس، وكان حينها قائد الفرقة 101 المتواجدة بالموصل، في رسالة للفريق الركن سلطان هاشم، سلمها له داوود باغستاني، الحقوقي الكردي المعروف: "أنا وأنت ضباط وقادة جيوش، ننفذ ما يصدر إلينا من أوامر من قياداتنا السياسية، وليس لنا الحق في الاعتراض. وأنت قمت بواجبك العسكري، ولا تتحمل مسؤولية على الإطلاق، وآمل أن تسلم نفسك، حتى لا تتهم بأنك هارب".

ويتابع القول: إني "أعرض عليك عرضا بسيطا وشريفا، للحفاظ على حياتك من قبل قوات التحالف، لتجنيب أسرك أو سجنك، أو خسارة ضابط كبير يتسم بالشرف والكرامة".

على هذا الأساس (ولربما على أساسه فقط)، فإن تسليم سلطان هاشم نفسه للأمريكان، إنما تأتى بالبناء على ذات الرسالة/الوعد، التي بلغت لوسيط العملية ولإبن سلطان هاشم ذاته، والمقيم، منذ مدة، ببلاد الشام. يقول أحمد سلطان هاشم: "إن بترايوس قال إن التحقيق سيستغرق أسبوعين أو ثلاثة، وبعد ذلك سيطلق سراحه، ويمكن أن يستأنف حياته...إن الأمريكان وعدونا، سوف يعاملونه بكرامة واحترام، وإبقائه حيا وإطلاق سراحه بعد ذلك".

لم يتحقق من ذات الوعد شيء يذكر، إذ بمجرد تسليم سلطان هاشم نفسه لقوات الاحتلال بشتنبر من العام 2003، تم الزج به في السجن، وحقق معه لأيام وليال طوال، ليدفع به بالمحصلة للامتثال أمام "المحكمة الجنائية الخاصة"، فيحاكم بقضية الأنفال، ويحكم عليه بالإعدام ب24 يونيو الماضي، بعدما تمت "إدانته بجرائم الحرب والإبادة الشاملة والجرائم ضد الإنسانية"، وما سوى ذلك.

كان المفروض أن ينفذ الحكم (وقد بات قطعيا، بعدما زكته محكمة التمييز) في مدة لا تتجاوز الشهر، تماما كما نفذ من ذي قبل وحتى قبل انتهاء ذات المدة في الرئيس/الشهيد، وفي رفاقه الثلاثة فيما بعد. إلا أن تعثر عملية التنفيذ إنما توحي بأن ثمة اعتبارات جلية ومضمرة، تجعل من تنفيذ العملية إياها أمرا إذا لم يكن مستبعدا بالوقت الحالي، فعلى الأقل مؤجلا إلى حين:

+ فمجلس الرئاسة الثلاثي الأضلع، عارض بقوة تنفيذ حكم الإعدام بسلطان هاشم (دونما تلميح من لدن ذات المجلس لمصير رفيقيه في الأسر، علي حسن المجيد وحسين رشيد المحكومين بالإعدام أيضا)، لا بل استصدر قرارا من مجلس شورى الدولة، يؤكد فيه بالنص الصريح ألا تنفيذا لأحكام الإعدام "إلا بمرسوم جمهوري".

صحيح أن قانون المحكمة الذي صاغه برايمر بدقة متناهية، لا يعطي مجلس الرئاسة صلاحيات العفو، أو المقدرة على تخفيض العقوبة، لكنه يعلق التنفيذ طالما لم يبصم عليه الرئيس ونائبيه...وقد يعلقه إلى ما لا نهاية.

ولما كان المجلس إياه معارضا بالمطلق لتنفيذ حكم الإعدام بسلطان هاشم (والطالباني صرح بذلك بقوة)، فإن إعمال منطوق حكم الإعدام غير مكتمل الصفة القانونية (شكلا على الأقل) ليدخل حيز التنفيذ.

+ والأمريكان، حيث يقبع بسجنهم سلطان هاشم ورفيقاه، يتمنعون في تسليم الشخص، ليس فقط تقديرا من لدنهم لسلطة فتوى مجلس شورى الدولة، أو إكراما لوعد سابق من جنرال لهم، بات اليوم قائد القوات الأمريكية بالعراق، بل "إكراما" للعشائر السنية (حيث ينحدر هاشم من إحدى أقواها) تقاتل منذ مدة بجانبهم لصد القاعدة، لا بل نجحت في تخفيف الخسائر الأمريكية المترتبة عن مواجهتهم المباشرة مع هذه الأخيرة.

إن تمنع الأمريكان في تسليم هاشم "للحكومة العراقية"، إنما تمليه مصلحتهم المباشرة في مجاراة العرب السنة، الذين يحاربون بالأنبار وديالى بالنيابة عنهم، لا بل لهم حساسية مفرطة إزاء قادتهم العسكريين السابقين، سيما لو كانوا، كما حال هاشم، من أبنائهم، من كبريات عشائرهم، ومن طائفتهم، فضلا عن كل هذا وذاك.

بالتالي، فلو قدر على هاشم أن يعدم، فإنه من غير المضمون ولا المؤكد، استمرار "ولاء" عرب سنة قد يثقون مؤقتا في سلوك الأمريكان (بتقاطع بعض المصالح الآنية فيما بينهم)، لكن لا إحساس بالثقة لديهم يذكر، تجاه حكومة الطوائف بالمنطقة الخضراء.

+ والسيستاني ذاته (حيث لإيران بلده الأصل، ثأرا قديما مع هاشم) لم يستسغ قرار الإعدام، وبين (على لسان ممثله بالنجف) "أن سلطان هاشم ليس شخصية سياسية، وإنما شخصية مهنية، ويمثل موقعا متميزا لدى طائفة أساسية من مكونات الشعب العراقي...وأن جهود المصالحة الوطنية التي تتبناها الحكومة العراقية، تستدعي مبادرات تحمل روح التسامح، لافتا إلى أن الإقدام على عمل كهذا، سوف يضر بهذه الجهود المبذولة، في وقت يحتاج فيه الشعب العراقي إلى مزيد من رص الصفوف والتئام الجراح".

إن إدانة سلطان هاشم والحكم عليه بالإعدام، إنما يثير بالأذهان إشكالا، لطالما تردد بالأدبيات القضائية وبالفقه القانوني أيضا منذ زمن بعيد، والذي مفاده عدم مسؤولية العسكري عن إطاعة الأوامر الصادرة إليه، و"ألا مسؤولية على العسكري في تنفيذ الأوامر"، لأنه ملزم بطاعة ما يصدر إليه من أوامر وفق القوانين، وأن المسؤولية (إن ثبتت الإدانة) تقع على القادة السياسيين، لا عليهم هم بأي حال من الأحوال.

يقول جلال الطالباني: إن "هذا الرجل لا يستحق الإعدام. كان ضابطا عراقيا قديرا وممتازا، نفذ الأوامر الصارمة من صدام حسين، وهو عسكري لم يكن يستطيع مخالفة الأوامر".

إن سلطان هاشم عسكري محترف، تسلق التراتبية العسكرية عن تكوين بالأكاديميات وخبرة بميادين الحرب، سيما بحربي الخليج الأولى والثانية، ولم يبلغ رئاسة الأركان ولا وزارة الدفاع إلا بفضل كفاءته وصدقه، ونظافة يده، ودماثة خلقه. لم يكن تكريتيا، ولا كان من أقرباء الرئيس/الشهيد، ولم يثبت عليه أنه تجاوز في حملة (حملة الأنفال) باتت الحجة اليوم دامغة بأنها لم تكن من فعل الجيش العراقي، ولا كان لهذا الأخير من دور في الفظاعات التي تعرض لها إقليم كردستان، والحرب مع إيران في أوجها.

يقول الجنرال شوارتزكوف، قائد القوات الأمريكية بحرب الخليج الثانية، في وصفه للاجتماع الذي دار في خيمة صفوان، مكان التوقيع على وقف إطلاق النار: " لقد فوجئت بالموقف الشجاع للفريق سلطان هاشم، حين تصرف بطريقة صارمة، جعلتني مجبرا على احترامه، وتأدية التحية العسكرية له".

ويقول سلطان هاشم، بإزاء ما نسب إليه ب"المحاكمة": "أنا لا أحمل حقدا لأحد، لأن المؤمن لا يحقد. أما ما تقولونه عن ممارسات الجيش العراقي (القتل والاغتصاب)، فهل هناك قائد عسكري له شاربين، يقبل أن يقتل الناس وتغتصب النساء؟".

ومع ذلك، فإن حكام العراق الجدد لن يهدأ لهم بال، ويروى تعطشهم للثأر والدم، حتى يعلق سلطان هاشم، ومعه حسن المجيد وحسين رشيد وغيرهم من قادة الجيش العراقي السابق، بحبل المشنقة. إنهم يزعمون "أنه إذا ما حفظت حياة هاشم، فقد تكون هذه الحادثة سابقة لإعفاء مجرمين آخرين بنفس الطريقة". وهم يخشون، بالآن ذاته، أن يتحول سلطان هاشم إلى بطل بالنسبة للكثير من العراقيين، "فيكون بذلك نقطة تحشيد خطرة".

لذلك تراهم متشبثين ببنود محكمة برايمر، المنصصة على الإعدام السريع، دونما سبيل يذكر في العفو أو تخفيف العقوبة، ولكأن حكم قضاة المنطقة الخضراء، بات نصا مقدسا، أو قدرا لا حيلة لتفاديه.

* "سلطان هاشم الطائي"، شبكة الرافدين، 19 نونبر 2007. التجديد العربي، 19 نونبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 19 نونبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 21 نونبر 2007. القدس العربي، 28 دجنبر 2007.

Vous pouvez partager ce contenu